مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. نور الدين البوكيلي في الاتصالات والأداء الجمعوي

مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. نور الدين البوكيلي في الاتصالات والأداء الجمعوي
صورة: هسبريس
الثلاثاء 29 نونبر 2022 - 07:00

قادت الصدفة نور الدين البوكيلي من مدينة وجدة إلى أوسلو، عاصمة النرويج، ليبرع في مجال الاتصالات ضمن شركة مختصة يمتد نشاطها الخدماتي إلى بلدان أخرى، وذلك بعدما غادر المغرب بنية التوجه إلى فرنسا، ثم عدل الوجهة مرة أولى صوب ألمانيا، ليثبت أخيرا على الاستقرار في منطقة اسكندنافيا.

إلى جانب نجاحه المهني، يمتد مسار النرويجي المغربي ذاته صوب أنشطة المجتمع المدني، وقد تحقق ذلك من خلال تنظيم جمعوي يحرص على إبرام شراكات وازنة في مجموعة من الدول بكل من إفريقيا وآسيا؛ بينما يواصل البوكيلي التشبث بجعل هذا الاشتغال التطوعي أكثر نجاعة في التعامل مع الشركاء بالمغرب.

بين وجدة واسكندنافيا

ارتبط استقرار نور الدين البوكيلي في المغرب بإيقاع مدينة وجدة قبل اختياره خوض تجربة الهجرة في منطقة اسكندنافيا، وفي عاصمة جهة الشرق شب وترعرع في جو عام يحفز على تنافس الأقران في الشارع والفصول الدراسية، ليحصد النجاحات التعليمية حتى الوصول إلى المرحلة الجامعية.

ويقول نور الدين: “كنت في بلجيكا بمعية أسرتي قبل التوجه إلى مدينة وجدة، إذ قمت بهجرة معاكسة وعمري 6 سنوات وقتها، ثم عشت ما خلف ذكريات جميلة لدي في مؤسسات عدة تحمل أسماء ابن زيدون والجاحظ وبلقاضي وبن مومن، وصولا إلى التعليم العالي في أحضان جامعة محمد الأول”.

خلال النصف الأخير من عقد ثمانينيات القرن الماضي، حزم البوكيلي حقيبته من أجل القيام بزيارة سياحية إلى أوروبا، وبعد تنقله بين مجموعة من بلدان القارة تحرك صوب منطقة اسكندنافيا، ثم ارتأى أن يستقر في مملكة النرويج بحثا عن آفاق دراسية ومهنية أرحب، والاستفادة من الفرص المشجعة التي رصدها في هذه الدولة.

صحبة جزائرية

غادر نور الدين البوكيلي المغرب من أجل زيارة أخيه المتواجد في فرنسا، راغبا في تغيير الأجواء مؤقتا، والاطلاع عن قرب على الفرص الدراسية المتاحة هناك، لكن الأقدار جعلته لا يفلح في تنفيذ ما هو مخطط له بنجاعة، لينخرط في جولة سياحية بديلة تضمنت بضع بلدان أخرى في القارة نفسها.

ويعلق ذو الأصل المغربي على ما وقع موردا: “لم أجد أخي في فرنسا بعدما مر بظروف في تلك الفترة، ولأنني أتوفر على انخراط يمكنني من التنقل عبر القطارات الأوروبية لمدة شهر قررت مواصلة الطريق إلى ألمانيا من أجل ملاقاة أصدقاء أعرفهم عبر المراسلة”.

كما يشدد البوكيلي على أن التوجه إلى اسكندنافيا كان باقتراح من شخص جزائري تعرف عليه في “بلاد الجرمان”، ويتعلق الأمر بدكتور في الهندسة المعمارية رافقه إلى الدنمارك والسويد ثم النرويج؛ وبعدما عاد رفيقه إلى بلاده قرر الوافد من مدينة وجدة البقاء في المنطقة التي وصل إليها سنة 1987.

بين الجامعة والنادي

يذكر النرويجي المغربي نفسه أن أولى المصاعب التي لقيها في مساعي الاندماج بالنرويج ارتبطت بالخصوصيات الطبيعية، إذ وصل إلى البلاد صيفا، في الفترة التي يكون النهار طويلا جدا، وبالتالي لم يكن يتمكن من النوم بسهولة نتيجة حضور نور الشمس في معظم ساعات اليوم، واحتاج إلى وقت من أجل الاعتياد على ذلك.

ويضيف نور الدين البوكيلي: “وجدت الناس متحفظين ومتخوفين من كل شخص ذي أصل أجنبي، رغم أن المهاجرين لم يكونوا بارزين كمّا حينها. ومع توالي الشهور أيقنت بوجود مزايا كثيرة لدى المجتمع النرويجي، وأفلحت في الانضمام إلى بنيته المتجانسة بكيفية تدريجية، إذ سهل الأمر بالإقبال على الدراسة والتواجد بين الطلبة”.

انخرط “ابن وجدة” في التعليم العالي من خلال دراسة الاتصالات بجامعة “تروندهايم”، وحرص أيضا على العمل من أجل جني مردود مالي يوفر له حاجياته اليومية، إذ أقدم على المزاوجة بين الدراسة والاشتغال في ناد بلدي يوفر المأكولات والمشروبات ويشهد توافد الأجانب، وبقي على هذا الحال حتى التخرج.

على رأس فريق اسكندنافي

جرب نور الدين البوكيلي تدريس الرياضيات في مؤسسة للتكوين الهندسي، وبعد سنة التحق بفرع شركة “نيتكوم” للاتصالات في مدينة “تروندهايم” من أجل الاشتغال في ميدان تخصصه، وعقب شهر من الأداء الميداني توصل بعرض من الشركة نفسها للانتقال إلى العاصمة النرويجية أوسلو بغرض ملء منصب شاغر.

“كانت هذه التجربة المهنية ثرية جدا على مدى 5 سنوات، لكن لحظة المغادرة جاءت خلال أزمة الكاريكاتير المسيء إلى النبي ﷺ؛ فقد اعتبرت أنني تعرضت للاستفزاز من خلال رسالة إلكترونية بعثها رئيسي المباشر لكل الفريق من أجل الاستهزاء، لذلك تقدمت باستقالتي جراء وجودي في موقف ديني وثقافي يستدعي ردة فعل”، يورد البوكيلي.

قبل مغادرة المنصب رسميا، توصل المنتمي إلى شريحة “مغاربة اسكندنافيا” بعرض من شركة وساطة للالتحاق بفاعل آخر في ميدان الاتصالات، وكانت التفاصيل مغرية بكيفية يصعب تجاهلها، ليقرر قبول المهمة الجديدة بعد الاستفادة من الراحة أسبوعا واحدا، لكنه وجد نفسه في “نيتكوم” مجددا، بعد سنوات، عندما اشترتها الشركة التي التحق بها وجعلته، حتى الآن، يشرف على خدمات البيانات والرسائل الهاتفية برئاسة فريق يتدخل بكل من السويد والدنمارك وفنلندا بجانب النرويج.

أنشطة جمعوية دولية

يحتل الارتباط بالمجتمع المدني مكانة مفصلية في أنشطة نور الدين البوكيلي من خلال رئاسة جمعية الرحمة الإسلامية الدولية، وهو تنظيم مقره الرئيسي في النرويج ولديه تمثيلية في الدنمارك وفروع بكل من باكستان وتركيا والصومال. وتنشط هذه الجمعية منذ سنة 2004 عبر مساعدات لوزارة الخارجية النرويجية.

ويقول نور الدين: “عملنا على بناء عشرات المرافق المدرسية والصحية في باكستان، ومستشفى في الصومال، ودار للأيتام في ميانمار، زيادة على 250 شقة في سوريا مع منظمتين للعناية بالنازحين. كما عملنا على تأسيس مركز يخدم ذوي الاحتياجات الخاصة بمدينة الداخلة، زيادة على حملات لتوزيع الملابس على فئات هشة، وتوفير سيارات إسعاف وتجهيز مدارس وإمداد فلاحين ببذور في المغرب. وحاولنا أيضا عقد شراكة بين مؤسسة عمومية نرويجية وتعاونية نسائية مغربية دون أن يتكلل ذلك بالنجاح لوقوع بتر في التواصل بين الطرفين”.

وعلاقة بذلك؛ يرى البوكيلي أن الطموح إلى تحقيق الأفضل جمعويا يبقى حاضرا في باله، لكنه يشترط أن تتوفر في الشركاء المدنيين من الوطن الأم صفتا الصدق والمسؤولية في احترام المقاييس المعمول بها في بلد مثل النرويج، ويزيد: “بكل أسف أقول إن تجربتي الجمعوية عرفت في المغرب مشاكل لا توجد حتى في دولة مفككة مثل الصومال، وكل مكونات جمعية الرحمة الإسلامية الدولية تستغرب مصادفتي مصاعب في بلدي، لذلك أقتصر على توجيه المساعدات رغم وجود مشاريع كبيرة قابلة للتنفيذ نظريا”.

بلا تردد

يستند خبير الاتصالات ذاته إلى تجربته الخاصة، ومساره الشخصي العابر من بلجيكا إلى النرويج عبر المغرب، ليقول إن التواجد في صفوف المهاجرين يبقى ميزة من أجل تحفيز البذل إلى أقصى حد، سواء كان الإقبال على وجهة جغرافية واجتماعية ما قد تم بناء على تخطيط مسبق أو حضر من خلال الصدفة.

ويضيف المقترب من استكمال 35 سنة من التواجد في النرويج: “الحصول على ثقة الناس له مفعول سحري أينما تواجد الإنسان، لذلك يجب على المرء، حتى إن كان متشبثا بخصوصياته الثقافية إلى أقصى حد، أن يحاول إيجاد طريقة ليتموقع وسط المجتمع ويبرز القيمة المضافة التي يغني بها المحيطين به”.

“الأكيد أن النجاح يتطلب المواظبة على الاجتهاد من خلال العمل الدؤوب والمتواصل، والحرص على تصحيح الأخطاء كلما وقعت، مع التحلي بالصدق والإخلاص، لذلك يجني كل شخص ثمار ما قام به حسب المجهود المبذول، بينما المترددون يصيرون على الهامش حتى يتغير سلوكهم”، يختم نور الدين البوكيلي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • صلاح الدين زياد
    الثلاثاء 29 نونبر 2022 - 10:39

    كل الاحترام والتقدير لك نور الدين، اتمنى ان اراك قريبا

  • Abdenbi
    الثلاثاء 29 نونبر 2022 - 16:13

    تحية للأستاذ البوكيلي نورالدين، رجل ونعم الرجال ، خير سفير لبلده بدولة المهجر النرويج
    عرفناه في تجربة قام بها إلى المغرب في 2018 استقدام نادي السباحة للعاصمة النرويجية في ذكرى تأسيس المأوية بالمسبح الأولمبي بسلا
    تجربة رائعة و فريدة
    العز لأطرن وطننا الحبيب بالمهجر

  • بني وكيل
    الأربعاء 30 نونبر 2022 - 16:32

    لكم كل التقدير ولكن أرجو منكم أن تقوموا بالتفاتة قوية إتجاه قريتكم الأم تالوات وعاد سير الداخلة وغيرها، وبالتوفيق

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''