أدونيس من السعودية: إسقاط "الرقيب المسبق" سبيل الانفتاح والثقافة الخلّاقة

أدونيس من السعودية: إسقاط "الرقيب المسبق" سبيل الانفتاح والثقافة الخلّاقة
الإثنين 29 ماي 2023 - 13:00

في عامه الثالث والتسعين بدنيا الناس، عادَ الشاعر والناقد السوري البارز أدونيس السعودية مجددا، بعد زيارة، في السنة الحالية 2023، كانت لحظة مفصلية في علاقته مع دولة وأيديولوجيا رافقَتها لعقود، قبل أن يقبل دعوتها بعد مرور مياه ومياه تحت جسر المنطقة، أرست قناعات وأولويات ونفَسا آخَر.

أدونيس، الذي حلّ ضيف شرف الدورة الثامنة من برنامج إثراء القراءة “أقرأ”، متمّ ماي الجاري، بالظهران في المملكة العربية السعودية، حضر متحدّثا، ومحاوَرا، وعلَما تحلّق حوله المناقشون، والمريدون، وطالِبوا التوقيعات والصور، كما سُلّط الضوء على كُتُبه في مكتبة مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، التي تضمّ أزيد من 300 ألف مؤلَّف.

في هذه الظروف، وعلى خشبة سُعودية، تلا أدونيس رسالته التي تمسك فيها بكون “القراءة والكتابة مسؤولية معرفية وأخلاقية في المقام الأول”، ونبه إلى أن القراءة ليست دائما منتصرة للإنسان وعيشه، قائلا: “منذ نشأت الكتابة أشعلت القراءة أنواعا كثيرة من الحروب”، وتابع: “الكلمة هي أيضا أم للشقاق، كما هي أم للاتفاق. وبينَ أسوأ الحروب التي سببتها القراءة الحروب الدينية (…) ونعرف جيدا أن التباين في قراءة الكتب المقدسة على الأخص نوعٌ من الحروب المتواصلة ثقافيا واجتماعيا، مثل قراءة الواقع سياسيا واقتصاديا”.

ونبه الشاعر ذاته إلى كون “الواقع مثل الكتاب؛ عالم اتفاق وانشقاق”، قبل أن يصدح بما يبغي تبليغه: “لو كان يعرف الإنسان كيف يقرأ حقّا الأرضَ التي جاء منها ويعود إليها لما كانت عرفَت هي نفسها غير السلام والحرية”، ثم زاد: “اقرأ كلمة مفتاح في الرؤية القرآنية للإنسان والحياة والكون، وباسم هذه الكلمة أشكر أصحاب هذه الدعوة الكريمة، وأحيي الحضور، وأهنئ الأخوة الفائزين”، في مسابقة “قارئ العام” بالعالم العربي.

ويرى أدونيس أن القراءة “بطبيعتها فعل خلّاق، والكون كتاب يقرأ ويكتب بلا نهاية”، وفي هذا الإطار يفهم حكمة “قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت”، وعجُز بيت المتنبي “وخير جليس في الأنام كتاب”؛ إنها “القراءة الخلّاقة؛ قراءة ما يقوله المكتوب، وما يقوله إيماء وإشارة وتلميحا”.

وواصل صاحب “الثابت والمتحول” شارحا: “المعرفة سلطة لا تتحقق في جانب أساسي منها إلا بالقراءة. الإنسان يحيى ويفكر قارئا، وفي سيرورته هو قارئ في المقام الأول (…) والقراءة في عمقها سؤال أكثر مما هي جواب، والسؤال امتياز الإنسان بين الكائنات، ولهذا ابتكر الأبجدية، ووضع اللغة فنا وعلما، وابتكر هويته وهاويته معا”.

“تنبه أسلافنا الكبار إلى هذا كله، وأجمعوا على أن الكتاب الذي نقدسه جميعا (القرآن) حمال أوجه، ولا تستفزه القراءة”، وفق أدونيس الذي أضاف أن “القراءة مسؤولية إنسانية ضخمة، معرفيا وأخلاقيا، في مستوى الوجود نفسه، وفن وعلم في آن، فهي فن لمعرفة أشكال التعبير وطرائقه، واقتناء العلاقة بين الكلمات والأشياء والإنسان والعالم”.

“لكن أخطر ما تكشف عنه القراءة يتمثل في أنها مكان قد يحتضن الصدق كما قد يحتضن الكذب، وقد يكون مكانا لتمجيد الباطل أو الحق”، يورد أدونيس، ولهذا رفض “الكتابة الإيديولوجية التي قد تلغي مفهوم الحقيقة ذاتها، والحاجة إلى الحقيقة”، مذكرا بما مارسته، وتمارسه، من ادعاء “قولها الحقيقة التي لا حقيقة بعدها”.

اللغة، أيضا، يمكن أن تكون، وفق المتحدث، “مكانا لأبشع أنواع التزوير والتضليل والتحريف”؛ ويمكن “أن تحول الحياة إلى محيط من الظلمات”، و”كم هو خطير فعلُ القراءة، وكم هو خطيرٌ عدمُ القراءة”.

ورغم كون القراءة “اكتشافا لما يجهله الإنسان”، إلا أن “معظم القراء العرب”، حسب استقراء أدونيس، “لهم نزوع إلى عدم قراءة ما يظنون أنه يخالف قناعاتهم”، وهو ميلٌ “يدفع إلى القراءة من مسبّقات متنوعة إيديولوجية وسياسية، تحرف الكلم عن مواضعه؛ بقراءة كاتب النص انتماء واتجاها سياسيا وفكريا ومذهبيا قبل قراءة النص ذاته”، وهكذا “مهما كان النص عظيما يبدو للعقول الصغيرة، مثلَها، صغيرا أيضا”.

واسترسل الشاعر ذاته: “نعد بين أقل الشعوب قراءة، ولا يعود ذلك للنسبة العالية للأمية وحدها، وهي خطيرة، بل أيضا إلى أوضاع سياسية من رقابة، وهيمنة سياسية، وانقسامات، وتشرذمات… وضعف القدرة الشرائية عند أصحاب القدرة القرائية، والتخبط والضياع في الترجمة والنشر والتوزيع، تمثيلا لا حصرا”.

كما ذكر أدونيس، في الإطار نفسه، أن “لكل منا نحن المسلمين العرب، في طفولته وفتوته وشبابه، من ينصحه بقراءة هذا…”، وزاد: “في كل منا يعيش رقيب مسبَّق، لا فرديا فقط، بل على الصعيد الجَمْعي”.

ومع دفاعه عن “الثقافة الخلّاقة” التي هي “حركة مزدوجة كتابةً وقراءة”، شخّص الشاعر أصول ما نشكو منه ويسمّى “أزمة في الإبداع الثقافي العربي”، قائلا إنها “ليست أزمة ناشئة عن قلة المواهب الخلّاقة، بل ناشئةٌ من ضعف القراءة الخلّاقة، قليلا أو كثيرا”.

وفي ظل هذا الواقع، تساءل أدونيس مع جمهور الظهران الذي جمع جنسيات دول عربية متعددة: “كيف نكتشف المجهول؟ وكيف نرى اللامرئي؟”، مع تشديده على أن “الإبداع اسم آخر للانفتاح على الآخر المختلف… أليس علينا أن نقول بصدد القراءة على المستوى الكوني: آه أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك؟!”، ثم ختم كلمته قائلا: “آه يا أيتها القراءة كم من الجرائم ارتُكبت وتُرتَكب باسمك!”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • Ayman
    الإثنين 29 ماي 2023 - 13:07

    من هو الرقيب المسبق يا عبقري زمانه ؟
    الدين ؟ لا تخجل فإن الدين لم يعد يوجد من يحترمه. فالكل يتخطى الحدود باسم التحرحر.

    الأجدر بك يا شجاع ان تحدثنا عن الرقيب الآخر
    السلطة السياسية يا قيلسوق .
    سلطة المال و سلطة رئيسك الذي تسبح بحمده في كل محفل .

  • Kamal
    الإثنين 29 ماي 2023 - 13:15

    السعودية هي التي ستنقد المنطقة، الآن تعلم ما هو متجاوز و هذا سيأخد بعض الوقت عند الآخرين و لكن مستقبلا سنرى منطقة أكثر نورا و إنسانية و تسامح في الأجيال المقبلة و سيكونوا خروجا ثانيا من الجاهلية.

  • فؤاد
    الإثنين 29 ماي 2023 - 13:22

    نعم الرقابة الدينية المسبقة (و التلقائية) تضع حدودا صارمة و ظالمة للابداع. و لا يمكن الجمع بين “خطوط رجال الدين الحمراء” و الحضارة.
    طابوهات “المجتمع المبالغ في تدينه السطحي” و تحالفها مع السلطة التقليدية “الأبوية و القبلية” أمور تمنع أي إقلاع حضاري حقيقي .. الى ان يأتي ذلك اليوم .. لا أمل في تقدم المجتمعات العربية و سنبقى مجرد مستهلكين للحضارة و غير منتجين لها.
    ملاحظة : الازمنة القليلة التي كان فيها العالم الاسلام مبدع و منتج للحضارة هي تلك الفترات المتباعدة التي أرتفع فيها منسوب حرية الفكر كما في فترات في عصر الاندلس و قترة من فترات بغداد العباسية. باستثناء تلك “النزهات الحرة” فإن باقي تاريخ المنطقة باب موصد أمام الحرية في الفكر و الإبداع و الانبطاح أمام سلطة الفقيه و العسكري.

  • الى رقم 1
    الإثنين 29 ماي 2023 - 13:32

    جل المسلمين يفرضون وصايتهم على الجميع داخل بلدانهم وخارجها،نتيجة قراءتهم للنصوص الدينية (المتناقضة أصلا) قراءة خاطئة. تحياتي

  • محمد ولد الحسن -موريتانيا
    الإثنين 29 ماي 2023 - 13:40

    اودنيس الذى يعانى من عقدة الذات والهوية والثقافة والدين وان كانت عقيدته غامضة لكونه نصيرى علوى بالغ كثيرا فى نقده للتراث من أجل الظفر بجائزة نوبل التى لم ينلها رغم ترشيحه عدة مرات ولازالت متلازمة ستوكهولم تلازمه احتقار الذات والهوية والثقافة والحضارة العربية الإسلامية يعتقد بعض الكتاب اللائكيين العدميين انه خشبة الخلاص للتتويج عالميا لكنه ليس كذلك دوما

  • ب.ب.ب
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:05

    لا يوجد شاعر أمازيغي كتب شعرا بالأمازيغية من قيمة أدونيس .
    و من له رأي أخر فليدلني على إسم هذا الشاعر ، وله كامل الشكر .

  • Mustapha Azoum
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:09

    عند بناء ديمقراطية حقة يتمكن الشعب من إكتساب معلومات علمية أولية عن طريق التمدرس والتعليم وكل هذا لكي لا يصير المواطن لعبة في يد ذوي الإختصاص ( السياسية ؛ الدين ؛ العلم ؛ الطب ….) . باختصار أهل العقد والحل بالعالم العربي يدفعون إلى تغييب ملكات العلم والعقل عن الشعوب لأن في ذلك إستفادة لأوضاعهم الشخصية من هنا تبقى الأمة أداة طوعية في يد الخاصة ( العلماء الحكام الأغنياء الفقهاء وهلم جرا)

  • قائد الانقلاب
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:15

    اندونيس فهو شخص فاقد الوعي فهو الان في السن الثلاثة والتسعون .فهو مريض نفسنيا نتمني له الشفاء فهو انسان ملحد فكلامه مثل الصبي نحن عصر التقدم وليس في عصر الشعر الذي عفا عنه الزمان.

  • لماذا لا نقرأ؟
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:26

    “نعد بين أقل الشعوب قراءة” والسبب هو العربية لكون هذه اللغة هي لغة الكتابة فقط ولا وجود لناطقين أصليين لها. فالإنجليزي والهولندي والإسباني والفرنسي وغيرهم يقرؤون لأن اللغات التي يقرؤون بها هي لغة الأم التي يستعملونها في البيت والشارع ومكان العمل. ولا تحتاج القراءة إلا لتعلم الحروف الأبجدية. أما العربية فهي مادة مدرسية لا يتم تعلمها إلا في المدرسة مثل باقي المواد الأخرى ويستغرق تعلمها سنوات عدة من أجل التمكن من القراءة. هذا إضافة إلى الانقطاع المبكر عن المدرسة الذي يحول دون التمكن من هذه اللغة. هذا هو السبب الجوهري لضعف القراءة عند العرب.

  • abdou
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:28

    adonis le pauvre, il fut piégé par une modernité aveugle et aveuglante lorsqu’il avait visité l’Europe et il avait rapidement oublié ses origines, c’est un athé bien enrolé et ses paroles ne valent rien et il est hostile à l’islam mais on l’a jamais vu critiquer avec force et ferveur le christianisme et le judaisme, c’est juste un jeton utilisé par ses maîtres haineux, et les autorités saoudienne ne devait nullement laisser un fervent ennemi d’islam d’être l’invité d’honneur, quelle honte,

  • مقارنة طريفة!
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:37

    إلى 6
    إلى عهد قريب كانت الأمازيغية ملغاة من المدرسة وعلى الأرجح بمباركة أشخاص مثلك. ومنذ بداية إدراجها في التعليم واجهت عراقيل من مختلف الفاعلين. ولم يتقرر تعميمها في الابتدائي إلا هذه السنة. العربية منذ عصر التدوين ساهم في تنميتها مختلف الشعوب ولقرون وتطلب الآن أن ياتوك بشاعر أمازيغي يضاهي أدونيس. ماذا عن الشعراء الإنجليز والفرنسيين والإسبان وغيرهم ؟

  • وعزيز
    الإثنين 29 ماي 2023 - 14:38

    مع عدم اسقاط الرقيب الاعلى … الذي يعلم الجهر و ما يخفى ….

    مع تحمل المسؤولية ….

    اما ترك الحابل على الجرار … كما يقال . فلا اظن ان الجميع يعلم ما يعلم القائل … باسقاط ما يراه يجب إسقاطه …

  • الجوهري
    الإثنين 29 ماي 2023 - 15:03

    لقد أسقطتموه في جميع الدول العربية فاتركوا هذه الأرض الطاهرة تفحفظ ماء وجه المسلمين ألم يكفيكم العالم العربي هذا مدنيس وليس أدونيس

  • Mohammed
    الإثنين 29 ماي 2023 - 19:26

    شكرا جزيلا السيد وائل على تقاسم معنا زيارة الشاعر والمفكر أدونيس، وكل الحب لأشقاءنا في السعودية

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام