قضية تاريخية مغربية شائكة، تتعلق ببناء جيش من المغاربة سودِ البشرة الأحرار إضافة إلى العبيد، وعلاقة العلماء بالسلطة، وتعامل السلطة مع المعارضة العالِمَة، تتناولها دراسة يضمها أحدث أعداد الدورية التاريخية المحكمة “مجلة ليكسوس”.
ويركّز الباحث في التاريخ الحديث عبد الرحيم مروان على محنة الفقيه عبد السلام جسوس زمن السلطان المولى إسماعيل الذي حكم 55 سنة بين القرنين 17 و18م، بسبب رفض العالِم الإفتاء بجواز إلحاق المغاربة الأحرار سودِ البشرة بفاس بالجيش الجديد “عبيد البخاري”.
وتمثّلت القضية في تمليك هذا الجيش المكون من العبيد السود و”الحراطين” بواسطة عقود وشهادات عدلية موثَّقة ومصادق عليها، وهو ما أثار جدلا فقهيا بعدما استهدفت حملةُ إعدادِ الجيش المغاربة السود الأحرار، وأرغموا على الجُندية، وهي فترة تقول حولها المصادر: “أصاب المغاربة الذعر والرعب وخاصة من كان جلدهم أسود، أو قريبا من السواد”.
عبد السلام جسوس، الفَقيه والمعلّم والمحدّث الذي تزعّم معارضة علماء القرويين لإلحاق “الحراطين” المغاربة الأحرار جبرا بالجندية، قُتِل “مخنوقا بباب سجن القلعة (…) عام 1121م، بعد أن عُذّب أشدّ العذاب بسبب موقفه المعارض لمسألة تمليك الحراطين، ودُفن بروضته قرب سيدي علي بن أبي غالب، داخل باب الفتوح من فاس.”
وكان الفقيه جسوس “من أشد الممتنعين للسياسة العسكرية التي نهجها السلطان مولاي إسماعيل، فقد كان من الذين رفضوا وضع علامتهم على الدواوين رغم التهديد والتخويف”.
وواصلت الدراسة: “على ما يبدو أن امتناع الفقيه إلى جانب (بردلة) و(ميارة) ألهب حماس الساكنة الفاسية، فنشأت بمدينة فاس معارضة حقيقية لعملية تمليك الحراطين أطرها هؤلاء الشيوخ الثلاثة وتزعّمها الفقيه جسوس، فتوجهوا صوب مكناسة للتعبير عن استيائهم وعدم قبولهم لهذا القرار، لتعطي هذه التحركات الاحتجاجية أُكلها”.
ورغم أن الوعد كان: “السلطان نصره الله عفا عن الحراطين وسمح فيهم ولم يبق له في ذلك، فارجعوا أيها الفقهاء والشهود إلى فاس بسلام”، إلا أن “السلطة المركزية بقيادة السلطان ستحاول ترتيب أوراقها ووضع خطة جديدة من أجل إتمام السياسة العسكرية، فقررت أن تحل المسألة مع كل طرف على حدة، وفضلت أن تبدأ بالعلماء الذين كانت تحملهم مسؤولية ما وقع”.
وبعدما استقبل السلطان الفقهاء الثلاثة، في قدومهم الثاني إلى مكناس، كتب المؤرخ الناصري صاحب “الاستقصا”: “فحقد عليه (الفقيه جسوس) السلطان فاستصغى عامة أمواله وأجرى عليه أنواع العذاب وبيعت دوره وأصوله وكتبه وجميع ما يملك هو وأولاده ونساؤه، ثم صار يطاف به في الأسواق وينادى عليه: من يفدي هذا الأسير؟ والناس ترمي عليه بالدراهم والحلي وغير ذلك من النفائس أياما كثيرة، فيذهب الموكلون به بمرامي عالية حيث ذهبوا بأمواله وبقي على ذلك قريبا من سنة، فكان في ذلك محنة عظيمة له ولعامة الناس وخاصتهم”.
وكتب الباحث أنه نظرا للمكانة الاجتماعية لهذا العالم عند الساكنة الفاسية “تَسارع الناس إلى إفدائه”، ومن بين ما كُتب في تأريخ تلك الفترة أنه بعدما أشرفت عملية الطواف على الانتهاء، ظن الناس “أنهم ذهبوا به ليقتلوه، فخرج الصبيان بألواحهم من المكاتب يطوفون مع ساداتنا الشرفاء على أولياء الله ينادون: جاه النبي قدمنا يا مولاي ارحمنا، واجتمع معهم لذلك خلق كثير، فأسف الناس من ذلك كثيرا واشتد بكاؤهم وحنينهم والناس كلهم ينادون: يا رفيق يا ربنا”.
هنا كتب الباحث أن السلطان عفا عنه وسرّحه إلى منزله “ظنا منه أنه سيفعل ما فعله الناس”، ثم أورد ما ذكره ابن الحاج في “الدر المنتخب المستحسن”: “فأرسل إليه السلطان برفق وإحسان يطلب منه الموافقة على ما كان، فأبى وامتنع وقال: يراني الله موافقا على ما وقع، ولو أدى إلى ما لا محيد عنه ولا مفر منه وأنا صابر على ما أراد وقدر، فقولوا لمولانا ينظر فيما به أمر وأنّ جدّه نهى عن ذلك وزجر، فقال عليليش للسلطان هذا الفقيه يبغضك ويريد القيام عليك والبهتان، لا سيما حيث سرحته فظن أنه حصل على الأمان”.
وسُجن الفقيه مرة أخرى، ثم أطلق سراحه بعد أشهر قليلة، ولما عاد إلى درسه في المسجد، جاء رسول القائد يكلمه فذهب إليه، فأمر بسجنه، وقُتل في الحبس خنقا.
ويحفظ التاريخ مبرر امتناع الفقيه عن الموافقة على تمليك المغاربة سودِ البشرة، ففي بطاقة تركها يومين قبل مقتله، كتب: “الحمد لله يشهد الواضع اسمه عقبة على نفسه ويشهد الله سبحانه وملائكته وجميع خلقه أني ما امتنعت من الموافقة على تمليك من ملك من الناس، إلا أني لم أجد في الشرع وجها له ولا مسلكا ولا رخصة، وتحقيق من نفسي أني إن وافقت عليه طوعا أو كرها فقد خنت الله ورسوله والشرع الأعز، وإني خفت من الخلود في جهنم بسببه، وأيضا فإني نظرت في أخبار الأئمة المتقدمين حيث أكرهوا على ما لم تظهر لهم وجههم في الشرع واغترار الخلق بهم، ومن ظن فيّ غير ذلك أو افترى ما لم أقله وما لم أفعله فالله الموعد بيني وبينه وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام. وكتب عبد السلام بن حمدون جسوس “فغفر الله ذنوبه وسترهُ في الدارين عيوبَه، صبيحة يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الثاني من عام إحدى وعشرين ومائة وألف”.
وذكرت الدراسة أن قضية الفقيه جسوس وتمليك “الحراطين” قد “ظلت (…) حاضرة في الثقافة المغربية لتتداولها مجموعة من المؤلفات التي أجمع أغلبها بالإشادة بهذا الفقيه وبمواقفه الثابتة، إلا أن التضارب الذي وقع تجلى في الأسباب التي أدت إلى قتله، ليحمّل البعض المسؤولية للعلماء، وثمّة من يربطها بالروسي وعليليش، لنرجح في الأخير أن المسؤولية يتحملها جميع من ذكروا، وذلك حسب ما تم تأكيده انطلاقا من النصوص التاريخية”.
كما أنه “بمقتل جسوس عم السكون في نفوس علماء فاس وهيمن الخوف وساد، وقضية الحراطين بقيت قائمة، ليتخذ عليليش من مقتل جسوس وسيلة للضغط على علماء المدينة الشمالية تطوان فكان يقول لأهلها حسب ابن الحاج: (من تكلم بكلمة من العلماء أو غيرهم أفعل به كما فعلت بجسوس ويصيبه العذاب والنكال)”.
وتخلص الدراسة إلى أن “عزيمة مولاي إسماعيل وتصميمه على تشكيل جيش قوي من العبيد أقوى من كل حاجز لتستمر عملية جمع حراطين فاس بدون هوادة”، كما تقول: “وإذا كنا لا نعرف موقف العلماء بعد اغتيال جسوس، فإن المصادر تؤكد العطف الشامل الذي استمر مولاي إسماعيل يوليه لعلماء فاس، وتحكي عن حضوره الشخصي في الاحتفالات التي أقيمت بفاس على شرف سيدي محمد المشاط إثر ختمه لمختصر خليل”.
رحم الله العالم الجليل جسوس وادخله جنته،الكل يمضي ويبقى العمل ،فويل للظالمين من يوم قد اقترب.
التاريخ المخفي للأمة المغربية ، نشكر الباحت و المحلل على ما قام به و نشكر جريدة هسبريس على النشر
أللهم أرحم الفقيه جسوس وأدخله فسيح جناتك يارب ارحم الراحمين وارحم والدينا ومن علمنا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا إلى يوم الدين
رحم الله السيد العالم الرجل عبد السلام جسوس على ثباته وسبحان الله في اي زمان موجود هكذا حوادث وظلم
للعالم الجليل جسوس موقف شرعي قح وليس للهوى والنفس والمصلحة فيه يد فكيف يولد الناس احرار وتستعبد من اناس مثلهم ماهكذا امرنا به دينننا الحنيف وما جاء به من عتف الرقاب الا ليحرر الرقاب من الرق إلى التحرر
مقالة مهمة حول فترة زمنية من تاريخ المغرب
كنت اتمنى لو ان صاحب المقالة اوضح سبب اصرار مولى اسماعيل على العبيد والحراطين
هل لاسباب عسكرية ام نفسية ام احترازية
خاصة ان كل ما بناه هدمه ابناؤه بسرعة بعده وبالتالي فهو لم يضع اسس حقيقية للدولة
الجيش المحترف افضل
مثل هؤلاء هم من يجدر ان نعرف بهم ونفاخر بهم العالم
ليعلم حقيقية الاسلام والمسلمين الاتقياء من اهل المغرب .