أخصائيون: الأمان النفسي شرط أساسي لعودة التلاميذ إلى الصف الدراسي

أخصائيون: الأمان النفسي شرط أساسي لعودة التلاميذ إلى الصف الدراسي
كاريكاتير: عماد السنوني
الإثنين 7 شتنبر 2026 - 05:00

يرى أخصائيون أن التلاميذ لا يستعدون للعودة إلى الدراسة في الظروف الأسرية والاجتماعية والاقتصادية نفسها، إذ يمكن أن تختلف التجربة من طفل إلى آخر حسب طبيعة المحيط الذي يعيش فيه وما يوفره من ظروف قد تنعكس على حالته النفسية واستعداده للتمدرس مع بداية الموسم الدراسي.

ومن هذه الزاوية، يفتح تفاوت الظروف الأسرية النقاش حول تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأسرية على الصحة النفسية للتلاميذ المقبلين على موسم دراسي جديد، ومدى انعكاسها على استعداد الطفل للعودة إلى المدرسة، وقدرته على التكيف مع متطلبات الدراسة ومحيطها.

أمان نفسيّ

سامي دقاقي، أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء باحث في علم النفس وعلوم التربية، قال إن “استعداد الأطفال للسنة الدراسية وعودتهم إلى مقاعد المدرسة لا يتحقق فقط بإعادة تسجيلهم وتوفير الأدوات والمستلزمات المدرسية، وإنما بما يسبقه من شعورهم بالأمان والاستقرار النفسي خلال العطلة الصيفية وبما حصلوا عليه من متعة واسترواح واستكشاف”.

وأضاف دقاقي، في تصريح لهسبريس، أنه “أضحى من الضروري اليوم أن تتوفر الأسر على دخل مالي متوسط على الأقل لأجل تحقيق قدر من الانتفاع النفسي والمادي من العطلة، وأيضا من أجل استقبال الدخول المدرسي بدون مشاكل أو ضغوطات”، موردا أن “الأطفال الذين يعيشون في أسر تعاني ضغوطا مالية أو توترا علائقيا يستقبلون الدخول المدرسي الجديد منهكين وجدانيا”.

وأكد أستاذ علم النفس أنه “بمقاربة الموضوع من منظور سيكولوجيا الحاجات الإنسانية لإبراهام ماسلو، لا سيما ما يعرف بتدرج الاحتياجات، فإن العوز في الحاجات الأساسية من قبيل الأمن والمأكل والمسكن والحب لا شك في أنه يؤثر في الحاجات العليا كالتعلم والإبداع ويعوق تحققها وتطورها؛ لأن الهم الأساسي للطفل هو التكيف -بأكبر جهد ممكن- مع هذا العوز عوض الانفتاح على المعرفة والتحصيل”.

وأفاد المتحدث عينه بأن “الطفل الذي يعيش في منزل يعاني ضائقة مالية (الفقر)، يكون ذهنه مشغولا بشكل لا واعٍ بضغوط الحياة التي تفرض على الأسرة. وهذا يفسر أحيانا لماذا قد يبدو تلميذ فقير أقل تركيزا. طبعا، ليس لضعف ذكائه؛ بل لأن فكره مشغول بتداعيات انتمائه لأسرة معوزة”.

ولفت سامي دقاقي الانتباه إلى أن “ثمة عوامل أخرى ترتبط بالوضع المادي والمالي للأسر، تتدخل في تشتيت الطفل المتمدرس وإخراجه ذهنيا وسيكولوجيا من البيئة الدراسية، والتأثير تاليا على مردوديته ونتائج تحصيله، من بينها الضجيج والازدحام؛ لأن الطفل الذي ينام في غرفة مشتركة، أو يعيش في منزل مكتظ، يفتقر إلى مساحة خاصة للمذاكرة والإنجاز، وحتى إلى ساعات نوم هادئة، بالنظر إلى أن قلة النوم تؤثر مباشرة على الذاكرة العاملة والقدرة على التركيز، لا يقدم أفضل ما لديه، بل قد لا يقدم ما ينبغي منه”.

وذكر أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء، أيضا، “التغذية”، مشيرا إلى أنها “ذات تأثير كبير في هذا الجانب، فنقص التغذية السليمة، أو الاعتماد على أطعمة رخيصة فقيرة من حيث العناصر يؤثر على النمو العصبي وقدرة الجسم على تحمل جهد الدراسة، وبالتالي الشعور الدائم بالإنهاك”. كما أن الوسائل والمستلزمات المدرسية “تلعب دورا أساسيا في النجاح الدراسي واستقبال سيكولوجي جيد ومريح للدخول المدرسي. وهنا، لا يكون الحديث فقط عن الكتب والكراسات والمحافظ فقط؛ بل بتوفير الحاسوب والوصول إلى شبكة الإنترنت وبرامج وتطبيقات تعليمية ذكية…”.

وشدد المختص على أن “هذه التفاصيل المادية صغيرة؛ لكنها تحدث فروقا كبيرة، لأنها إذا توافرت ساهمت في النجاح وبناء التعلمات بشكل صحيح وسريع، وإلا فإنها تظل صامتة تتراكم يوما بعد يوم، وتتحول إلى فجوة معرفية واسعة بنهاية السنة، قد تسهم في الفشل الدراسي وضعف المردودية والنتائج، وحتى الرسوب”.

وختم سامي دقاقي توضيحاته بالإشارة إلى أن المدرسة ينبغي أن تكون منصفة، بحيث لا تنظر إلى المستوى المعرفي للتلميذ فحسب، وإنما ينبغي لها أن تبني جسورا من الدعم الوجداني تعوض، ولو قليلا، ذلك العوز المادي الذي يعيشه الطفل المتمدرس داخل أسرته، فكل شيء يبدأ ببناء أو إعادة بناء الشعور بالأمان النفسي، وأيضا الثقة وتقدير الذات”.

ظروف متباينة

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “مع بداية كل موسم دراسي، لا يعود جميع الأطفال إلى المدرسة وهم يحملون الاستعداد النفسي نفسه؛ فخلف الحقيبة المدرسية والكتب واللوازم، يحمل كل طفل معه واقعا أسريا واجتماعيا واقتصاديا قد يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في قدرته على التكيف والانطلاق في سنة دراسية جديدة”.

وأضافت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الطفل الذي ينشأ في بيئة أسرية مستقرة، يشعر فيها بالأمان والدعم والاهتمام، يكون أكثر قدرة على مواجهة متطلبات الدراسة والتعامل مع الضغوط المدرسية. في المقابل، قد تجعل الصعوبات الاقتصادية، والنزاعات الأسرية، أو عدم الاستقرار داخل الأسرة، الطفل أكثر عرضة للقلق والتوتر، وقد تنعكس هذه المشاعر على نومه وتركيزه ودافعيته للتحصيل الدراسي”.

وأشارت الأخصائية ذاتها إلى أن “الفوارق الاجتماعية والمادية بين التلاميذ قد تصبح مصدرا إضافيا للضغط النفسي، خصوصا عندما يشعر الطفل بأنه غير قادر على مجاراة أقرانه في الملابس أو اللوازم المدرسية أو الأنشطة المختلفة. وقد يتحول هذا الشعور بالنقص تدريجيا إلى ضعف في تقدير الذات أو الانسحاب الاجتماعي”.

وأكدت المتحدثة عينها أن “الاستعداد للدخول المدرسي لا ينبغي أن يُختزل في توفير الأدوات المدرسية فقط؛ بل يجب أن يشمل تهيئة الطفل نفسيا وعاطفيا. فالإنصات إليه، وطمأنته، وتجنب مقارنته بغيره، وعدم تحميله أعباء المشكلات الأسرية، كلها عوامل تساعده على استعادة توازنه وثقته بنفسه”.

وأبرزت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “المدرسة بدورها مطالبة بأن تكون فضاء آمنا يحتضن اختلاف الظروف بين التلاميذ، وألا تتحول الفوارق الاجتماعية إلى مصدر إضافي للشعور بالدونية أو الإقصاء”، موردة أن “الصحة النفسية للطفل ليست امتيازا مرتبطا بالوضع المادي للأسرة، وإنما هي أساس من أسس نجاحه الدراسي وتطوره الشخصي”.

وختمت ندى الفضل تصريحها بالقول إن “نقطة انطلاق الأطفال قد تختلف؛ لكن مسؤوليتنا هي أن نضمن ألا تتحول هذه الاختلافات إلى عوائق أمام حقهم في التعلم والنمو النفسي السليم”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • يوسف ب
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 06:54

    لا ادري لماذا يكون دائما الدخول المدرسي مرتبك هكدا حيث تكثر الاشاعات حول يوم الالتحاق وتكون حوله الضبابية ويختلف من سنة لأخرى حسب رغبة المسؤولين
    ينبغي ان يكون هدا اليوم كعيد من الاعياد وتطلب من التلاميد الادوات مند نهاية السنة الماضية والدول يجب ان يتم بدون تهديد ولا اي دعاية عبر الاعلام
    اما عن الاستعداد النفسي فلسنا امام حرب فالتعليم ضرورة من ضرورات الحياة للفرد والمجتمع يجب تحبيب الدراسة لاطفالنا ومساعدتهم على دلك وهده مسؤولية الاسر والمجتمع وجمعيات المجتمع المدني والدولة ككل

  • بيضاوي
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 07:08

    كانت المدرسة كمؤسسة تربية قبل التعليم تخفف هذا العبء على التلاميذ و على الأسر
    العطلة المدرسية لعب و مرح و جري في الازقة و الحدائق العمومية و البحر أو النهر القريب، الأسواق الأسبوعية متنفس لكل طفل
    بالنسبة للبعض الاقل خظا و الذي كانت حالته المادية ضعيفة جدا بالمقارنة مع حالة الفئة الأولى كان فرصة لتعلم مهرات جديدة في العمل في بعض الحرف التقليدية كحلاق الدرب او النجار او السكليس.. او تجربة البيع والشراء في سوق الخض. او تنظيف الأسماك
    بالنسبة للدخول المدرسي كانت (الطابلية) الوزارة الزرقاء و البيضاء او الوردية في المدارس الابتدائيةو البذلة الموحدة في الاعدادية و الثانوية تخفف عبئ شراء الملابس الجديدة على الأسر
    بالنسبة التغذية كان المطعم المدرسي يفي بالغرض فطور و غذاء و كان وجبات نغذية و لذيذة التلاميذ الفقراء والموعزيين
    هذه الظروف انتجت جيلا كاملا متكاملا
    رجال و نساء التعليم و الأمن و الجيش و الصحة…
    هذه الظروف كانت حافزا قويا على التعلم و التحصيل الدراسي، كانت منظومة متكاملة اسهمت في تنوير أجيال من أبناء و بنات المغاربة
    ما الذي تغير اليوم كي تصبح نفس العوامل عبئا على نفسية التلميذ؟

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة