نموذج تنموي جديد بقيادة استراتيجية عليـا

نموذج تنموي جديد بقيادة استراتيجية عليـا
الأحد 25 فبراير 2018 - 14:02

ها نحن، مرة أخرى، ننخرط في نقاش عمومي جديد على قدر كبير من الأهمية. يتعلق الأمر بالنموذج التنموي للمرحلة المقبلة من تاريخ المغرب، الذي سيغير، بلا شك، ملامح البلاد ويحدد مستقبل الأجيال القادمة، كما سيرهن معه جهود الدولة ومقدرات البلاد البشرية والمادية والسياسية.

وإذا سُقت عبارة “مرة أخرى” فلأنها ليست المرة الأولى التي ينخرط فيها المغاربة، دولة ومجتمعا، في مثل هذه التحديات الكبرى ويعقد عليها الأمل في إحداث النقلات النوعية في التاريخ المعاصر للبلاد. وكلنا يتذكر النقاشات العمومية التي انطلقت بعد الخطاب الملكي لـ 03 يناير 2010 حول الجهوية المتقدمة كمشروع هيكلي كبير للدولة، ثم اللحظة الدستورية التاريخية التي دشنها خطاب 09 مارس 2011 وما تلاه من ولادة قيصرية لوثيقة دستورية توافقية، متناسبة وسياقها الاجتماعي والسياسي آنذاك.

لكن الذي حصل هو الغياب الفادح للقيادة التدبيرية الناجحة للأوراش والمشروعات المرتبطة بها، مما أدى إلى تعطيل معظمها ليتأجل حلم الدولة الصاعدة. كان الأمل معقودا على تفعيل الدستور الجديد بعد أن وُضع في عهدة نخب سياسية جديدة حائزة على شرعية الدستور وصناديق الاقتراع، لكنها لم تُعر أي اهتمام لكلفة الزمن ولقيمة العمل وجسامة المسؤولية العمومية، حتى أوصلت أوضاع البلاد إلى حال من التوتر السياسي والانفجار الاجتماعي.

المجتمعات التي تصنع أمجادها تنجح في ترجمة الأفكار الكبرى إلى مشاريع تنموية هيكلية، وتجعل منها لحظات للتعبئة العامة ولتجديد مشروعية الدولة وتقوية الاصطفاف وراء مشروع مجتمعي جامع.

وإخضاع هذا المسار لمنطق تراكمي في الزمن هو الذي يسمح بالبناء التدريجي لما يسمى بالنموذج المجتمعي (le modèle societal)، ولعل مضمون الرسالة الملكية الموجهة إلى المنتدى البرلماني الدولي حول العدالة الاجتماعية، يستبطن هذا الرهان، أي رهان تدشين نموذج مجتمعي جديد وليس فقط نموذجا تنمويا برهانات اقتصادية.

وهذا يعني، وفق المقاربة السوسيولوجية والانثروبولجية، التأسيس لرؤية جديدة لبناء إنسان مغربي معاصر، بذهنية متحررة وعقلية مغايرة وسلوك جديد. نحن إذن أمام لحظة الوعي بضرورة تجديد وإعادة بناء المنظومات التي يتأسس عليها المشروع المجتمعي برمته: المنظومة الاقتصادية، المنظومة السياسية، المنظومة الثقافية والقيمية والسلوكية…إلخ.

لا تعوزنا الأفكار والتشخيصات، ولا الخطط في الكراسات، ولا حتى الإرادة السياسية المعلنة، بل تنقصنا الحكامة التدبيرية. وفي اللحظة التاريخية التي نحن بصددها، فإن ما يلزمنا لبناء نموذجنا التنموي الجديد هو القيادة الاستراتيجية العليــا التي تتجاوز ما هو آني/ظرفي، ولا تنكفئ على ما هو حكومي/قطاعي، وتتعالى على ما هو فئوي/حزبي، على أن تتحدد تركيبة هذه القيادة بطريقة تشاركية ومندمجة، يرأسها الملك بصفته رئيسا للدولة، وبعضوية الحكومة وهيئات الحكامة والمجتمع المدني.

إنها آلية تدبيرية كفيلة بتطوير جاهزية البلاد في هذه المرحلة المتسمة بالتقاطبات الحادة على الصعيد الدولي. وإذا عمل المغرب بكل جدية على تحقيق القدر الكافي من الرخاء الاجتماعي للمواطنين، فسيصبح مؤهلا أكثر من غيره، بحكم موقعه الجيو-استراتيجي واستقراره السياسي والأمني، لأن يصبح نقطة جذب قوية لاستثمارات ضخمة تعزز موقعه كدولة صاعدة.

ونستحضر في هذا الباب الإمكانية الواردة لتنظيم المغرب لكأس العالم في كرة القدم لسنة 2026، ليس لكونها تظاهرة رياضية وترفيهية، بل لأنها رهان اقتصادي وتنموي لا يقدر بثمن، حيث أضحى المونديال يشكل أضخم سوق لتدفق الرساميل وإبرام العقود والشراكات والصفقات الاستثمارية الكبرى. وهذه فرصتنا لإطلاق أكبر دينامية اقتصادية لدعم المجهودات الاستثمارية في البنى التحتية في جميع المجالات الحيوية للبلاد.

وأتذكر، بهذا الخصوص، كيف راهنت إسبانيا بنجاح سنة 1982 على تنظيم هذه التظاهرة الرياضية العالمية، وهي بالكاد تتلمس خطواتها الأولى نحو الديمقراطية بعد اعتماد دستور 1978، وعلى بعد سنتين من انضمامها إلى السوق الأوروبية المشتركة سنة 1984، فعملت على استثمار هذه التظاهرة بطريقة ذكية في تقوية وتنويع البنى التحتية الارتكازية لاقتصادها الوطني.

وعموما، فلا مناص من توفير ثلاثة شروط تأسيسية كبرى لإنجاح أي نموذج تنموي ببلادنا: استنهاض قدرات الأمة، وتطوير أداء الدولة، وتحرير طاقات المجتمع، فيما يشبه مخطط “ماريشال”، لكن على الطريقة المغربية.

‫تعليقات الزوار

2
  • محمد أيوب
    الأحد 25 فبراير 2018 - 21:10

    من المسؤول وأين المحاسبة؟
    يقول الكتب:"لكن الذي حصل هو الغياب الفادح للقيادة التدبيرية الناجحة للأوراش والمشروعات المرتبطة بها،مما أدى إلى تعطيل معظمها ليتأجل حلم الدولة الصاعدة"…لكنني أتساءل:من المسؤول عن فشل النمودج التنموي للوطن؟ومن سنحاسب على فشل هذا النموذج؟ثم:لماذا يتم تغييب مثل هذه الأسئلة؟فالمسؤول ضيع على الوطن سنوات من الزمن كما بذر الملايير،ثم نفاجؤ جميعا وببساطة وبرودة دم بأن النموذ المتبع فشل،وكأننا كنا في لعبة قمار وليس تدبير مصير الملايين من الناس على مستوى مختلف المجالات المرتبطة بحياتهم اليومية وبمستقبل أبنائهم ومعه ومستقبل وطن بأكمله..غريب أمر هؤلاء الكتاب:لا أحد منهم يوضح لنا من هو المسؤول عن النموذج التنموي الفاشل،كما لا أحد يطالب بمحاسبة المسؤولين عن فشله وكاننا في غابة الكلمة فيها للأقوى وليس للأصلح..كيف يمكن تعبئة المجتمع وهو محبط من تراكم الفشل..كيف يمكن اقناعه بنموذج جديد للتنمية من غير أن يعاين محاسبة المسؤولين عن الاختيارات السابقة وفشلها؟كيف يمكن اقناع المواطن بفائدة نموذج جديد للتنمية وهو يمني النفس باليوم الذي تتاح له الفرصة للهجرة من وطنه؟

  • Alemao
    الإثنين 26 فبراير 2018 - 10:47

    Pour notre ami qui veut a tout prix trouver un "bouc emisaire" pour les probles qui existent au Maroc. Je reponds que c'Est normal que meme dans le domaine politique il y a le "try and error" tu tentes et tu apprends de tes fautes, il n y a jamais un chemin precis que tu suis sans fautes. le plus important c est le "replanning" la nouvelle planification en se basant sur les fautes commises, et cela engage chaue fonctionnaire, travailleur etc…Et de la a faire semblant qu'on aurait doubler la Suede ou l'allemagne en evitant les fautes est du pur simplisme avev tout mes respects. Au contraire c est un signe tres tres positif que le Numero 1 de notre etat avoue avoir echouer et demande la partiipation de tout les marocains dans ce chantiner. Alors au lieu de vouloir voire des tetes tomber, c'est votre chance de construire dans detruire….A mediter!

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 6

علاقة اليقين بالرزق

صوت وصورة
ارتفاع ثمن الطماطم
الأحد 18 أبريل 2021 - 16:19 9

ارتفاع ثمن الطماطم

صوت وصورة
منابع الإيمان: رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 14:00 5

منابع الإيمان: رمضان

صوت وصورة
هيستوريا: لي موراي
الأحد 18 أبريل 2021 - 00:00 4

هيستوريا: لي موراي

صوت وصورة
آش كيدير كاع: طبيب الأسنان
السبت 17 أبريل 2021 - 23:00 14

آش كيدير كاع: طبيب الأسنان

صوت وصورة
مع سهام أسيف
السبت 17 أبريل 2021 - 22:00 8

مع سهام أسيف