هيبة الدولة وكبرياءُ المجتمع

هيبة الدولة وكبرياءُ المجتمع
الأحد 30 يوليوز 2017 - 05:37

يجري عادة استدعاء مفهوم «هيبـة الدولـة» كلما «تجرأ» المجتمع، أفرادا وجماعات، على مواجهة الدولة بالرفض لقراراتها، وكلما ارتفع منسوب عدم الرضا على سياساتها، وربما كلمـا حصل «تطاولٌ» على حرمة مؤسساتها. ومفهوم “هيبة الدولة”، كما يُستعمل في المغرب، لا يشبه مفهوم “منطق الدولة” (la raison d’Etat) كما هو متداول في الغرب الأوروبي والأمريكي، هذا لأن دولتهم لا تشبه دولتنا. و”الهيبة” في الاصطلاح مرتبطة، في المجتمعات التقليدية، بالشخص أكثر من ارتباطها بالمؤسسة كما هو الحال في المجتمعات الحديثة. لذلك، فتعبير “هيبة الدولة” لا ينتمي إلى حقل العلوم السياسية، أما استعارته في الخطاب السياسي إنما يستبطن فكرة واجب الولاء للدولة

على فرض أن القول بـ”هيبة الدولة” لا يثير إشكالا كبيرا في المجال التداولي العام، ولكن لابأس من استحضاره، إجرائيا، في هذا المقام لما يكتسيه استعماله من أهمية بالغة خاصة في لحظات الأزمة طالما أن الأمر يتعلق بالدولة في علاقتها بالمجتمع. وكلاهما، أي الدولة والمجتمع، لهما تأويلان مختلفان لمفهوم هيبة الدولة، حيث يتم اللجوء إلى استعماله حسب الحاجة إلى خدماتها، في الزمان والمكان والسيرورة

ظريا، هيبة الدولة تكون في قلب المنطق التعاقدي الذي يربط الحق بالواجب كثنائية مُهيكلة لرابطة المواطنة. وهي تتحقق عمليا حين تنغرس في وجدان الأفراد والجماعات، وحين ينخرط المجتمع في استبطان ثقافتها ومنطقها، ويستقوي بها في لحظات الضعف والعوز والحاجة. وأكثر من ذلك، حين يقتنع المواطنون بالجدوى من وجودها وبالمنفعة من سياساتها وخدماتها، افتخاراً وتباهياً، لا خوفا وإكراهاً.

الدولة تتحصل على هيبتها بعد أن تنجح في التطبيق الصارم للقانون وفرض احترامه عن طريق الإقناع والإدماج والردع المشروع، وليس بواسطة الإكراه التعسفي والشطط في استعمال السلط. وهي تنجح في ذلك حين تبدأ بمعاقبة المسؤولين الكبار قبل الصغار.

هيبة الدولة تتعاظم في اللحظة التي يحس فيها المواطن مع الدولة بالأمن والأمان وبالحماية والعناية والرعاية. ويدخل في حكم ذلك الحضور الدائم للدولة وتدخلاتها في أوقات الأزمات والشدائد، وقدرتها على الحفاظ على التضامن الداخلي وانسجام مكونات الاجتماع الوطني. والهيبة العظمى للدولة هو عدم ترددها في الدفاع بكل حزم عن حرمة الوطن ونهج سياسة ممانعة ضد أي اختراق خارجي كيفما كان نوعه، والحفاظ على سيادة الدولة من خطر تقويضها، كما هو الحال حين يتم اللجوء المفرط للاستدانة الخارجية الحاملة لشروط تركيعية، تضرب استقلالية القرار الوطني المستقل.

ليس من هيبةٍ للدولة حين تتغول الأخيرة على المجتمع، وتبتلع نُخبه، وتسلب حرية مواطنيه باسم الحفاظ على سلمٍ مهزوز، وحين تستعرض عضلاتها بنهجها لمقاربات أمنية في معالجة المشكلات الاجتماعية. كما تتلاشى هيبة الدولة حين لا يثق المجتمع في مؤسساتها، ويشكّ المواطنون في قراراتها، ويضيع العدل في محاكمها، وتُحتقر مقررات قضائها، وتُنتهك الحرمات في حضرتها.

تنهار هيبة الدولة حين تتسرب الاتجاهات التدميرية بداخل هياكلها من فساد واستبداد وتطرف…، وحين تسمح للفاشلين ولصوص المال العام بالإفلات من العقاب المشروع، وحين تغض الطرف عمن يدوس على دستورها وقوانينها ويمس بحرمة مؤسساتها. كما تضعف هيبة الدولة حين يتم تنصيب محامين فاشلين للترافع عن قضايا الوطن العادلة، وحين لا يبذل فيها الدبلوماسيون والسفراء والقناصلة قصارى جهودهم للدفاع عن مصالح البلاد الحيوية وكأنهم في فسحة خارج الديار.

لما كانت الدولة هي التجسيد السياسي والمؤسساتي للتعاقد بين الأفراد داخل المجتمع، فإن بنود التعاقد ذاك تنص على ضرورة تخلي الأفراد عن جزء من حرياتهم لتأسيس القانون، وعن جزء من أموالهم لتأسيس الضريبة، وعن جزء من كبريائهم لصنع هيبة الدولة. لذلك، يظل الاحترام الواجب لكبرياء المجتمع هو الأصل، وهيبة الدولة هي من باب تحصيل حاصل.

‫تعليقات الزوار

7
  • عمر 51
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 09:54

    اللغة العربة لا تقبل التكرار في الألفاظ التي لاطا ئل منها, وأن من أراد أن يكتب عليه بمعرفة قواعدها :نحوها وصرفها وو. وبالمناسبة فكلمة [كلما] التي جاءت في المقال للكاتب [فكلما تجرأ المجتمع…….وكلما ارتفع ….]هي أداة شرط, وأن أداة الشرط تحتاج إلى فعل الشرط, وتحتاج أيضا إلى فعل جواب الشرط, وإذا أمعنا النظر في العبارة, لا نجد جواب الشرط , بل استعمل الكاتب فقط فعلي الشرط , وهذا خطأ [ فكلما تجرأ ..] و[ كلما ارتفع …] والذي يترتب عن هذا الخطأ , هو عندما ينقل شخص آخر, هذا الخطأ , ويصبح الخطأ خطأين , والأدهى من ذلك, عندما يتعلق الأمر بالتلميذ, فيترسخ ذلك الخطأ في ذهنه أو ذاكرته, وعند الامتحان تكون إجابته بذلك الخطأ , وقد يتسبب هذا؛ في رسوبه . أما الشاهد عندنا على الصواب هو القرءان الكريم : [ كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجــــــــد عندها رزقـــا ] صدق الله العظيم. وهذا الأسلوب موجود في القرءان 17 مرة ….

  • زينون الرواقي
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 12:49

    هيبة الدولة لا تأتي بتخلي الأفراد عن جزء من كبريائهم كما أورد الكاتب ، فالكبرياء ليس بالمعنى الدارج هنا اي التكبر ، الكبرياء الشخصي يعني الكرامة وعزة النفس وهذا أمران لا يتخلى عنهما إلا الواطئ المنحط ، هيبة الدولة من تماسك قوانينها وقوة قضائها واستقلاله وابتعاد عدالتها عن اعتماد مكيالين احدهما للعامة يظهر وجه الصرامة والثاني لأهل الحظوة يجتهد في البحث عن الثغرات وليس النصوص ، فمتى استشعرت العامة ان الدولة وعدالتها وقوانينها لا تشهر سيفها ألا في وجه المستضعفين تمردت في دواخلها على المنظومة برمّتها وعلى من يعتلي قمتها فتنهار هيبة الدولة ومعها رموزها وثوابتها ، الامم العظيمة هيبتها تحفظ كبرياء أفرادها فلا يتنازلون عنه كما يرى الكاتب بل يزداد ويتعزَّز .. يتباهى الفرد بهيبة دولته وهو يغشى مطارات الدول ويخالط الشعوب ووراءه جنسية ترفع من شانه ودولة تحظى بالاحترام بين الأمم ، فهل تخلى هذا عن كبريائه ليبلغ هذه الوجاهة بين باقي الأمم ؟ عندنا لم يعد للفرد كبرياء حتى يتخلى عن جزء منه حفاظا على هيبة الدولة ومع ذلك نراها اليوم تتآكل فلنبحث عن مكامن الخلل في مكان آخر أما المواطن فلم يعد لديه ما

  • Amri
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 14:01

    الشعب هو من يصنع الدولة لخدمته ومن واجب الدولة أن تحترم إرادة الشعب وليس العكس كما هو متعارف عليه عند سالبي إرادة المواطن المغربي.

  • زينون الرواقي
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 14:10

    .. عن اي كبرياء سيتخلى من تلد زوجته على قارعة الطريق أو تلك التي تحمل على نقالة الموتى أو ذاك الذي تلتهم الاقساط قلتي راتبه ان كان له راتب .. أو ذاك الذي تمزقه الحسرة والأسى وهو يرى اطفاله يحشرون كالدواب في أقسام مكتظة بينما أبناء قوم آخرين لا تجمعهم به سوى الجنسية يحظون بتعليم راق ورعاية صحية على النمط الغربي وأسلوب حياة لا يغفل أدنى التفاصيل بعطلها الصيفية والشتوية وتغذية سليمة تحتسب بدقة متناهية كمية السعرات الحرارية اللازمة لبنية جسدية سليمة بينما يتحلق البئيس وَذُرِّيَّتِهِ حول صحن مملوء بشيء ما .. قبل الحديث عن الكبرياء وهيبة الدولة وما يتوجب على الأفراد ينبغي طرح الآدمية قبل ان الانتقال الى الانسان ، المواطن ليس في حاجة ملحة الى حقوق ومصطلحات مستوردة بقدر ما هو محتاج على وجه الاستعجال الى انتشاله من وهاد الفقر المذل حتى يبلغ مرتبة الآدمية آنذاك نناقش حقوقه كإنسان .. لا أعني هنا ساكنة المدن بل الكائنات المتلاشية والمنسية في الجبال والأصقاع النائية من تراب هذا الوطن ،تلك التي تلد وتدفن موتاها دون يعلم احد او دون تسجل في سجلات الولادات ولا الوفيات .. اي كبرياء لهؤلاء حتى يتنازلو

  • CHADOU
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 16:46

    هبة الدولة مرتبط بمعيار محاربتها للفساد وعدم الافلات من العقاب مهما كانت رتبة الفاسد وكبرياء المواطن مرتبط بمعيار الفساد الذي يقتله في صمت فكلما زاد الفساد واكتسح رقعة حياته زادت درجة كبرياءه

  • ÉCORCE DE COCO
    الأحد 30 يوليوز 2017 - 20:21

    كبريائي وشموخي وعزتي يتجلون في المستقبل الزاهر من خلال دولة يسود فيها القانون ولا يعلى عليه ومن خلال تعليم جاد ومنتج وشغل مثمر وصحة جيدة وعناية بأبنائي وباقي أبناء المغاربة داخل وخارج الإدارات العمومية . وفي الحق في العدالة والرفاهية والكرامة الإجتماعية .

  • للهيبة شروط
    الإثنين 31 يوليوز 2017 - 17:23

    عن أي كبرياء و شموخ يتكلم كاتب المقال و حكام المغرب يفتخرون بأن حد الاجور الادنى في المغرب اصبح أقل من حد أجور بلاد مثل الصين يفوق سكانها 1.3 مليار نسمة .عن أي كبرياء يتكلم الكاتب و أغلب التقارير الدولية تشير الى تغييب إرادة الشعب و إستبدالها بجمعيات و مجالس عليا غير منتخبة تقوم بمهام حكومة الظل , المحللون و خبراءعلم الاجتماع الذين قاموا بدراسة الحياة الاجتماعية في مجتمعات بشرية متعددة عبر العصور ان السلط السياسية و الدول التي تتبنى سياسة التفرقة على أسس عرقية قبلية لغوية لا ترقى لمستوى هيبة بل تفقدها تماما .

صوت وصورة
رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس
الجمعة 7 ماي 2021 - 22:20 3

رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس

صوت وصورة
مع ربيع الصقلي
الجمعة 7 ماي 2021 - 21:30 1

مع ربيع الصقلي

صوت وصورة
حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية
الجمعة 7 ماي 2021 - 20:00 7

حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
سال الطبيب: تجنب العطش والجوع
الجمعة 7 ماي 2021 - 18:30 8

سال الطبيب: تجنب العطش والجوع

صوت وصورة
تعزيز المساواة بين الجنسين
الجمعة 7 ماي 2021 - 15:09 8

تعزيز المساواة بين الجنسين

صوت وصورة
انهيار محلات تجارية بفاس
الجمعة 7 ماي 2021 - 13:34 4

انهيار محلات تجارية بفاس