أثار قرار وزير الداخلية رقم 18.10.26، الصادر بتاريخ 17 غشت 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية في 28 شتنبر 2026، بشأن تفويض السلطة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، تساؤلات قانونية حول سنده التشريعي وحدود السلطات التي يشملها هذا التفويض.
في هذا الحوار يسلط الدكتور عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، ودكتور في المالية العامة، الضوء على التحولات التي طرأت على تدبير جبايات الجماعات الترابية، سواء على مستوى الوعاء أو التحصيل، ويوضح أن المديرية العامة للضرائب أصبحت مكلفة بوعاء وتحصيل رسمي السكن والخدمات الجماعية، بعدما كانت الخزينة العامة للمملكة تتولى تدبيرهما، وذلك بموجب التعديل الذي أقره القانون رقم 21.07.
وفي المقابل يورد الخبير في المالية العامة أن الجماعات الترابية، عن طريق القباضات الجماعية، أصبحت تتولى تحصيل باقي الرسوم، وديا وجبريا، باستثناء الرسم المهني ورسمي السكن والخدمات الجماعية، إلى جانب تدبيرها لوعائها.
كما يتوقف الدكتور مودن عند عدد من الملاحظات القانونية المرتبطة بالقرار الوزاري، ولا سيما ما يعتبرها هفوة قانونية ونقائص تتعلق بسلطة التفويض وحدودها، وما يثيره ذلك من أسئلة حول مدى انسجام القرار مع المقتضيات التشريعية المنظمة للجبايات المحلية والتحصيل الجبري.
نص الحوار:
بداية، هل يمكنك أن ترصد لنا، ولو بإيجاز، أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 14.25 في مجال تدبير الجبايات المحلية؟.
لا بد أن نشير بداية إلى أن النص الرئيسي المنظم للجبايات الجماعات الترابية هو القانون رقم 47.06، الذي جاء ليضع حدا لوضعية التشتت التي عرفتها المنظومة الجبائية المحلية، حيث كان كل رسم من الرسوم المحلية يخضع لنص قانوني مستقل صادر في فترات زمنية متباعدة؛ غير أن هذا التوحيد الذي ابتغاه القانون رقم 47.06 لم يمر دون ارتباك، إذ سرعان ما تبين أن بعض الرسوم والإتاوات التي كانت سارية قبل صدوره لم يتم استيعابها ضمن النص الجديد، رغم استمرار الحاجة إليها في التدبير المالي المحلي.
واستدعى هذا الوضع تدخلا تشريعيا تصحيحيا تمثل في القانون رقم 30.09، الذي تضمن مادة فريدة تنص على استمرارية العمل ببعض مقتضيات القانون رقم 30.89 المتعلق ببعض الإتاوات، في اعتراف ضمني بمحدودية استيعاب القانون 47.06 لكامل الموروث الجبائي المحلي السابق عليه.
واستمر الأمر كذلك إلى أن تم إدخال بعض التعديلات على القانون رقم 47.06 بموجب القانون رقم القانون 07.20 الذي عمل على توزيع الاختصاص بين مديريتي الضرائب والخزينة العامة للمملكة، حيث أصبحت هذه الأخيرة تتولى تدبير رسمي السكن والخدمات الجماعية على مستوى الوعاء، إلى جانب التحصيل، مع تكفلها بالتحصيل الجبري لباقي الرسوم الجماعية.
وبعد ذلك جاء القانون رقم 14.25 الذي سحب الاختصاص السابق من الخزينة العامة للمملكة، وأعاد إلى المديرية العامة للضرائب تدبير وعاء رسمي السكن والخدمات الجماعية، ومنحها كذلك مهمة تحصيلها (إلى جانب تدبيرها الرسم المهني)، وأحدث ما تسمى القباضات الجماعية، التي أوكل إليها مباشرة جميع إجراءات التحصيل الودي والجبري المتعلقة برسومها، ونحَّى الخزينة العامة للمملكة عن هذا المجال. ولن نخوض هنا في مبررات وغايات هذا التوزيع، ومدى تناسقها مع واقع التنزيل وإكراهاته.
إذن يمكن القول إن القرار الأخير لوزير الداخلية هو تنزيل لمقتضيات القانون رقم 14.25، فما هو مضمونه إذن؟.
دعني أقول إن تنزيل مقتضيات القانون رقم 14.25 بدأ مع إحداث 92 قباضة جماعية نقل إليها اختصاص تحصيل الرسوم الجماعية سالفة الذكر من قباضات الخزينة، رغم ما رافق ذلك من إشكاليات وإكراهات عملية.
وهنا أرى أن إكراهات الواقع العملي وتعثر هذا الورش على مستوى الجماعات، مع عدم شروع الكثير منها في مباشرة اختصاصها كاملا وضعف المردودية المسجل خلال سنة كاملة، لعدة أسباب، أمور فرضت على وزارة الداخلية محاولة تدارك الأمر وتسريع التنزيل.
لذلك جاء هذا القرار الذي يفوض بموجبه وزير الداخلية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم ثلاث سلطات مرتبطة بتحصيل الديون العمومية التي يباشرها قباض الجماعات؛ وهذه السلط هي: “الترخيص بمباشرة التحصيل الجبري من طرف القباض الجماعيين”، و”انتداب مأموري التبليغ والتنفيذ”، ومنح الإعفاء أو التخفيض من صوائر التحصيل الجبري المنصوص عليها في المادتين 90 و91 من القانون 15.97.
وإذا كان التفويض في السلطتين الأوليين مفهوما في سياق الإصلاح ويجد سنده القانوني، حتى وإن كان الأمر يتعلق باختصاص مشترك مع وزير الاقتصاد والمالية، فإن الإشكال يتركز في الثالثة.
لماذا يعد التفويض في السلطة الثالثة إشكالية؟.
الجواب بسيط، لأن القاعدة الأساسية التي يفترض أن يعرفها الجميع تقول بوضوح: “لا يُفوَّض ما لا يملكه صاحبه”، فالتفويض نقل لاختصاص ثابت للمفوِّض إلى المفوض إليه، ولا يصح إلا بسند قانوني صريح.
وهنا أشير إلى المادة 122 من مدونة تحصيل الديون العمومية التي تمنح سلطة الإعفاء أو التخفيض من الزيادة عن التأخير وصوائر التحصيل، ومنها الصوائر المنصوص عليها في المادتين 90 و91، للوزير المكلف بالمالية أو لمن يفوضه؛ فهذا اختصاص حصري لوزير الاقتصاد والمالية، وهو الوحيد الذي يمكنه أن يمنح تفويضا للغير، أما وزير الداخلية على هذا المستوى فليس له ما يفوضه، وبذلك يكون تفويضه منعدم الأساس، بل مشوب بعيب تجاوز الاختصاص.
لكن ألا تمنح المادة 162 من القانون 47.06 وزير الداخلية سلطة مماثلة؟.
قطعا لا، فالمختصون والممارسون في مجال تحصيل الديون العمومية يدركون جيدا أن هناك فرقا بين أصل الدين، والغرامات والزيادات المترتبة على التأخير، وبين صوائر التحصيل أو مصاريف المتابعات.
الفقرة II من المادة 162 من قانون جبايات الجماعات الترابية تخص السلطة المكلفة بالمالية أو بالداخلية، أو من تفوضانه، بسلطة الإبراء أو التخفيف من “الزيادات والغرامات والذعائر وباقي الجزاءات” بناء على طلب الملزم ومراعاة لظروفه، ولا تتحدث قطعا عن صوائر التحصيل الجبري.
فهي سلطة جزائية محضة لا تتناول قطعا صوائر التحصيل. فالتمييز من جهة بين الزيادات والغرامات والذعائر وباقي الجزاءات، وما بين صوائر التحصيل الجبري، مقصود، إذ تذكر المادة 122 نفسها الزيادة والصوائر كلا باسمه، والصوائر هي كلفة إجراءات جبرية تنشأ وفق القانون 15.97 وليس القانون رقم 47.06.
والمفارقة أن القرار فوض ما لا يملكه الوزير (صوائر المادتين 90 و91، وهي من اختصاص وزير المالية، ولم يشمل ما يملكه فعلا بمقتضى المادة 162.
ولا ينقذه حصر نطاقه في ديون القانون 47.06، لأن الإشكال في طبيعة الصوائر لا في نوع الدين. كما أن تأشيرات القرار لا تتضمن المادتين 122 و162 معا، فيغيب الأساس القانوني الذي كان ينبغي أن يبنى عليه التفويض، ويكون قرار وزير الداخلية غير مستند إلى أساس قانوني وموسوم بعيب تجاوز الاختصاص.
ما انعكاسات ذلك، وكيف يمكن تصحيحه؟.
لا بد أن أؤكد أنه كان من الأفضل منذ البداية أن يصدر قرار مشترك بين وزيري الداخلية والمالية لتفادي كل هذه الإشكالات، أو أن يصدر قراران منفصلان كل في مجال اختصاصه.
أما الآن فالتصحيح العملي يكون بإحدى الطريقتين: تعديل القرار ليقتصر على الجزاءات وفق المادة 162، أو استصدار تفويض من وزير المالية للولاة والعمال بمقتضى المادة 122. كما يمكن أن يتم تعديل مدونة تحصيل الديون العمومية لتستوعب مجموعة من المستجدات.
كما قد نتحدث عن إمكانية الطعن في القرار، لكن من طرف من؟ ومن له مصلحة في ذلك؟ ومن المتضرر؟ هل يقدر القباض الجماعيون على الطعن؟ وهل يعفيهم هذا القرار من مساءلة المجلس الأعلى للحسابات بخصوص المراقبة القبلية الواجبة لصفة الآمر بالصرف المنصوص عليها في المادة 11 من المرسوم الملكي 330.66 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية، والمادة 80 من المرسوم 2.17.451 بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات ومؤسسات التعاون بين الجماعات، وهم من كانوا يفترض فيهم أن تكون لهم استقلالية عن وزارة الداخلية كما كان يروج لذلك أثناء إقرار القانون رقم 14.25 بخلق إدارة جبائية محلية، فوجدوا أنفسهم أمام تبعية مباشرة لوزارة الداخلية.
وتزداد حساسية المسألة مع الدور الجديد للقباض الجماعيين، الذي يعزز الاعتماد على سلطات الولاة والعمال في الترخيص بالتحصيل الجبري، ليصبح السؤال حول الجهة التي تملك صلاحية الإعفاء من كلفته، وهي مسألة تمس حقوق الملزمين وموارد الجماعات الترابية في آن واحد.
فالإصلاح مهما كانت غاياته ينبغي أن يتم تفعيله بقرارات تنظيمية تلتزم بحدود النصوص التشريعية وتتوافق معها، حتى تكون هذه القرارات مشروعة ولها سند قانوني.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.