ملهـاةُ الحكومة... مأساةُ السياسة

ملهـاةُ الحكومة... مأساةُ السياسة
السبت 7 يناير 2017 - 23:09

آن لنا أن نستخلص مما يقع من تجاذبات بين الفاعلين السياسيين حول الغنيمة الحكومية دروسا وعبرا} وهو ما قد يسمح ببناء علاقةٍ مفهوميةٍ بواقعٍ جديدٍ لم يكن للنخبة الحزبية عهدٌ به قبل أن يداهمهم دستور جديد يضبط إيقاع هواجسهم المتهافتة ونوازعهم المنفلتة، ويضع حداً للمزاجية في السياسية، ويرسم مسارا عقلانيا بديلاً عن ممارسةٍ سياسيةٍ عرجاءَ كتلك التي توطّنت في عقول ونفوس أجيال بكاملها، إلى أن أصبحت ذهنيةً سياسية معيقة، ترمي بكل أعطابها على واقعنا اليوم بغير قليل من الابتدال، وتمنع (هذه الذهنية ) من النظر إلى أمور السلطة بالواقعية التي هي من صميم شروط السياسة كما نشأت في مهدها وكما وضع أسسها روادها الأولون.

ولئن كانت السياسة بالتعريف هي مجال تنازع المصالح والنزعات بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية حول امتلاك و حيازة السلطة والثروة والاعتبار، فهو مما لا يضير إذا جرت أطوار التنافس حولها (أي السلطة) في إطار سلمي وشرعي جرى الاتفاق والمواضعة عليه بموجب دستور يؤسس لعقلنة هذا النوع من التفاعلات داخل الحقل السياسي والاجتماعي، في الحدود التي لا تزيغ عن جادة الواقعية السياسية والالتزام بأساسيات المشروع المجتمعي الجامع. ففي النهاية، يظل هاجس تقاسم الثروة والسلطة هو من صميم الديناميات الدافعة والحاكمة لمنطق التنافس والصراع داخل حقل السياسة في جميع المجتمعات على اختلاف طبيعة أنظمتها السياسية.

إن تركيز الاهتمام بشكل مبالغ فيه – ومبتذل- حول إرهاصات تشكيل الحكومة يجعل من الجهاز التنفيذي – في تفكير أصحاب هذا الاتجاه – هو محور السلطة ومركز ثقلها، مع أن نصاب السلطة في المجتمع والدولة أعيد انتشاره وتوزعت اقساطه دستورياً، أفقيا وعموديا، على مؤسسات مختلفة وفاعلين جدد وبنى تمثيلية أصبحت تمتلك قدرات هائلة في التعبئة والتأثير في مسارات إنتاج القرار السياسي بالبلاد. ونسوق هنا مثالين، فقط، على ما يحملان من أهمية في هذا السياق:

أول المثالين يتعلق بالجهوية المتقدمة التي تمت دسترها سنة 2011. فهي ليست تعبيرا عن إعادة انتشار للسلطة الحكومية المركزية، وإنما تندرج ضمن رؤية جديدة لهيكلة الدولة ومؤسساتها، تُمليها الحاجة الاستراتيجية لدولة الجهات، لذلك فهي تنطوي على فهم جديد للسلطة نفسها، توزيعاً واقتساماً، حيث ينقل صراع الأفكار والمشاريع ضمن التنافس السياسي حول تدبير السلطة إلى الجهات باعتبارها ذات تمثيلية حقيقية للقاع الاجتماعي ومجالات معاصرة للمشروعية السياسية الجديدة للدولة.

واضح، إذن، أن الجهات أضحت تمتلك نصيبا من السلطة؛ لكن هذا الحق الدستوري لا يزال محجوزا من لدن حكومة مسكونة بهاجس الحساب السياسي الجاري مقابل تجميد الرصيد السياسي الثابت للديمقراطية. فقد مرّت خمس سنوات ولم يتم بعدُ إخراج المراسيم التطبيقية لتوزيع الاختصاصات والصلاحيات والموارد؛ وهو ما يستنتج معه أنه ثمة مصادرة لحقٍ ديمقراطيٍ في السلطة هو عينه حق التفويض الانتخابي المسنود للنخب الجهوية من لدن المواطنين بموجب سلطة الاقتراع العام

ثاني المثالين المتصل بالمدارات الجديدة للسلطة، هو بروز نخب جديدة وقوى تمثيلية صاعدة، ووسائط اجتماعية مؤثرة، والتي باتت تحتل صدارة المشهد السياسي والاجتماعي، إلى الحد الذي تجاوزت فيه أحيانا كثيرة الفاعل السياسي التقليدي – والحزبي منه خاصة – بعد أن توارى (هذا الأخير) إلى الخلف وفقد الكثير من مقومات فاعليته في المجال السياسي، مع أنه المؤهل أكثر من غيره ليلعب هذا الدور بحكم الطبيعة السياسية والوظيفة الدستورية

التحولات الداهمة والكاسحة لمجتمعنا، إذ تسائل مفهوم وجدوى السلطة، فهي لا تسائل الدستور الذي حسم في توزيعها واقتسامها، بل تسائل أدواتها الوظيفية الرئيسية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب الاحتباس الذاتي في تفكيرها السياسي وارتكانها إلى ممارسات سياسية مغتربة في عالم جديد، وتخلفها عن التقاط عناصر التحول الجاري في واقع اليوم، ومدى قدرتها عن القبض على المداميك المولدة للديناميات الجديدة التي تخترق الحقل الاجتماعي والثقافي والسياسي الوطني كالحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي تحتل الساحات العمومية، ومنظمات المجتمع المدني، ولوبيات المال والأعمال، والتعبيرات الهويات الجديدة، والخلايا الإرهابية المدمّرة، والانفجار الهائل لتكنولوجيا وسائط الإعلام والاتصال والتواصل… إلخ.

كل هذه التحولات والهزات العنيفة التي يتعرض لها المجتمع المغرب، إذا لم تحضر كهاجس ذي أولوية في مفكرة ورهانات الفاعل الحزبي المتهافت على منصب المسؤولية الحكومية، فإن أي كلام عن دمقرطة السلطة إنما هو رديف للديماغوجيا، وما هو، في عيون الناس، إلا ملهاة الحكومة ومأساة السياسة.

‫تعليقات الزوار

2
  • حمادي ادريسي نور العين
    الأحد 8 يناير 2017 - 00:02

    لا انتمي لاي حزب لكن بصفتي مواطنا مغربيا حرا قحا فلدي ملاحظات حول ما يجري سياسيا ببلدي و منها تدني الخطاب السياسي الى اسفل سالفين و تم تغيير الخطاب السياسي الحزبي الحقيقي المبني على برامج واضحة و محددة ينتافس بها الفرقاء امام الشعب بخطاب لا نجد له مثيلا مبني فقط على الشخصنة و السب و القدح ( سلكوط، وجه ماوكلي، شناق، هبيل، اسكوبار، بزناز، ولد الزنقة، اعطيت الكلمة، امي فلانة، استقبالات سياسية في المنازل بقرب المطبخ و بيت النعاس، الخ) و التناقض و البكاء، و الصراخ، و ضرب الواحد بالاخر و التهديد و التشكيك و التبرير و اتهامات خطيرة غير مؤكدة الخ- و لهذا وجب اعتبار الانتخابات الاخيرة لاغية و غير مبنية انبنت على التضليل و تدويخ الشعب و استجداء عطفه و خلط الدين بالسياسة و خلط الحزب بالحكومة و اعتبار الحزب ملحقة للحكومة و خدمة الحزب بالحكومة عوض خدمة المواطنين و تفكيك مفهوم الدولة بالتحريض على رجال السلطة و عدم الامتثال لهم اي نشر العنف و السيبة و لهذا وجب اعادة الانتخابات على اسس سليمة: استعمال البطاقة الوطنية، منع الاحزاب الدينية و العرقية و تقديم البرامج و ليس تبيان الوعض و الخطابة القديمة ال

  • عن الواقع
    الأحد 8 يناير 2017 - 10:18

    دائما الثروة و السلطة في تنازع مستمر و على ممر العصور بين لوبيات المال و الأعمال، متحكمي الاقتصاد في العالم بأسره هم من يتحكمون في زمام الأمور و كل السلط بين ايديهم، إنما النمودج المحلي مستنبط من السياسة العالمية السائدة ، و الإنصياع لهذه المنهجية أفرضته العلاقات و المعاملات، و أفرضه كذلك الواقع الذي لا زال يكرس منهجية و قانون الغاب، التحكم و السلطة للأقوى..

صوت وصورة
مبادرة "حوت بثمن معقول"
الإثنين 19 أبريل 2021 - 15:32

مبادرة "حوت بثمن معقول"

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10 2

حماية الطفولة بالمغرب

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59 3

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 15

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 7

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان