هل العفو حُكم تكليفي سادس؟

هل العفو حُكم تكليفي سادس؟
الجمعة 21 فبراير 2014 - 20:34

يُعَرِّف الأصوليون الحكم الشرعي التكليفي بقولهم: »خطابُ الله المتعلِق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير «.

وقولهم خطاب الله تعالى يشمل المباشر منه وهو القرآن، أو بواسطة وهو السنة و الإجماع و القياس وبقية الأدلة..، مثلا قوله تعالى:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المائدة:1، هذا النص المتعلِق بإيفاء العقود هو نفسه الحكم الشرعي.

والمراد بالاقتضاء: الطلب، سواء أكان طلب الفعل أم طلب الترك، وطلب الفعل إن كان جازما فهو الإيجاب، وإن كان غير جازم فهو الندب، وطلب الترك إن كان جازما فهو التحريم، وإلا فهو الكراهة.

وأما التخيير: الإباحة، وهو استواء الفعل و الترك.

إذن؛ الأحكام الشرعية التكليفية خمسة هي:( الإيجاب و الندب، والتحريم و الكراهة، و الإباحة)، وهذه الأحكام الشرعية ترد في نص أكان مباشرا أم بواسطة.

إزاء هذا التقسيم الخماسي للأحكام الشرعية التكليفية، تحدث العلماء قديما و حديثا عن “العفو”، وطُرِحت العديد من الإشكالات في الموضوع: هل العفو حكم شرعي سادس أم أنه لايأخذ صفة الحُكمِيَّة وإنما ينظر إليه باعتبار مرتبته لا حُكمه؟ وما مفهوم العفو؟ وما علاقة العفو بالاحكام الخمسة الأخرى وخصوصا المباح؟ وما علاقته بالمصطلح المعاصر “الفراغ التشريعي”؟

إن المتأمل في هذه الإشكالات، يتضح له يقينا أن موضوع “العفو” معانيه متشابكة، ودلالاته ممتدة، ولذلك أقدمت الباحثة جميلة تِلوت في مغامرة بحثية لاكتشاف مفهوم العفو من خلال كِتابها الصادر حديثا عن مركز نماء، الموسوم بـ:” مرتبة العفو قراءة أصولية تحليلية في ضوء موافقات الشاطبي”، محاولة إعادة تعريف هذا المصطلح بما يرفع عنه الالتباس مع غيره من المصطلحات، وبيان اختلافه عن بعض التعبيرات المعاصرة، وقد أقرت في مقدمتها أن الكثير من البحوث التي ناقشت المفهوم، لم تهتم بدراسته مفاهيميا، ومنها من رَادَف بين مفهوم الفراغ التشريعي و مفهوم العفو، ومنها من اكتفى بالوصف دون التحليل..

ولذلك اقتحمت الباحثة غِمار البحث في مفهوم العفو من خلال اهم متن في التراث الأصولي، وهو كتاب الموافقات للإمام الشاطبي 791هـ، وهي معترفة بتحديين أساسين؛ تحدي قراءة متن الشاطبي، وتحدي دراسة مفهوم العفو الإشكالي.

إن القراءة الأولية للكتاب، تُوصِل صاحِبها إلى تصور مفاده، أن الباحثة قد قرأت متن الشاطبي مرات و مرات، محاولة فك ألغازه، تربط اللاحق بالسابق، وتقرأ النتائج بالمقدمات، وتفهم الجزئيات في ضوء الكليات، ولمزيد من الفهم أدمنت النظر في كتاب الاعتصام، لبيان ما أُجمل من مفردات وجمل وفقرات في الموافقات.

وكيف لا تفعل ذلك ! والكتاب كما يقرر الشاطبي موجه إلى الراسخين في علوم الشريعة بكل فروعها المتنوعة بداية من التفقه في لسان العرب ونهاية باستيعاب أسرار التشريع الإسلامي، وهو الكتاب الذي اختلفت عبارة العلماء في وصفه جملة، وتعددت رؤاهم في تفسير نصوصه تفصيلا.

لقد حاولت الباحثة أن تدرك كنه نص الشاطبي، مُختَبِرة أهليتها في الفهم والاستيعاب عبر دراستها لمفهوم “العفو”، غير أنها لم تسلك دربَ هذه الدراسة الوعرة من دون عدة منهجية، فيبدو واضحا انحيازها لمنهجية محددة في دراسة المفهوم، فالباحثة استفادت من منهج الدراسة المصطلحية دون أن تلتزم بكل مراحله؛ استثمرت منهجية الكشف عن هوية مصطلح العفو ضمن عائلته المفهومية، وتحدثت عن علاقة “العفو” بـ :( المباح، والبراءة الأصلية، المسكوت عنه، والمكروه، والترك) ضمن نصوص الإمام الشاطبي، وخرجت بخلاصات متميزة منها على سبيل المثال:” العفو يشترك مع المباح في رفع الحرج، ويختلف معه في التخيير باعتباره حكما تكليفيا” و ” العفو يختلف عن التوقف والاجتهاد، لأن التوقف في العبادات، والاجتهاد في المستجدات، أما العفو فيكون فيما وجد مقتضاه أيام التشريع غير أنه سكت عن حكمه الشرعي” و ” العفو بمعناه الفقهي يرادف رفع الحرج بعد وقوع المكلف في المكروه لخفة مفسدته، أو عدم المداومة عليه”..

إن الباحثة وهي تَصول وتَجول في نصوص الشاطبي، لم ينسها ذلك ما يقع من خلط بين المفاهيم في الواقع المعاصر، فاغتنمت الفرصة، لبيان أن العلاقة بين مفهوم الفراغ التشريعي الحديث، ومفهوم الغفو عند الأصوليين و الشاطبي خاصة، ليس علاقة ترادف، بل بينت أن بينهما اتفاق و اختلاف، فيتفقان في أن العفو بمعناه الأصولي هو المسكوت عنه قصدا فجرى في حكم البراءة الأصلية، وكذلك الحال بالنسبة لمنطقة الفراغ التشريعي فهي منطقة المباحات في الغالب الأعم، أما الاختلاف فهو أن الذين يتحدثون عن الفراغ التشريعي بمعنى حدوث نوازل جديدة لم تكن موجودة أيام التشريع، ثم استجدت في الزمان المعاصر وهي في مسيس الحاجة إلى حكم شرعي، لا علاقة لهذا المعنى بالمسكوت عنه المندرج ضمن مرتبة العفو، لأن الشارع سكت أيام التشريع دون أن يقرر حكما شرعيا مع وجود مظنته، فالاختلاف إذن؛ بين أمرين: الاول، السكوت زمن التشريع، و الثاني، السكوت بعد انتهاء زمن الشتريع.

مما لاشك فيه أن كتاب مرتبة العفو للباحثة جميلة تلوت هو كتاب إشكالي بامتياز، جذوره تضرب في علم الكلام، وأغصانه باسقة في علم أصول الفقه؛ ومن هنا يمكن اعتبار هذه الدراسة محاولة جريئة في الكشف عن مفهوم شائك ممتدد في الجذور و الأغصان، يستحق البحث و الدراسة.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

3
  • عبد المنعم
    الجمعة 21 فبراير 2014 - 21:01

    هل كان القدماء أكثر منا ذكاءا ؟ أهل أصبحت عقولنا قاصرة في العصر الحديث؟ لم نرجع في كل صغيرة وكبيرة للزمن الغابر كي نلوكها ونعجنها كي نحصل منها على مايلائمنا للوهلة والغرض.؟

    علينا على الأقل المزج فنستحضر فلاسفة العصر, ماذا يقولون هم كذلك في الأمر.

  • fedilbrahim
    الجمعة 21 فبراير 2014 - 23:09

    اعتقدت ان العفو المقصود هو العفو العام او الخاص في القانون المغربي الذي طرح و يطرح اشكالات السمسرة و التخبط و هو ما ظهر جليا في قضية البيدوفيل كالفان
    او عفو رئيس القنديل عن مرتكبي جرائم الاموال بعرف -عفا الله عما سلف – في استغلال بين و فاضح لله كما عادته و حزبه في استغلال الدين فالشجاعة تقتضي قول الحقيقة المرة هكذا- رئيس الحكومة عفا عن ما سلف لناهبي المال العام –
    اما العفو المقصود فلن يزيد الا في حيرة المهووسين باحكام افعالهم الغير خاضعة واقعا لحكم شرعي و انما لمقتضي قانوني بالتجريم او عدمه .

  • مأزق دول عدم الانحياز
    السبت 22 فبراير 2014 - 10:42

    بالله عليك هل انت فقيه ?احترم تخصصاتك ،من يهتم لفتاويك واجتهادتك الدينية ،والتى لا ترقى الى مستوى مواضيع بحوتات كلية الشريعة ،كان الاسلاميين او الفقهاء هم في حاجة لنصائحك وتوجيهاتك ،ومتى بات الدين بدل السلطة والتوظيف السياسي له من أولويات الاسلاميين ?ولما لا تنظم الى أحزابهم ادن ?ام انت فقط من المتعاطفين ?احدر فقد تكون احدى ضحاياهم يوما ما،أقلها ان يلزموك بهندامهم وسلوكياتهم ،وربما آليات فكرهم النقلية ،ودلك هو اشد انواع القمع الفكري ،فانت تتنقل في حقل ألغام ،وكل غاياتهم هي ان يمنون على الله والناس إسلامهم ويفعلون أحكامهم التراتية لأجل ما لله ومال قيصر ،حتى ولو كنت فقيها ،فنحن سنة ليس عليك وعلى فقهائك الا عرض قضاياهم وحججهم ،اما الرفض والقبول فدلك حقنا المطلق ،ومن أراد ولاية الفقيه فعليه الرحيل الى العراق وإيران ،انها كلمات متطرف علماني وليست للنشر ،

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 3

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 8

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري