"هذا جسدي وأنا حر فيه..."

"هذا جسدي وأنا حر فيه..."
الأحد 14 نونبر 2021 - 19:48

العبارة أعلاه وردت على لسان سيدة تم تداول مقطع لها وهي تصرخ بحرقة في الشارع العام في سياق الاحتجاج على إجبارية جواز التلقيح. ويبدو أن ما أثار الكثيرين في المقطع هو ما اعتبروه تناقضا بين المظهر الخارجي المحيل على مرجعية محافظة، وبين مطلب حرية الجسد وأبعاده، متناسين أن الحقوق الكونية ما سميت كذلك إلا لأنها مكفولة لجميع الأفراد على اختلاف معتقداتهم وجنسياتهم وجنسهم وأعمارهم وألوانهم. هي حقوق لا تقبل التجزيء ولا الانتقائية.

وإذا ما كان لقرار الحكومة بفرض جواز التلقيح من حسنة، فإنها تتمثل أولا في خلق نقاش مجتمعي حول دستورية القرار ومدى احترامه للقانون الدولي المتعلق بالحريات الفردية وخاصة الحق في تملك الجسد الذي لقي معارضة الكثيرين خلال عدة مناسبات. إذ لم يتورع بعض المحسوبين على التيار المحافظ عن تبرير جرائم التحرش، حيث تغدو الضحية في نظرهم جانية بسبب شبهة كشف جزء من جسدها الذي يصبح مشاعا مباحا لكل مستهتر. نفس الموقف تكرر خلال نقاش حق النساء في الإجهاض، حيث غدا رحم المرأة في نظرهم ملكا للأمة بأكملها، ودافعوا باستماتة عن تجريم الإجهاض مهما كانت الأسباب متجاهلين المعاناة النفسية والاجتماعية والصحية للكثير من المواطنات. الأمر نفسه لاحظناه قبل أشهر من الجائحة عندما طالب الكثر من النشطاء والمثقفين والسياسيين بتعديل القانون الجنائي لحماية الحريات الفردية، حينها تحول البعض إلى قضاة وجلادين أوكلوا إلى أنفسهم مهمة مصادرة حريات المواطنات والمواطنين بالاستناد إلى خطابات القرون الوسطى متجاهلين الدستور والقانون الدولي. وباختصار، فإن الحق في تملك الجسد من أكثر الحقوق تعرضا للخرق من طرف المجتمع قبل أن يتم خرقه من طرف الدولة اعتمادا على القانون الجنائي الذي لا شك في تعارض بعض فصوله مع تصدير الدستور الذي ينص على ما يلي: “وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها، من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا”.

ورغم الخروقات المجتمعية المتعددة، فإنه بمجرد فرض جواز التلقيح، تعالت أصوات الكثيرين ممن عرفوا بكراهيتهم للحريات الفردية، ليطالبوا فجأة باحترام الحق في الجسد وحرية الضمير والدستور والقانون الدولي، متناسين أن الحرية كل لا يتجزأ، وأن الذي يساند تعسف الدولة في التضييق على حرية المعتقد أو معاقبة أبسط الحريات المتعلقة بالجسد خلال الظروف العادية، تعوزه الشرعية لمطالبة الدولة باحترام حق المواطنات والمواطنين في تملك أجسادهم خاصة في ظرفية الوباء وحالة الطوارئ التي تمنح للسلطات العمومية سلطات استثنائية من أجل الحفاظ على الصحة العامة.

ولست هنا بمعرض الدفاع عن قرار الحكومة ومجال تطبيقه وطريقة تنزيله والذي بالتأكيد يمكن تنزيله بطرق أفضل من خلال التدرج واحترام مبدأ التناسب بين الإجراء والخطر المحتمل، وتكثيف التواصل الشفاف وكذا المواءمة بين حماية الصحة العامة وضمان ولوج الأفراد إلى الخدمات الأساسية وذلك تنفيذا للفصل 21 من الدستور الذي يقضي بأن “تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”. بل أود فقط التذكير بأن دولة الحقوق والحريات لن تبنى بالنضال الظرفي المصلحي، ولا بالانتقائية وتقديم المصالح الأيديولوجية على الحقوق الكونية، بل من خلال احترام حقوق ومصالح الجميع دون إقصاء. لذلك، فالظرفية السيئة التي يمر منها العالم والتي اقتنصتها الكثير من الحكومات لإصدار قرارات لا شعبية، قد تشكل بالنسبة للمجتمعات التي طالما رفضت الحريات الفردية تارة باسم المقدسات وتارة باسم الانسجام المجتمعي، فرصة ذهبية لإدراك قيمة الحرية في مفهومها الشامل الذي يصون كرامة الجميع ويضمن المساواة ويتجاوز منطق الإكليروس المبني على الوصاية والترهيب.

ولأن قيمة الحرية توأم لقيمة المسؤولية، فإننا في أمس الحاجة إلى استحضار الفصل 37 من الدستور الذي يلزم المواطنين بـ “ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات”. وهنا لا بد من تثمين روح المسؤولية التي أبان عنها ملايين المواطنات والمواطنين خلال هذه الأزمة عبر الانخراط في جهود محاربة الوباء واحترام الإجراءات الوقائية والتحلي بالحكمة والصبر وضبط النفس، وكذا الإقبال المكثف على عملية التلقيح حرصا على الصحة العامة وتماشيا مع توجيهات السلطات الصحية الوطنية والدولية. غير أن ما يحز في النفس هو ما صدر ويصدر عن بعض الأفراد الذين يحملون ألقابا أكاديمية لم تثنهم عن تصفية حساباتهم السياسية والأيديولوجية، بل وظفوها للتشكيك في حقيقة الجائحة وفي حرص المؤسسات الرسمية على حياة المواطنين، مع إثارة الرعب تجاه اللقاح دون سند علمي وبشكل يتنافى مع أخلاقيات وقواعد المنهج العلمي المحايد، الأمر الذي قد يؤثر بشكل خطير على ثقة المواطنات والمواطنين في المؤسسات ويهدد الأمن العام في ظرفية تحتاج إلى الكثير من الثقة والاستقرار من أجل العبور جماعيا إلى بر الأمان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • غير معروف
    الإثنين 15 نونبر 2021 - 06:38

    الحرية تُاخذ و لا تُعطى يا المذلولين

  • مراديوس
    الثلاثاء 16 نونبر 2021 - 09:56

    لم توفق سيدي في المقارنة بين من ترفض إدخال شئ لبدن في ملكها ومن تستبيح قتل نفس عبر الإجهاض وبين من تمس بالمظهر العام الذي هو في ملك الجميع وليس في ملكها لوحدها، اذا تعرت من تعرت وهي في غرفة نومها من له حق التدخل في ما لا يعنيه!؟ بفعلها تريد توسيع خاصها على حساب العام الذي هو ملك للجميع وهذه انتهازية لا اظنك تقبلها، تحتشم في بيتها لانها تجد من ينازعها في ما لا تملك ويوقفها عند حدها، لكن في الشارع تسمح لنفسها بكل شئ بدعوى الحرية لانها تعلم ان لا احد اصبح يحمي الشارع، منذ متى كان الشارع ملكها وحدها؟ مقالك يحتاج الى تأصيل وما تناقشه هو حدود الخاص من العام و لهذا أُفردت لهذا نظريات تجيب على اسئلتك.

  • قول الحقيقة
    الثلاثاء 16 نونبر 2021 - 15:15

    مواقف كل شخص من قضية ما أو فكرة تختلف حسب معتقداته و بيئته و مستواه الاقتصاديو الاجتماعي و الثقافي. و كل اختلاف أو وجهة نظر مغايرة لا تعطي الحق للىخر بالتحقير و الأوصاف الذميمة و . يجب أن يسود الاحترام و التقدير و نسلك طريق الاقناع بالدليل و البرهان و العلم و الحقيقة . أما العبارات الفارغة الجوفاء التي تتردد كأسطوانة من الحقوق الكونية و المواثيق الدولية التي في الحقيقة لم تشارك كل المجتمعات الإنسانية في صياغتها و وضعها و تكريسها بل فئة جد محدودة تنتمي للدول الغربية . و لم يتم إشراك باقي المجتمعات التي تتميز بخصوصيات ثقافية و دينية و عادادت و تقاليد متجدرة ورثوها على أسلافهم لقرون طويلة و كانت سببا في سعادتهم و استقرارهم الاجتماعي .

  • Lamya
    الأربعاء 17 نونبر 2021 - 10:21

    الرجل المكبوت هو الذي تستفزه امراة تلبس لباس عصري في الشارع و يظن انه من حقه التحرش بها في الشارع, لانه ليس من حقها الخروج بتلك الملابس المتبرجة ,لان الشارع ملكه هو و ملك من له نفس الفكر و ليس ملك المجتمع بكل اطيافه و اي شيء يتعلق بالجنس او التحرش فان المراة مصدره.
    اتفق مع الكاتب ان هذه العقلية عقلية القرون الوسطى و عصر الظلمات و يجب محاسبة كل متحرش
    لان التحرش حرام في الدين و ليس مباحا بدعوى ان المراة متبرجة.
    لو كان الرجل يتحمل مسؤوليته بمعنى الكلمة كما جاء في القران الكريم لما كانت هناك كل هذه التناقضات في المجتمع, لان الرجل يطلق العنان لغرائزه و يحمل المراة و الطفل المسؤولية.
    اما التلقيح فهو واجب في هذه الظروف و نحن, اي الملقحون ,عندنا ايضا مخاوف من انتشار الوباء الى مستويات لا تحمد عقباها و ما لذلك من تداعيات على الصحة النفسية و الحركة الاقتصادية
    و الاسلام يدعو الى حفظ النفس و المال و الممتلكات…

صوت وصورة
طاكسيات تزيد في التسعيرة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 15:22 1

طاكسيات تزيد في التسعيرة

صوت وصورة
أسعار الخضر تواصل الارتفاع
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 12:15 11

أسعار الخضر تواصل الارتفاع

صوت وصورة
الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 10:42

الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون

صوت وصورة
وزير الفلاحة والتنمية القروية
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:49

وزير الفلاحة والتنمية القروية

صوت وصورة
المحروقات تثقل كاهل السائقين
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:28 3

المحروقات تثقل كاهل السائقين

صوت وصورة
ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:16

ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات