وحش اسمه بن غفير

وحش اسمه بن غفير
السبت 23 ماي 2026 - 23:34

احتاجت فرنسا إلى فيديو مهين لمعتقلين مقيّدي الأيدي كي تتذكر أن إيتمار بن غفير ليس “سياسياً مثيراً للجدل”، بل أحد أكثر وجوه الفاشية الإسرائيلية وقاحة وعنفاً، واحتاجت أوروبا إلى مشهد ناشطين أوروبيين جاثين على الأرض حتى تدرك متأخرة أن الرجل الذي استقبلته العواصم الغربية وزيراً شرعياً لم يكن سوى نسخة معاصرة من دعاة التطهير القومي الذين أنجبتهم أكثر الحركات تطرفاً في التاريخ الحديث.

الفيديو الذي نشره بن غفير بنفسه لم يكن زلة سياسية ولا اندفاعاً انفعالياً، كان بياناً أيديولوجياً كاملاً، الوزير الإسرائيلي ظهر كمن يحتفل بإذلال بشر عزل، يلوّح بالعلم الإسرائيلي أمام معتقلين مكبلين، يبتسم بينما تُدفع ناشطة بعنف إلى الأرض، ويردد شعارات قومية فوق رؤوس أشخاص جرى تحويلهم إلى مادة للاستعراض السياسي.

لم يكن المشهد بعيداً عن صور الأنظمة التي طالما ادعى الغرب أنه يحاربها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، الفرق الوحيد أن الفاعل هذه المرة وزير إسرائيلي، ولذلك احتاجت العواصم الأوروبية إلى وقت طويل كي تعترف بما تراه عيون العالم يومياً منذ سنوات.

الحقيقة التي تحاول أوروبا الهروب منها أن بن غفير لم يصعد رغم عنصرية إسرائيل، بل صعد بسببها، لم يكن طارئاً على النظام السياسي الإسرائيلي، بل أحد أبنائه الأكثر صدقاً، الرجل الذي علّق صورة باروخ غولدشتاين في منزله، ودافع عن طرد العرب، وحرّض علناً ضد الفلسطينيين، لم يخفِ مشروعه يوماً، ومع ذلك ظل شريكاً مقبولاً لدى الغرب، يستقبل رسمياً، وتُناقش معه الملفات الأمنية، ويُتعامل معه كوزير طبيعي داخل “دولة ديمقراطية”.

كل ذلك لأن الضحية كان فلسطينياً.

حين كان الفلسطيني يُسحل عند الحواجز، أو يُعتقل بلا محاكمة، أو يُقصف داخل غزة، كانت البيانات الأوروبية تخرج باردة ومجردة ومليئة بالتوازن المنافق، أما حين ظهر أوروبيون داخل المشهد نفسه، تحركت باريس وروما ومدريد فجأة، كأن الإهانة تصبح أكثر فداحة فقط عندما تمس مواطناً غربياً، وهذه ليست أزمة سياسة فحسب، بل أزمة أخلاق كاملة تكشف أن الغرب لا يزال ينظر إلى الدم الفلسطيني باعتباره أقل قيمة سياسياً وإنسانياً.

فرنسا التي أعلنت منع بن غفير من دخول أراضيها تعلم جيداً أن ما فعله الرجل ليس حادثة استثنائية، بل السلوك الطبيعي لحكومة إسرائيلية انتقلت بالكامل تقريباً إلى أقصى اليمين، حكومة لم تعد تخجل من خطاب الإبادة والتهجير والعقاب الجماعي، وزراء فيها يدعون علناً إلى محو غزة، وتجويع سكانها، وتوسيع الاستيطان، وفرض السيادة بالقوة، ثم يخرج الغرب ليحدث العالم عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

أي دفاع هذا الذي يتحول فيه وزير أمن إلى مهرج قومي يتباهى بإذلال المعتقلين أمام الكاميرات.

أي ديمقراطية هذه التي يصبح فيها التحريض على الكراهية طريقاً مضموناً نحو السلطة.

وأي نفاق سياسي يسمح لعواصم غربية بمواصلة تسليح ودعم حكومة تضم شخصيات كان يمكن، في أي مكان آخر، التعامل معها باعتبارها خطراً على السلم الأهلي والدولي.

حتى بنيامين نتنياهو، الذي حاول التنصل من تصرف بن غفير، لا يملك حق ادعاء الصدمة، فالرجل لم يأتِ من الشارع إلى الوزارة، بل جرى إدخاله عمداً إلى قلب السلطة لأنه يمثل المزاج الحقيقي لتحالف اليمين الإسرائيلي الحالي، وكل محاولة لتقديمه كعبء أخلاقي منفصل عن الدولة ليست سوى خدعة سياسية رخيصة، لأن المشكلة ليست في بن غفير وحده، بل في إسرائيل التي أنجبته، وروّجت له، ومنحته الشرطة والسلاح والمنابر والسلطة.

المثير للسخرية أن أوروبا تتحدث اليوم عن فرض عقوبات على بن غفير، وكأن المشكلة تختزل في شخص واحد، بينما تستمر العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع حكومة كاملة تشارك يومياً في إنتاج المشهد نفسه الذي أثار هذا الغضب المفاجئ، كأن المطلوب فقط معاقبة الوجه الأكثر فجاجة، ثم مواصلة التعامل مع البنية التي تصنع الفجاجة نفسها.

الفيديو الأخير لم يكشف وحشية بن غفير فقط، بل كشف انهيار الرواية الغربية القديمة عن “الديمقراطية الإسرائيلية”، لأن الديمقراطيات لا تحتفي بإذلال الأسرى، ولا تصنع من الكراهية برنامج حكم، ولا تحول التعصب الديني والقومي إلى عقيدة دولة، ما يجري اليوم داخل إسرائيل ليس انحرافاً مؤقتاً، بل تحوّل عميق ينقل المجتمع والدولة معاً نحو نسخة أكثر تطرفاً وعدوانية وانغلاقاً.

لهذا يبدو القرار الفرنسي متأخراً إلى حد السخرية، فبن غفير لم يتغير، الذي تغير هو مستوى الإحراج الدولي فقط، الرجل قال دائماً ما يفكر فيه، لكن الغرب كان يفضّل تجاهل الحقيقة ما دام الثمن يدفعه الفلسطيني وحده، أما الآن، وبعد أن أصبحت صور الإذلال والعنف تنتشر في كل شاشة وهاتف، صار من الصعب سياسياً الدفاع عن شخص يجسد بصورة فظة كل ما تحاول أوروبا الادعاء بأنها ترفضه.

المشكلة أن بن غفير ليس النهاية، بل البداية فقط، لأن إسرائيل التي دفعت بهذا النموذج إلى الواجهة لم تعد تخشى شيئاً، لا القانون الدولي، ولا الإدانات، ولا الغضب الشعبي العالمي، وهي تدرك أن الغرب، مهما رفع صوته أحياناً، سيواصل في النهاية توفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل.

لهذا فإن منع وزير متطرف من دخول باريس لن يغيّر شيئاً في جوهر المشهد، لأن القضية لم تعد مرتبطة برجل منفلت، بل بدولة تتجه بسرعة نحو تطرف أكثر تنظيماً وعلنية، وبغرب يكتشف متأخراً جداً أن الوحش الذي ساهم في حمايته وتبرير أفعاله خرج أخيراً من القفص، ولم يعد يحاول حتى إخفاء أنيابه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

19
  • الدوخة صافي .
    السبت 23 ماي 2026 - 23:50

    لا اعرف كيف تقبل الإدارة الإسرائلية بوجود شخص بكل هذا التطرف ضمن منظومتها الدمقراطية . أحيانا أكتشف ان العالم ليس مثالي كما اعتقد .

  • سعيد
    السبت 23 ماي 2026 - 23:59

    إسرائيل بنتهم والبنت تشبه أمها ولا حرج عليها. ومن كون إسرائيل ورعاها منذ ثمانين سنة وزودها بالنووي غير أوربا.

  • azarus
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:00

    “… بل أزمة أخلاق كاملة تكشف أن الغرب لا يزال ينظر إلى الدم الفلسطيني باعتباره أقل قيمة سياسياً وإنسانياً.”
    أولا ، تحية للكاتب على هذا المقال الرائع الذي زاد توضيحا وتفصيلا مفصلا لما هو واضح أصلا، و في المقطع الذي اقتبسته، أحب أن أشير إلى أن الغرب لا ينظر بعين الإحتقار إلى الدم الفلسطيني فحسب ، بل الى كل من لا يمتلك بشرة بيضاء و أعينا زرقاء و شعر أشقر، بل و يمرقون بنظرات الدونية حتى غلى من يمجدهم بقية العالم.
    وهذا جزاء كل من ابتغى العزة بغير الله العزيز الجبار

  • ابوادريس سعيد
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:07

    بن غفير أصبح عار على دولة إسرائيل وعبء ثقيل على سياستها الخارجية و خصوصا مع الدول الأوربية
    وعلى الناخب الاسرائيلي التخلص من هذا الوزير السادي.
    في الانتخابات المقبلة وعلى أمثاله من الوزراء الاسرائيليين من اليمين المتطرفة الاسرائيلي.

  • مواطن غيور١
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:30

    أنصح إخوتي المغاربة بالبحث عن وصف الكتاب المقدس لليهود التلموذ للشعوب الأخرى غير اليهودية، والله سيشيب لكم رأسكم قبل الأوان.
    هم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وهم البشر الوحيدون فوق الأرض، والباقي بما فيهم نحن أعزكم الله بهائم دون البشر.
    ابحثوا وأفيقوا من سباتكم ، ووالله لولا هزائمهم في لبنان وغيرها لاستعبدونا من صغيرنا لكبيرنا.

  • التطرف لا دين له .
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:31

    لقد شاهدت له شريطا يستقبل من خلاله إبنه المنخرط في الجيش الإسرائيلي ويقول له أنا فخور بك يا إبني .

  • اسماعيل
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:39

    ازدواجية الغرب والعرب يطبق عليهم شاهد مشافي حاجة
    من سنة 1948 والصهاينة يدبحون ويقتلون الفلسطينين واللبنانين والسوريين والعراقبن واليمنيين أما بن غفرين ونتنياهو وترامب والاتحاد الأوروبي فهم ملة واحدة مشاركين في الابادة كلهم

  • لمزوري
    الأحد 24 ماي 2026 - 00:46

    اوربا المنافقة هي من صنعت هؤلاء المجرمون القتلة . بينما من بين جلدتنا من يقول (كلنا اسراءليون) هادا نفاق رغم ان هؤلاء المنافقون يعرفون ان بنو صهيون احتلوا أرضا غير أرضهم واعترف بهم هدا الغرب المنافق .

  • محايد في النظرة .
    الأحد 24 ماي 2026 - 01:58

    قد نتقبل توجهه إنسانيا من باب ما قام به متطرفون في أحداث الغزو الملعون على قرى آمنة . ولكن كان عليه أن يظبط مشاعره الشخصية ويفكر في المنظومة ككل فهرلاء الذين هاجموا الآمنين كانوا من منظمة تعرف بتطرفها حتى مع أبناء جلدتها .

  • salim
    الأحد 24 ماي 2026 - 06:41

    واش بغيتو بنغفير يستقبل هاد المرتزقة بالتمر و الحليب ؟ كون هجمو هادو على شي دولة عربية كون نصهم كلاه الحوت و النص الاخر فشي معتقل تحت الارض !

  • عباس
    الأحد 24 ماي 2026 - 08:47

    ننتظر من ترامب ان يعاقب الوزير الفرنسي على قراره تضمنا مع هادا المخلوق الغير طبيعي

  • محمد مبتسم
    الأحد 24 ماي 2026 - 08:58

    المجرم بن غفير هو الوجه الحقيقي للكراهية التي يكنها الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة للشعب الفلسطيني و لكل من يقف الى جانبه.

  • نحن من جعلان منه وحش
    الأحد 24 ماي 2026 - 10:20

    في وقت مضى من زمننا الماضي المزهر، هذا النوع من المخلوقات لم تكن يوما تجرؤ على رفع حواجبها للسماء.، ولكن هذا وقتهم

  • الطائر الحر
    الإثنين 25 ماي 2026 - 09:57

    إسرائيل التي دفعت بهذا النموذج إلى الواجهة لم تعد تخشى شيئاً، لا القانون الدولي، ولا الإدانات، ولا الغضب الشعبي العالمي، وهي تدرك أن الغرب، مهما رفع صوته أحياناً، سيواصل في النهاية توفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل
    الغرب المناق يخشى غضب امريكا.

  • هشام
    الإثنين 25 ماي 2026 - 15:15

    الى صاحب التعليق salim
    كان عليه استقبالهم بالثمر والحليب,
    لانه افسد كل ما عملت عليه اسرائيل لسنوات لتلميع صورتها
    بل وحقق هدف اسطول الصمود

  • عبد العلي
    الثلاثاء 26 ماي 2026 - 16:52

    حروب الغرب على المسلمين تتخذ طرقا مختلفة. منها زرع صهاينة جايين من أوروبا و العالم لاحتلال أرض ليست لهم. و منها حرب ثقافية ضد اللغة العربية بحيث يصدرون لنا قيمهم و لغتهم و يخترعون لنا لغات جديدة لننسلخ من لغة القرآن. و حرب اقتصادية بحيث هم يوحدون دولهم و يقيمون حدودا بين دولنا. و حرب اجتماعية بحيث يقنعوننا بالقومية و القطرية و تعدد اللغات و الثقافات بينما هم لا يقبلون بذلك عندهم. و حرب سياسية و دبلوماسية بحيث يسيطرون على كل المنتظمات الدولية. و حرب دينية بحيث ينشرون الإلحاد عندنا. أما نحن فنساعدهم في هدم ثقافتنا و حضارتنا و تقسيم دولنا. نتمنى على الأقل أن نبدأ بما هو قريب منا كل في ميدانه.

  • Fassi
    الأربعاء 27 ماي 2026 - 00:12

    لمعرفة الخطط الصهيونية في فلسطين والشرق الأوسط، المرجو الاطلاع عل كتاب: “بروتوكولات حكماء صهيون”، المترجم إلى اللغة العربية.
    الصهاينة يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وبأنهم ليس عليهم في الاميين سبيل. (سورة آل عمران، الآية 75)

  • abdellhamid zrira
    الأربعاء 27 ماي 2026 - 00:18

    ملاحظ
    ترانا نحن العرب أغبياء أو وتعالى ! ولا أدري لماذا هذا التغابي ؟
    من هي إسرائيل ؟ ومن هم مواطنونا ؟
    إسرائيل غربيون عاشوا في الدول الغربية أكلوا أكلهم ،وقرأوا أدبهم وفلسفتهم وتفكيرهم ، فهم مواطنون غربيون كباقي مواطني الدول الغربية التي استعمرت الدول الضعيفة وفعلت فيها ما فعلت وما زالت !
    لا يمكن لأم أو أب أن يعيد على ابنه ما كان يفعله وما زال يفعله لآن بشيء المرونة !
    الغربيون زرعوا إيرائيل في قلب العرب وأدخلوها منظمة الأمم المتحدة ،وسلحوها بالسلاح النووي، ولا يرغمونها على تنفيذ قرارات مجلس الأمن ! طفل مدلل ، وما قرار فرنسا واسبانيا إلا نفاق سياسي !

  • O. M
    الأحد 31 ماي 2026 - 06:07

    أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو -اليوم الجمعة- أنه أحال إلى القضاء الفرنسي قضية سوء المعاملة التي تعرّض لها الفرنسيون المشاركون في “أسطول الصمود” المتجه إلى غزة خلال اعتراض إسرائيل للنشطاء واحتجازهم.
    وأوضح بارو في تصريح إذاعي أن الإحالة تستند إلى تقرير القنصل العام في تركيا الذي وثّق “حالات عنف جنسي، وتعريض للبرد، وضرب، وإهانات متكررة بحق الرعايا الفرنسيين”، معتبرا أن هذه الوقائع يمكن تصنيفها كجنايات، ومؤكدا إحالة الملف إلى المدعية العامة للجمهورية.
    من جهتهم، أفاد منظمو الأسطول، الذي احتُجزت زوارقه والمشاركون فيه قبل أكثر من أسبوع أثناء محاولتهم إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة، بأن النشطاء الذين كانوا على متنه تعرضوا لسوء معاملة، مشيرين إلى نقل عدد منهم إلى المستشفيات نتيجة إصابات مختلفة.
    كما أبلغ ما لا يقل عن 15 ناشطا عن تعرضهم لاعتداءات جنسية، بما في ذلك الاغتصاب، قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقا، وفق ما نقلته رويترز

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 1

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية