ﻋﻈﻤﺔ الله اﻟﺨﺎﻟﻖ

ﻋﻈﻤﺔ الله اﻟﺨﺎﻟﻖ
الأربعاء 5 غشت 2026 - 18:40

تتجلّى عظمة الله سبحانه وتعالى في كل ما خلق، فهو الخالق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يحتاج في خلقه إلى معين أو شريك. فإذا أراد أمراً، فإنما يقول له: “كُنْ” فيكون. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117].

بهذه الإرادة المطلقة خلق الله السماوات والأرض، وخلق الزمان والمكان، وأقام هذا الكون على نظام بالغ الدقة والإحكام، وجعل لكل مخلوق أجلاً، ولكل أمر قدراً. وسيظل هذا الكون قائماً إلى الوقت الذي حدده خالقه، فإذا جاءت الساعة طوى الله السماوات والأرض، وبدّلهما خلقاً جديداً، كما أخبر في كتابه، فهو سبحانه يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو على كل شيء قدير. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104].

ونحن نعيش في جزء ضئيل جداً من هذا الكون العظيم، على كوكب صغير يقع في السماء الدنيا، وهي أولى السماوات السبع. وكل ما يشاهده الإنسان من نجوم وكواكب ومجرات وسُدُم، إنما هو داخل هذه السماء وحدها، أما السماوات الست الباقية، فلا يعلم حقيقتها وحدودها إلا الله سبحانه. ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)﴾ [نوح: 15-16].

ومع التقدم العلمي الهائل، لم يستطع الإنسان إلا أن يكتشف جانباً يسيراً من هذا الخلق العظيم. وقد مكّنه الله من قياس بعض المسافات الكونية بما يُعرف بالسنة الضوئية، وهي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة كاملة، بسرعة تقارب ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، أي ما يقارب تسعة تريليونات ونصف التريليون كيلومتر.

ولتقريب الصورة، فإن ضوء الشمس يحتاج إلى نحو ثماني دقائق حتى يصل إلى الأرض، بينما يصل نور القمر في نحو ثانية وربع فقط. أما النجوم البعيدة، فيستغرق ضوء بعضها ملايين أو بلايين السنين حتى يبلغنا، ولذلك فإننا لا نرى تلك النجوم كما هي الآن، وإنما نرى صورتها كما كانت عندما انطلق منها الضوء. وقد يكون بعضها قد تغيّر أو اندثر منذ زمن بعيد، ولم يصل إلينا خبر ذلك بعد، بسبب المسافات الهائلة التي تفصلنا عنها.

وتنتمي أرضنا إلى المجموعة الشمسية التي تضم الشمس والكواكب التابعة لها، وشمسنا ليست إلا نجمًا واحداً من بين بلايين النجوم التي تحتويها مجرة درب التبانة. ويبلغ قطر هذه المجرة نحو مائة ألف سنة ضوئية، وهي نفسها ليست سوى واحدة من بلايين المجرات المنتشرة في السماء الدنيا، حيث تضم كل مجرة بلايين النجوم، وعدداً لا يُحصى من الكواكب والسُّدم والمذنبات والثقوب السوداء وغيرها من الأجرام التي لا يعلم عددها إلا خالقها. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)﴾ [الملك: 3-5].

ولو حاول الإنسان أن يحصي هذه المخلوقات، فعدّ جرمًا واحداً في كل ثانية، لما انتهى من عدّها إلا بعد زمن يتجاوز بلايين السنين. وما اكتشفه البشر إلى اليوم، على سعته، لا يمثل إلا جزءاً يسيراً مما خلق الله، وما خفي عنهم أعظم بكثير مما علموه. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾ [غافر: 57].

وإذا كانت عظمة المخلوقات تعجز العقول عن الإحاطة بها، فإنها إنما تدل على عظمة خالقها. فالكون ليس غايةً في ذاته، وإنما هو آية من آيات الله، تدعو الإنسان إلى التفكر في قدرة ربه، وتوقظه إلى حقيقة ضعفه، وتذكره بأن من أبدع هذا الخلق الهائل لا يعجزه شيء، وأن الذي أحكم نظامه بهذا الإتقان هو المستحق وحده للعبادة والخضوع. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾ [فصلت: 37].

ولهذا يلفت القرآن الكريم الأنظار إلى السماوات والأرض، ليس فقط لإشباع الفضول العلمي، بل ليوقظ القلوب، ويقودها من التأمل في المخلوق إلى الإيمان بالخالق، ومن مشاهدة آثار القدرة إلى تعظيم صاحب القدرة سبحانه وتعالى.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾ [الزمر: 67].

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • عبدالله الزياني
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 19:42

    سبحان الله . ما أعظم الله خالق هذا الكون الفسيح الذي لا نستطيع أن نتصور حجمه و لا حجم حتى جزء صغير منه كمجرة من المجرات العديدة .

  • عدم ادراك.
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 20:43

    عدم ادراكنا لكيفية تكون الكون لا يعني بالضرورة وجود خالق .

  • MC
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 21:06

    أخي يوسف،
    وقفتُ مع مقالك متأملاً، ثم بحثتُ في الأرقام لأزيدَ تأكيداً على ما دعوتَ إليه من تواضع، وهذا ما وجدته:

    1)
    الكون المنظور الذي نراه يبلغ قطره حوالي 93 مليار سنة ضوئية، وهو رقم يكاد العقل يستحيل استيعابه .

    2)
    عدد المجرات في هذا الكون المنظور تُقدَّر بنحو تريليوني مجرة (2 تريليون)، وكل مجرة تحوي بلايين النجوم .

    3)
    عدد النجوم يبلغ حوالي 70 سيكستليون نجم (7 متبوعاً بـ 23 صفراً)، وهو عدد يفوق حبات الرمل على جميع شواطئ الأرض .

    4)
    عدد الكواكب هائل جداً لدرجة أنه لو كان كل كوكب بحجم ذرة كربون، لامتدَّ الخط الناتج من الشمس إلى نبتون والعودة أكثر من 50 مرة .

    5)
    الثقوب السوداء الهائلة في مركز المجرات يقدَّر عددها بـ 40 كوينتيليون، فلو صُغِّر كل ثقب لحجم شعرة واحدة لبلغ طول الرصيف ربع سنة ضوئية .

    6)
    مجرتنا (درب التبانة) وحدها يحتمل أن تحتوي على تريليون كوكب، ومعظم هذه النجوم لها أنظمة كوكبية خاصة بها .

    7)
    المادة المظلمة تشكل حوالي 85% من مادة الكون، وهي غير مرئية وتُظهر لنا أن معظم ما في الكون لا نراه أصلاً .

    تابع

    ALHOCEIMA

  • MC
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 21:12

    8)
    توسع الكون لا يتوقف بل يتسارع بفعل “الطاقة المظلمة” التي تشكل 72.6% من محتوى الكون، وهو أمر يضيف إلى عظمته .

    9)
    في بداية الكون خلال أول جزء من الثانية، تضاعف حجم الكون أكثر من 10^26 مرة، أي أكثر من 1000 ضعف عدد النجوم التي نعرفها اليوم .

    10)
    مقارنة بحجم الإنسان، فإن حجم الكون المنظور يفوق حجم الإنسان بما يقارب 10^81 مرة، وهو رقم يجعل منزلتنا الكونية كذرة غبار في صحراء لا حدود لها .

    11)
    حجم الشمس الضخم: تكفي الشمس لتتسع لأكثر من 1.3 مليون كوكب بحجم الأرض بداخلها.

    12)
    درجات حرارة متطرفة: تصل درجة حرارة قلب الشمس إلى حوالي 15 مليون درجة مئوية، بينما تقترب درجة الحرارة في الفضاء السحيق من الصفر المطلق.

    13)
    سرعة حركة الأرض الكونية: تتحرك الأرض عبر الفضاء بسرعة مذهلة تتجاوز 107,000 كيلومتر في الساعة أثناء دورانها حول الشمس، بينما تدور المجموعة الشمسية بأكملها حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة تقارب 828,000 كيلومتر في الساعة.

    وهذه الأرقام، كما ترى، ليست للتباهي، بل لدعوتنا جميعاً لأن نرفع رؤوسنا إلى السماء ونتذكر كم نحن صغار، وكم هو عظيم خالق هذا كلّه.

    ALHOCEIMA

  • MC
    الأربعاء 5 غشت 2026 - 22:01

    “Two things fill the mind with ever new and increasing admiration and awe: the starry heavens above me and the moral law within me”
    “شيئان يملآن النفس بإعجاب دائم ومتجدد: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي”
    Kant

    “Modern science has been a voyage into the unknown, with a lesson in humility waiting at every stop”
    “كان العلم الحديث رحلةً إلى المجهول، مع درسٍ في التواضع ينتظرنا في كل محطة”
    Sagan

    أستاذي،
    لقد أبدعت في تصوير سعة هذا الكون الفسيح وعظمة الخالق الذي أحكم صنعه بدقة مذهلة تعجز الأفهام عن إدراك كنهها. وإننا إذ نتأمل هذه الأرقام الفلكية المهولة والمسافات الضوئية التي تقف أمامها عقولنا حائرة، لندرك تماماً كم أن الإنسان كائن ضعيف وهش في هذا الوجود الواسع. ومن هنا، فإن أبقى درس يمكن أن نتعلمه من اتساع هذا الملكوت هو ضرورة التحلي بالتواضع أمام هذه التعقيدات الكونية المعجزة. فكلما ازداد الإنسان علماً واكتشافاً لأسرار الطبيعة، وجب عليه أن يزداد خشوعاً وتعظيماً لخالقها، متخلصاً من غروره، ومعترفاً بقصور عقله المحدود أمام بحار القدرة الإلهية المطلقة.

    ALHOCEIMA

  • متتبع
    الخميس 6 غشت 2026 - 15:41

    سرى على الالسنة كلام غير محقق وهو “عظمة الله” وما جاء في كتاب ولا سنة.فالله العظيم ولا تقوم به العظمة بل العظمة تقوم بالمعظم بكسر الظاد لا بالمعظم بفتحها.ولهذا عند رؤية عالم اعظمه فتقوم العظمة بي واذا لم اعرفه رغم رؤيتي اياه لن اعظمه ولن تقوم العظمة بي لجهلي به.وهكذا ينكر البعض الحق عند الرؤية غدا يوم القيامةلعدم معرفتهم اياه وبالتالي عدم قيام العظمة بهم

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 1

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 1

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 2

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 6

بركة يحذر من العزوف الانتخابي