التصنيف الجامعي

التصنيف الجامعي
الخميس 26 مارس 2026 - 12:04

من أجل بناء جامعات عربية- إسلامية داخل التصنيف

تكمن أهمية تصنيفات الجامعات والكليات عالميًا في كونها تعطي صورة تقريبية لمستوى أي جامعة وتطورها مقارنة بنظيراتها. وعليه، فهي تساعد الطلاب الجامعيين في اتخاذ قرار المفاضلة بين الجامعات، لانتقاء البرامج الأكثر تميزًا من جهة، والحصول على الوظيفة المستقبلية بشكل سهل من جهة أخرى.

كما تسعى هذه التصنيفات أيضًا في إحدى أبعادها العملية إلى رفع مستوى التنافسية العلمية فيما بين الجامعات عالميًا، كما أنها مؤشر حقيقي على جودة التعليم، ومن خلالها يمكننا التعرف على منزلة الجامعات ودورها في بلوغ الأهداف التي تسطرها الدول والحكومات عمومًا، انطلاقًا من إستراتيجياتها التنموية العامة، غير المنفصلة عما هو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي.

لذا نجد أن المؤشر العالمي الذي يُعد الأرفع عالميًا ضمن تصنيف الجامعات يعتمد على معايير—تم وضعها من قبل استشاريين وأساتذة كبار من حول العالم، وقاموا بتشكيل لجنة مهمتها تصنيف الجامعات العالمية—ومن أبرزها جودة البحث العلمي، والتميز في النشر الدولي، وارتفاع معدلات الاستشهاد المرجعي بالأبحاث المنشورة والمنسوبة للجامعات في المجلات العالمية ذات التأثير العالي من قبيل “ساينس” و”نيتشر” وغيرها، إضافة إلى البيئة التعليمية التي تتضمن الدخل من المجالات الصناعية، ونسبة الطلاب إلى أعضاء هيئة التدريس.

في تقديري، يمكن أن يتحقق مستقبلًا التصنيف العربي للجامعات—مثل تصنيف “شنغهاي رانكينغ كونسالتنسي” و”كواكواريلي سيموندس QS” و”التايمز”—سيما في ظل الحاجة إلى تصنيفات الجامعات، وهذا يتطلب تحديد المنظمات القادرة على هذا الإنجاز محليًا، ووضع معايير وشروط يتم تحديدها بموضوعية علمية، والأساليب المتخذة في اتخاذ القرارات، لتحقيق منهجية للتقييم، وهو أمر ليس بالسهل لأن ثمة عوامل عدة وجهات مختلفة تتعلق بشؤون التصنيفات.

لم يعد سرًّا أن العدد الأكبر من الجامعات والكليات، سواء منها ما هو حكومي أو خاص في العالم العربي-الإسلامي، خارج المنافسة العالمية، وهذه حقيقة يمكن التوصل إليها من خلال آخر تحديث للتصنيف الذي تصدره مؤسسة “شنغهاي رانكينغ كونسالتنسي” منذ 2003م، فلم يتضمن تصنيف شنغهاي لأفضل 1000 جامعة في العالم أي جامعة من دول المغرب العربي، بينما تصدرت جامعة هارفارد الأمريكية للمرة العشرين على التوالي تصنيف شنغهاي للعام 2022، واحتلت الجامعات الأمريكية 17 مرتبة بين المراتب الخمس والعشرين الأولى في التصنيف.

وإذا غابت الجامعات المغاربية عن التصنيف، فإننا نسجل في الوقت نفسه حضورًا عربيًا لسبع جامعات من السعودية، بينها جامعتا الملك عبد العزيز والملك سعود التي صنفت بين أفضل 150 جامعة في العالم. كما مثلت مصر في تصنيف شنغهاي بسبع جامعات أيضًا، والأردن ولبنان وقطر والإمارات بجامعة واحدة لكل بلد.

إذا عدنا إلى النسخة التاسعة عشرة من تصنيفات الجامعة الدولية الصادرة عن شركة كواكواريلي سيموندس QS—وهذا التصنيف أحد أدوات الحكم على الجامعات ومدى جودة الخدمات التعليمية بها—فإننا نجد أن التصنيف يشير إلى أن السعودية شهدت تغييرًا إيجابيًا ملحوظًا، مما جعلها تستحوذ على أفضل جامعات المنطقة العربية، بحكم استقطابها لعدد استثنائي من أعضاء هيئة التدريس الدوليين، وحصولها على مراتب مهمة من حيث السمعة الأكاديمية والسمعة لدى أصحاب العمل “جامعة الملك عبد العزيز”، أما “جامعة الملك فهد للبترول والمعادن” فهي تعد من أفضل جامعات البلاد في مجال البحث، وفقًا للاقتباسات البحثية لكل كلية لا سيما في مجالي الهندسة والتكنولوجيا.

حتى لا يخرج العالم العربي-الإسلامي عن دائرة التاريخ إن صح هذا التوصيف، بحكم خروج معظم جامعاته وكلياته من التصنيفات العالمية، فإن هذا الوضع يتطلب أولًا وجود إرادة حقيقية لإحداث الإصلاحات المطلوبة، وبدونها من الصعب الحديث عن التغيير المنشود.

لذا يتوجب محاربة الفساد بشتى أشكاله وأنواعه داخل الجامعات والكليات، لكي تتخذ عملية الإصلاح بعدها العملي، لتحقيق النزاهة والشفافية والحكامة، ومن ثم الاعتراف بالكفاءات، والحد ما أمكن من ظاهرة “هجرة الكفاءات” أو “هجرة الأدمغة” التي أخذت بعدًا عالميًا منذ عام 1967م، وثمة سببان مرتبطان بهذه المسألة، أفصح عنهما المفكر المغربي وعالم المستقبليات المهدي المنجرة: “أولهما، غياب الإمكانيات والهياكل لتطبيق ما تعلمناه مع ضعف ميزانية البحث، مما يشكل خطر ضياع المعرفة. والسبب الثاني، يتعلق بغياب حرية التعبير، ووجود القيود التي لا تشجع على الخلق والإبداع…”، وبلا خلاف فمن التحديات التي تواجهها الجامعات في العالم العربي-الإسلامي ضعف الإنفاق المالي على البحث العلمي والتطوير، ففي عام 2001م أنفقت 25 دولة من الاتحاد الأوروبي 178 مليار يورو في البحث والتنمية، بينما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية 315 مليار يورو، وأنفقت اليابان 143 مليار يورو، بينما في المغرب مثلًا فإنه لا ينفق إلا 0.2%، أي تقريبًا 50 مرة أقل، لذلك لابد من الرفع من ميزانية البحث العلمي بكل تخصصاته وفروعه.

وتتحقق جودة التعليم بجامعات العالم العربي-الإسلامي انطلاقًا من الاستجابة للاحتياجات الوطنية من القدرات البشرية، واحتياجات المجتمعات، وتلبية احتياجات سوق العمل، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تعزيز مجالات التعاون البحثية الدولية، والاستثمار في قطاع التعليم، ودعم مقوماته التنافسية… وكيفما كان الوضع فإننا لا يمكن أن نغفل الجهود التي تقوم بها بعض الجامعات العربية-الإسلامية من أجل ذلك، والجهود المشتركة بين دول العالم العربي-الإسلامي، فقد تم إنشاء وزراء التعليم العرب بالتعاون مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 2012 مبادرة “البرنامج العربي لتحسين جودة التعليم” برعاية “المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة”؛ حيث تتم الاختبارات الدولية للطلاب بمقتضى مؤشرات للجودة، ومن شأن هذه المبادرة الارتقاء بجودة التعليم، دون أن ننسى الجهود التي تقوم بها دول العالم العربي-الإسلامي من خلال سياساتها التعليمية والتربوية.

رغم ما قلناه سابقًا عن مخارج حقيقية تروم حصول العديد من الجامعات في العالم العربي-الإسلامي على تصنيفات عالية، فالملاحظ أن معظم دول العالم العربي-الإسلامي ربما اليوم مشغولة بشؤون أخرى غير بعيدة عن الاستقرار السياسي في المقام الأول، وبلا خلاف فغياب هذا الأخير—الاستقرار السياسي—يعرقل عملية الإنجاز البحثي بالجامعات، ويحد من قدرتها على التنافسية العالمية في مجال البحث العلمي والمعرفي. ولهذا يجب على صانعي السياسات في دول العالم العربي-الإسلامي العمل على خلق قيم السلم والعدالة والديمقراطية، وترسيخها داخل مجتمعاتهم أولًا، قبل الانتقال إلى إصلاح الجامعات والمؤسسات عمومًا، ومن دون ذلك يستحيل الحديث عن أي نقلة نوعية تعليمية أو حضارية-تنموية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • المصطفى الخيدار
    الجمعة 27 مارس 2026 - 12:36

    المطلوب من كاتب المقال تحديث معلوماته، إذ منذ سنة 2023 أصبحت جامعة الحسن الثاني ضمن تصنيف شنغهاي لأفضل 1000 جامعة في العالم، خلافًا لما ورد في المقال.
    ورغم أن هذا الإنجاز لا يزال غير كافٍ بالطبع، إلا أنه يُعد خطوة أولى لا ينبغي إنكارها.

  • MC
    الجمعة 27 مارس 2026 - 13:58

    “The educated differ from the uneducated as much as the living from the dead”
    “المتعلمون يختلفون عن غير المتعلمين بقدر اختلاف الأحياء عن الأموات”
    Aristotle (Ancient Greek Philosopher)

    “Knowledge is power. Information is liberating. Education is the premise of progress”
    “المعرفة قوة. والمعلومات تحرر. والتعليم هو مقدمة التقدم”
    Kofi Annan
    (Former UN Secretary General)

    أستاذي،
    أضف إلى تحليلك الرصين أن العالم العربي-الإسلامي يعيش اليوم تناقضًا صارخًا، فالمغرب مثلاً يتباهى بمشاريع صناعية كبرى في الطيران والسيارات و الصناعة الخضراء ، بينما يغرق تعليمه في أزمة خانقة لا تنتج إلا مزيدًا من الهشاشة. هذا الانفصام بين طموحات البنية التحتية وواقع المنظومة التعليمية هو سر خروجنا من التصنيفات، فكيف نبني اقتصاد المعرفة ونحن نهمش البحث العلمي ونُدير جامعاتنا بمنطق بيروقراطي يعادي الإبداع؟ إن معركتنا ليست مع التصنيف العالمي، بل مع ثنائية السرعة التي تجعلنا نركض بأقدامنا إلى الأمام، بينما تبقى عقولنا خلف الحواجز.
    “لا يمكن لاقتصاد أن يطير بأجنحة صناعية، بينما تعليمه لا يزال يتعلم المشي”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 2

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 8

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة