آه يا وطني..!!

آه يا وطني..!!
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:01

جميل أن يتعاطف المغاربة والعربُ والعجمُ مع فلسطين، ومع حرائق الغابات في الجزائر، والحالات الإنسانية في كل بقاع الكون. هو فعل إنساني مشروع وحق لازم، مطلوب ومرغوب وواجب، ورابطة أخلاقية واجتماعية مطلوبة بين الأفراد والجماعات والدول. ولكن أين كل هذا التضامن اللامشروط من قضايا الوطن؟ لم نرَ تعاطفًا مع حق المغرب في استرجاع سبتة ومليلية، وحتى إن ذكرت المدينتان، نجدهما مقرونتين بالوضع الداخلي للمغرب، وتحميل المغرب كل ما جرى من اقتحام جماهيري للشباب المغاربة والأفارقة، وحتى بعض الشباب العرب الذين كانوا متربّصين بعملية “مرحبَا يا بحرُ” على طريقتهم الخاصة للعبور إلى أوروبا. ولكن لم يخطر يومها في بال الشباب المغاربة والعرب الذين كانوا متربّصين في مدن الفنيدق، تطوان والمضيق، والأفارقة الذين كانوا بدورهم في صدام مستمرّ مع الدرك الملكي ورجال القوات المساعدة، يتربّصون في الوهاد والوديان والغابات القريبة من سبتة شرقًا، وآخرون يقيمون بين فجاج الجبال في “بليونش” وغاباتها، ولكن لم يكن يتصوّر أحد أن الأمور ستتطور بين يوم وليلة، وستتعقد ظروف الإقامة أكثر في سبتة المغربية المحتلة.

المَغربُ الوحيدُ..

كان المغرب قديمًا يقف دائمًا واحدًا وحيدًا في معاركه الكبرى ضد الامتداد العثماني شرقًا، وفي مواجهة معارك الاسترداد الصليبي مع مملكة قشتالة في شبه الجزيرة الإيبيرية شمالا. ومن يومها إلى الحين، سقطت قلاع وعواصم وزعماء دول كثيرة عبر التاريخ، ماتوا فرادى وعواصم. ومع ذلك، بقيت المملكة المغربية واقفة بكل شموخها وتاريخها، وإن كان الثمن غاليا، احتلال أراضي وجزر ومدن مغربية إلى اليوم. حينما واجه المغرب الحملة الصليبية لوحده في معركة وادي المخازن، نصرنا الله عليهم نصرًا مبينًا عام 1578، هزَمْنا الجيش البرتغالي الذي كان في الواجهة، أما في الخلفية، فقد كان هناك خليط من أجناس الجيش الصليبي، وكنا كما دائما وحدنا في المواجهة.

وفي معركة الزلاقة تكرّر نفس الشيء، كان يوسف بن تاشفين وحيدًا عام 1086، ولم يكن معه سوى جُنده المغاربة، واستطاع مع ذلك أن ينقذ الوُجود الإسلامي في الأندلس. وفي معركة الأرك المعروفة بـ (الألاركوس) الشهيرة التي خاضها الموحدون عام 1195 في الأندلس، ولكنها لم تأخذ حقها في كتب التاريخ، بالرغم من أهميّتها. كان المغاربة دائمًا يخوضون الحروب وحدهم، ولم يساندهم فيها أحد من الأشقاء ولا الأصدقاء.

عبد الكريم الخطابي انتصر وحيدًا

في معركة أنوال الخالدة عام 1921، خاضها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في أدغال جبال الريف وحده، كان وحيدا في قرية أمازيغية صغيرة قرب تمسمَان، ولم يكن معه من حليف سوى جنده، وقلة من أصفياء الرجال والمجاهدين الأشداء. سحق فيها مولاي امْحَند الجيش الإسباني وأسقط هيبته العسكرية، وكان على رأسه الجنرال سيلفستر، ومعه قوّاد إسبانيا الكبار وجنودها. هذه الهزيمة المُدمّرة، جعلته يُقتل أو ينتحر في نفس السنة عام 1921م، وتعتبر هذه المعركة واحدة من أسوأ الهزائم التي تعرّض لها الجيش الإسباني في الحروب الحديثة. وقد كنت محظوظا بالاستماع والجلوس إلى شيخين جليلين شاركا في تلك المعركة، أحدهما حضر الاجتماع السرّي في مجلس الحرب مع مولاي امحند، وهو الاسم الذي كان يحبّونه أكثر، والأكثر تداولا بين رجال الريف وأهاليه، واستمع إلى خطته، وقد درسها الخطابي بإحكام، وفق ما يقتضيه المكان والزمان، وعوامل المناخية والتربة، لا يتسع الوقت لتقديمها كما سمعتها منهما، ولكن طبقها بالحرف مع زملائه في الميدان. والنتيجة كانت مُبهرة: انتصارٌ باهرٌ وموجعٌ للإسبان خلده التاريخ، وأصبح أنموذجا للثوار في أنحاء العالم.

أما في معركة وادي اللبن عام 1558 بتاونات شمال فاس، فقد أطاح السعديون بغرور السلطان سليمان القانوني، وأوقفوا امتداد الخلافة العثمانية غربًا، وعادت إلى صفريتها وانكمشت في حدود الجزائر شرقًا، واستحال على الأتراك تكرار محاولة الدخول إلى المغرب مرة أخرى، ولم يحضر معنا فيها أحد من جُند المسلمين والأعراب، كان المغاربة وحدهم يخوضون المعركة بشجاعتهم المعهودة.
المغرب في مُواجهة الاتحاد الأوروبي

وها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه في 2026، وجد المغرب نفسه وحيدًا يواجه إسبانيا في معركة لا رصاص فيها، ولكن فيها ثقل سياسي وقانوني وعسكري واقتصادي أوروبي. وجد المغرب نفسه يواجه أوروبا مُجتمعة، وليس غريبًا أن يقف الاتحاد الأوروبي إلى جانب إسبانيا بكامل أوراقه وثقله المالي والتجاري والاقتصادي، لأن الأوروبيون يحنون إلى تاريخهم الاستعماري الحديث، ويخشون عودة استعمارنا القديم من الباب الخلفي إلى أراضيهم. هم يعرفون أن جنود العرب والمسلمين وقفوا على مشارف باريس، وكان يمكن أن تكون الصوامع اليوم تعلو اليوم عاصمة الأنوار، لو لا أن وقفت ظروف مناخية أمام فتح إسلامي لفرنسا وجزء من أوروبا. أصحاب العيون الزُّرق والخُضر يستحضرون دائما هذا التاريخ، ويؤرق عيونهم وأذهانهم عند خلودهم إلى النوم.

كم كنت وحدك يا وطني

وها أنت اليوم وحدك يا وطني، أمام هذا التكتل الأوروبي تمدُّ زندك، وسط مناخ جيو سياسي مُعقد برائحة الطلقات الغادة، مناخ يعجّ بالأخوة المُنافقة: الاتحاد الإفريقي يترقب سقوطنا، وهو يعرف أن مدينتين إفريقيتين تحت الاحتلال الإسباني في شمال قارته. دول الجامعة العربية بلعت لسانها، ورؤساؤها وملوكها بين صامت أو شامت. أما اتحاد المسلمين، فيبدو بدوره قد اصطف مع حفدة الرّوم، وليس مع المغاربة المسلمين، وإلا ما معنى صمُته وبلعُ لسانه، وما موقفه من احتلال مدينتين إسلاميتين، كما يبدو في ديباجته…؟ وأكثر من ذلك، ها هي الجزائر وقطر اليوم تساندا إسبانيا اليوم جهرًا ضد المغرب، على عكس كل قواعد وأصول القوانين المنظمة للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

قدرُنا مع الأشقاء العرَب

ولم يكن الرئيس عبد الناصر وتلامذته، قبل ذلك في زمانه، يخفون عداءهم للمغرب. ولكن ما حديث، هو أنه ذهب عبد الناصر بمن كان حوله، ثم تبعه هواري بومدين صاحب فكرة “وضع حجر صغير في صبّاط المغرب”، ولحقه معمر القذافي ومن كان معه، ولم يُخف حافظ الأسد ووريثه بشار الأسد عداءهما للمغرب، ودعمهما لجمهورية الوهم وتسليح جبهة البوليساريو الانفصالية. ولم نسلم حتى من إيران الشيعية، سلحت ودعّت، ولكن إن ينصرك الله لا غالب لك. وكأن هذا هو قدرنا نحن المغاربة مع جيران الشمال والشرق، كما مع أشقائنا العرب في المشرق، ونحن في كل الأحوال راضون به، وقادرون عليه.

ويأتي في الأخير، واحد راسو “مطوّب”، وجُمجمته تعشّش فيها إيديولوجية سبعينيات القرن الماضي، ويقف جهارًا ضد وحدة بلده واسترجاع أراضيه، وحُججه في ظاهرها دينيّة وإسلامية، بدعوى مساندة المسجد الأقصى، وهو لا يصوم شهر رمضان، ولم يسبق لبعضهم أن صلي ركعة واحدة في حياته. ويتبعه آخر رأسه مُربّع في تحالف النّقيضين، لا يجتمعان إلا في عداء مصلحة الوطن. يصطف اليوم بعض المغاربة مع طموحات الأتراك، ومع عرب المشرق ضد مصالح بلدهم المغرب، بدعوى نُصرة قضية فلسطين، وقيام دولتها المستقلة وعاصمتها القدس، وهو لا يؤمن أصلا بشيء اسمه الوطن…!!

ويتناسى هؤلاء جميعهم أن المغاربة أكثر شعب عربي وإسلامي ضحّى من أجل فلسطين، وأن قبّة الصخرة في القدس الشريف تسكن قلب كل مغربي. فلسطين هي قضية كل المغاربة بعد قضية الوحدة الترابية، بمن فيهم المغاربة الأميون البسطاء في قرى المغرب ومداشره، حتى لا يزايد علينا أحد، وهم مستعدون للتضحية من أجلها، عكس أصحاب الولاءات الدينية والإيديولوجيات للخارج، الذين لم يقدموا لفلسطين سوى شعارات فارغة في الشوارع المغربية…!!

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"