نحور رؤية تكاملية لمواد التدريس

نحور رؤية تكاملية لمواد التدريس
صورة: هسبريس
الأحد 17 يوليوز 2022 - 23:28

ونحن في ريعان الشباب، أتذكر بأن بعض “المعادلات التربوية” غالبا ما كانت تؤرقنا، باعتبار الثقل والحمولة الثقافية والمجتمعية التي وراءها، حيث كانت ترخي بظلالها على نفوسنا وعقولنا بشكل كبير.

من منا لا يتذكر لا سيما في لحظة التوجيه الدراسي مثلا، ثنائية “علمي/ أدبي”، ثنائية التوجه نحو مسلك العلوم الرياضية في مقابل التوجه إلى باقي الفروع العلمية، الأمر نفسه يتعلق بلحظة الدخول لمتابعة أول حصة لدرس الفلسفة، حيث كنا ندخلها “مهتزين نفسيا” ونراها أقرب ما تكون فيه إلى تدوير الكلام منه إلى مادة رصينة وهادفة، كما كنا نتصورها موجودة في الضفة الأخرى المقابلة لمادة التربية الإسلامية.

هكذا، هي “علاقة” وأحوال التلاميذ عموما مع بعض قضايا المنظومة التربوية، إذ هنالك أفكار مسبقة يتم ترويجها وتداولها في صفوف التلاميذ وقبل أن تطأ أقدامهم قاعات الدرس. في بعض الأحيان، قد تتوفر الظروف والأجواء السليمة للتحصيل الدراسي، فتتم إعادة صياغة أفكار ذلكم التلميذ والطفل، “فيصبح محبا لما كان يكره ويتخوف منه”، ويصبح حتى مبدعا في المجالات والمواد التي كان “يهابها” أو تربطه بها علاقة مرتبكة.

غير أنه في أحيان أخرى قد تترسخ عنده تلكم “الانطباعات” المسبقة، ليس لأن تلكم المواد أو الدروس “صعبة” كما تصورها التلميذ من قبل، ولكن فقط لأن التلميذ لم تتح له فرصة تعلم وتلقين تلكم المادة أو الدرس بكيفية بيداغوجية سليمة، فإما أن المدرس “يعظم” مادته في مسايرة منه لنفس المنحى المجتمعي، أو أنه ليست هناك مقاربة بيداغوجية سليمة تدمج البعد النفسي في معادلة تعلم وتلقين ذلكم الدرس او المادة.

للوقوف على هذا الأمر، ما علينا سوى إعادة طرح نفس السؤال وعلى سبيل المثال فقط والمرتبط بتصور التلاميذ لمادة الرياضيات والفلسفة، لنخرج ببعض الاستنتاجات في هذا الموضوع.

من جهة أخرى، وبحكم المكانة التي بدأ يتبوؤها التعليم الأولي وحتى الأساسي منه في وقتنا الحالي، اعتبارا لكون العديد من الأبحاث أصبحت تؤكد على أن جزء كبيرا من معالم تشكل إنسان الغد ترتبط أساسا بما يتم زرعــه وتلقينه للطفل في بدايات مراحل نموه، حيث دماغ الطفل يكون على درجة كبيرة من الانفتاح والتشكل.

بحكم هذه الأهمية، وبذل أن تعطى الفرصة للطفل لكي يلعب ويستمتع “بوقته” أكثر، وأن “يتعلم باللعب” وفق معادلات تربوية وبيداغوجية جد دقيقة، بدلا من ذلك صار يروج نوع من الخطاب الذي مفاده، أنه لكي يتعلم الإنسان مختلف الأشياء وفي مواضيع الحياة المتعددة، عليه أن يبدأ في تلقيها منذ الصغر، وبهذا صار هناك نوع من الهوس في تدريس “كل المواد” وبنوع من التفصيل الممل في بعض الأحيان وهو لا يزال في مقتبل عمره، في إشارة إلى حقوق الإنسان، البيئة، الديمقراطية، الكهرباء، الذرة، الموسيقى، قوانين السير… وهلم جرا.

بحكم هذا المعطى، (ومن دون إغفال بعض الأبعاد المرتبطة بالربح المادي)، صارت محفظة التلميذ “عامرة وثقيلة” ولم يعد يقو المسكين حتى على حملها، وقد تجده “حائرا” لا يعرف ما يقدم ولا ما يؤخر عند محاولته الاقتراب منها، مما بدأ يدفعنا إلى تذكر ذلكم “الزمن الجميل” حيث لم تكن في محفظتنا ونحن صغار غير تلكم التلاوة الملونة والجميلة التي اسمها “قراءتي” لصاحبها السيد بوكماخ، والتي كانت تركز على تلقيننا القيم وأبجديات تكوين “العقل السليم”.

للصراعات المجتمعية هي الأخرى نصيب في ما نحكي عنه، حيث كانت تتسلل هذه الأخيرة وعبر بعض المواد الدراسية لتطل على عالم التلاميذ داخل فصولهم الدراسية، فالتيار اليساري كان يشعر بنفسه على أنه معني بموضوع تأهيل مادة تدريس الفلسفة، ويعتبرها امتدادا له داخل قاعات الدرس لأنها بحسبه تخرج التلميذ من النسق السائد، وتنمي فيه الحس النقدي، وتدفع إلى تعزيز المساءلة والشك، الأمر نفسه ينطبق على التيار الإسلامي الذي كان ينظر إلى مادة التربية الإسلامية على أنها امتداد له داخل المنظومة التربوية لكونها تربط التلميذ بالقيم الإسلامية وتذكر بتعاليم الإسلام وقيمه.. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن بعض التيارات الليبرالية الداعية للحداثة كانت تنظر هي الأخرى إلى بعض المواد الدراسية باعتبارها “موادها” وتدفع للتفتح والانفتاح كاكتساب اللغات، والعناية بالفن والموسيقى.

مع الأسف، أمثال هذه الصراعات والتي كانت تتم في بعض الأحيان بطرق حادة، لم تكن تعطي الفرصة للمنظومة التربوية لتتطور بالهدوء اللازم. يحصل أنه وفي بعض اللحظات المفصلية لتطوير المنظومة التربوية وحين انعقاد اللجان المكلفة بالإصلاح، كنت تجد بعض الأعضاء وقد دخلوا في صراع في ما بينهم، كل واحد منهم يجر النقاش نحو وجهته أو وجهة حزبه، في تناس تام لجوهر “القضية” أو الموضوع الذي اجتمعوا من أجله، الأمر نفسه يقع حين يفتح النقاش حول ساعات “تدريس المواد” مثلا، أي تنقيص أو تعديل في جدول الحصص يفهم كما لو أنه استهداف لجهة معينة، مع أن الأمر لا يعدو في بعض الأحيان أن يكون استجابة طبيعية للتطور الحاصل في المنظومة التربوية، ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بأية توازنات حزبية أو إيديولوجية.

ربما قد حان الوقت، لتعديل زاوية النظر إلى بعض مواد التدريس، كالتربية الإسلامية والفلسفة (على سبيل المثال فقط)، إذ يبدو من المفيد التعامل معها وفق رؤية تجميعية تكاملية تخدم التلميذ في المحصلة النهائية، وبذل أن يتم التفكير فيها باعتبارها مواد مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض، لما لا البحث عن صيغ توليفيه تضمن استحضار وترسيخ “ما تنادي به” من دون تصريفها على شكل مواد منفردة، بنفس الطريقة التي أصبح يتم التعامل به مع “مادة الإعلاميات”، حيث لم تعد تقبل هذه الأخيرة أن يتم حصرها في “مجرد مادة” باعتبار “ما تنادي به” له علاقة ارتباطية بمجمل المواد الأخرى، فلم يعد يتصور تدريس مادة الحياة والأرض على سبيل المثال من دون استعمال المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.

وقد لا نحتاج إلى التأكيد على حجم “الأرباح” التي سيتم جنيها، عبر اعتماد هذه المقاربة، لغة تجميع المواد وفق هندسة بيداغوجية مدروسة من شأنها أن تخفف من جدول حصص التلاميذ كما أنها قد تخفف من الحاجة لبعض المدرسين في مواد بعينها. من جهته زمن العولمة والتكنولوجيات الحديثة صار يدفع في اتجاه “تنقيص” الزمن الدراسي المخصص لزمن تدريس المواد، كما تدعو إلى اكتساب التلميذ المعارف والتقنيات والمهارات اللازمة دون شحن عقله بالمعلومات التي باتت متوفرة، حيث “مفكرة النت” أصبحت مليئة وتعج بالمعلومات على اختلاف أنواعها وقد لا تحتاج إلا لعقل مؤهل ومرتب بشكل جيد لاستخراجها ومعالجتها وتوظيفها.

هذا العقل وهاته القدرات والكفاءات أو ما بات يصطلح عليه في القاموس الاقتصادي “بالرأسمال البشري” صار عملة نادرة يُبحث عنها، وصار ضمن أهم مصادر ثروات البلد وخيراتها في الوقت الحالي في ظل الاستنزاف المهول والندرة التي تعرفها المواد الأولية، وهو الأمر الذي ربما تكون قد انتبهت إليهه الوثيقة المرجعية “للنموذج التنموي الجديد” والتي نتمنى صادقين أن تجد طريقها للنهوض بشؤون المنظومة التربوية في بلادنا… لكم نتمنى ذلك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • يشير الى القمر
    الثلاثاء 19 يوليوز 2022 - 15:53

    اشار الاستاذ بالمسطرة الى الحرف على السبورة ما هذا قال الولد انها المسطرة يا استاذي المحترم فوضع الاستاذ المسطرة و اشار باصبعه الى الحرف على السبورة ما هذا فاجاب الولد انه اصبعك يا استاذي المحترم فتنرفز الاستاذ و اخذته حالة انهيار عصبي من غباوة التلميذ فصرخ فيه اخرج اخرج فقال الولد هل انتهى زمن حصة الدرس يا استاذي المحترم

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 19 يوليوز 2022 - 17:03

    قال منتانيه”رأس حسن التكوين خير من رأس حسن الامتلاء”التربية التقليدية او القديمة كانت تعتمد على حشو الرؤوس بالمعلومات والاعتماد على الحفظ كوسيلة اساسية والذي يؤدي الى ملأ الرؤوس وفي الاخير نجد انفسنا نعيش التكرار المستمر واعادة انتاج الببغاواة وهلم جرا اما حسن التكوين فمعناه ان نعلم الاطفال على التفكير الحر لكي يبدعو ويجددوا لتتطور العملية التربوية باستمرار ,واليوم كما قلته مرارا وتكرارا يجب ان نهتم بالمواد العلمية والتقنية والفلسفية والفكرية ونقلل من المواد الادبية والدينية والاخلاقية لكي نصل الى الاهداف التربوية المرجوة الا وهي في المقام الرئيسي ادماج الاطفال بيسر في العمل والوظائف العصرية التي تؤدي الى التنمية في جميع المجالات العصرية التي تدخل الاموال في خظينة الدولة وفي جيوب المواطنين الاكفاء,اليوم المواد الدينية والادبية لها مردودية قليلة ولا تحتاج الدول الى كثير من الوذائف في هذا المجال.الاعتماد على المواد العلمية والمهنية والتقنية والفكرية والفلسفية هي امر ملح وضروري في عصرنا لنتجنب السكتة القلبية التي قالها المرحوم الحسن الثاني طيب الله ثراه

  • مواطن مغربي
    السبت 23 يوليوز 2022 - 11:00

    في التعليم الأولي سنبني شخصية الطفل المغربي
    الذي سيصير تلميذا ثم طالبا ثم مهندسا او دكتورا او استاد للتعليم الابتدائي و التانوي و الجامعي
    و برلماني و وزيرا الى اخر جميع المهن الحرة و الحرفية .
    لذالك يجب خلق جوا للطفل يجد نفسه فيه
    يجد فيه كل شروط انتماءه الى أسرة و عاءلة و دوار
    و قبيلة و جهة .لا ان تفرض عليه ما ليس باهله
    و لم يسمع بها من قبل كفرض لغة ما سمع بها من قبل فتبدا الحرب مع شخصية وهمية يراد زرعها
    في عقله و وجدانه و هوية مستوردة و هنا بداية التخبط النفسي للطفل و يشعر بشيء مفروض عليه
    لم يألفه في بيته و دواره و قبيلته و جهته
    فتبدا عنده انفصام الشخصية .

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام