أصل الحرية بين الوازع الديني والفكر التنويري

أصل الحرية بين الوازع الديني والفكر التنويري
السبت 29 يوليوز 2023 - 09:42

بكل بساطة، الحرية هي الديمقراطية؛ وهي التي كانت مطلب شعوب ما عُرف بالربيع العربي، منذ سنة 2011. فلم تتحقق لها كما تحققت لشعوب كل من إسبانيا والبرتغال واليونان ودول شرق أوروبا فقط في النصف الثاني من القرن الماضي. وتساءلنا عن ذلك. والتمسنا الجواب في الأدبيات الغربية التي أشبعت فيها مثل هذه المواضيع بحثا منذ القرن الثامن عشر، ولا سيما في القرن التاسع عشر. فوجدنا لنفس الحرية أو الديمقراطية التي كانت مطلب شعوب الربيع العربي تاريخا عريقا جدا. تاريخ امتد قرونا ما قبل الميلاد بكل من أثينا وما حولها من حواضر يونانية وروما العتيقة. اهتدينا إلى ذلك عبر كتاب مغمور لميكيافلي، ولا سيما عبر أدبيات عصر الأنوار بفرنسا.

فوجدنا الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو يقول في كتابه CONSIDÉRATIONS SUR LE GOUVERNEMEN DE POLOGNE إن “تحرير الشعوب عملية نبيلة وعظيمة؛ لكنها جريئة ومحفوفة بالمخاطر، فيجب على المرء ألا يخوضها بتهور. ومن بين الاحتياطات الواجب اتخاذها هناك عملية لا غنى عنها، وقد تستغرق وقتا طويلا. في البدء، ينبغي أن تصبح تلك الشعوب جديرة بالحرية وقادرة على تحمل كل متطلباتها”. ثم يخاطب النخب الثورية ليقول لها: “لكن أيا كان الأمر، ففكروا في أن أناسها رجال مثلكم، وأن لديهم نفس المقومات كي يصبحوا على ما أنتم عليه. فلا تعملوا على تحرير أجسادهم إلا من بعد أن تحرروا أرواحهم. من دون هذه المقدمة الأولية، تحسّبوا أن مآل عمليتكم هو الفشل”.

لكن كيف يمكن تغيير حال الشعب الوضيع، أي المستأنس بالاستبداد، والذي لا ينعتق من نيْره حتى يسقط في الفوضى المدمرة؟ كيف يمكن له أن يتحرر من وضاعته كي يصبح ناضجا بدرجة كافية يستحق معها أن يكون صاحب السيادة في وطنه؟ التمسنا الجواب عن هذا السؤال في الأدبيات الغربية نفسها فوجدنا أن ذلك لم يكن ممكنا فحسب؛ بل قد حدث بالفعل في الماضي القريب وحتى البعيد. لقد حدث مثلا، وكما تقدم، في المدن العتيقة والوثنية بكل من اليونان وإيطاليا. وحدث مع اليهود أيضا، وفق وجهة نظر روسو نفسه. وحدث كذلك مع المهاجرين الكاثوليك من شمال إيطاليا إلى أرخبيل البندقية تحت ضغط هجمات القبائل الجرمانية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية. وحدث بفضل الإصلاح الديني البروتستانتي وفق ما جاء به تاريخ الشعوب الحرة بهولندا وبريطانيا ثم بمستعمراتها بشمال أمريكا، من قبل نشأة الولايات المتحدة. وله قصة في تاريخ المسلمين مع الرسول الكريم بمكة ثم بالمدينة المنورة.

ففيما عدا البندقية، لقد حدث ذلك التحوّل في باقي تلك الحالات بفضل مبدأ الحرية في معتقدات دينية وليس بفضل الفكر الفلسفي التنويري. شيء مذهل؛ ولكنه حقيقي. مذهل، لأن الثقافة الفرنسية المسيطرة عندنا تريد كل الأديان رجعية، وفقط الفكر وفلسفة الأنوار يشكلان طريقا سالكا للحرية والخلاص من نيْر الاستبداد. في حين ظلت أجيال الشعب الفرنسي تتقلب، منذ ثورة 1789 ما بين الفوضى والاستبداد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ذلك كان مآل الحرية التي أراد الفكر التنويري أن يكون أصلا لها. قد كانت قضية النخبة المستنيرة لوحدها. بخلاف صحيح العقائد الدينية التي لها عمق شعبي فقد ظلت فيها الحرية أو الديمقراطية قضية أمة؛ وهو الأمر الذي تتجلى حقيقته باستقراء تاريخ الشعوب الحرة. فماذا عن كل من تلك الحالات في تاريخ كل من اليهود والبروتستانت والرومان الوثنيين وأخيرا المسلمين من حول الرسول الكريم؟

مبدأ الحرية في العقيدة اليهودية

بالنسبة لليهود، يقول جان جاك روسو في الكتاب سالفة الذكر: “تجرأ موسى على جعل هذه الجموع التائهة هيئة سياسية. جعل منها شعبا متحررا؛ بينما كانت هائمة على وجهها في الصحاري من دون حجر تضع رأسها عليه لتستريح”. ويضيف قائلا: “أعطاها موسى هذه المؤسسة الدائمة التي لم تتمكن من تدميرها ولا حتى من تغييرها خمسة آلاف سنة من نوائب الدهر ومغريات الثراء وضربات الغزاة. ولا تزال موجودة حتى اليوم بكل قوتها حتى عندما لم يعد جسد الأمة موجودا”.

فبحسب روسو، كان موسى عليه السلام بالنسبة لليهود رسول الحرية والتحرر من الوضاعة كركن من أركان الإيمان بالله. تلك كانت القناعة الدينية التي غيّرت حالتهم من شعب وضيع مستأنس بنير استبداد فرعون مصر إلى شعب متشبع بعشق الحرية في ظل هيئة سياسية قوية بما يكفي لتتحمل اختبار محن الدهر ومغريات الثروة واضطهاد الغزاة، وأن خمسة آلاف عام لم تكن قادرة على تدميرها أو على حتى تغييرها، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.

وبنظرنا للواقع في الماضي القريب وحتى من بعد عصر روسو نفسه، ما كان ليتصوّر كم كان محقا في ذلك. كل ملّاح، وفي جميع أنحاء العالم، كان بمثابة بلدية حكم ذاتي عاش فيها أعيان اليهود كهيئة سياسية حرة تدير شؤونها العامة في استقلال عن سلطات بلدهم في الشتات. فغالبا ما كان اليهود في بلدانهم مستضعفين سياسيا من دون أن يكونوا وضيعين مستأنسين بالاستبداد. فلم يُهضموا أبدا روحيا وعقديا ونفسيا ولم يذوبوا في الشعوب التي كانوا يرونها من حولهم وضيعة باستئناسها بالاستبداد. وتلك هي الصورة المعبّرة التي اعتمدها روسو عندما كان يتحدث عن بولندا المحتلة، لما قال في الكتاب نفسه: “كانت هذه البلاد في أغلال الحديد الروسية؛ لكن البولنديين ظلوا أحرارا. كانوا في القيود؛ لكنهم ظلوا يناقشون طرقا للحفاظ على أنفسهم أحرارا”. ثم تجده يخاطب البولنديين ليقول لهم: “لا يمكنكم منع الروس من استضعافكم، ولكن اعملوا على الأقل على ألا يهضموكم”.

وهذه هي بالضبط الطريقة التي عاش بها اليهود دائما في أحيائهم الخاصة بهم في كل العالم. لقد عاشوا فيها أحرارا فيما بينهم من دون أن تستطيع السلطات القائمة هضمهم؛ وذلك بفضل مبدأ الحرية في رسالة موسى عليه السلام التي اعتبروها رسالة للتحرر السياسي، حسب روسو. بفضل معتقدهم عاشوا معتزين بالنفس ويدركون مدى وضاعة الشعوب من حولهم مهما استقوت عليهم بعددها واستضعفتهم. فتَعْجَب ممن كانوا يريدون لهم أن يتحوّلوا إلى مذاهبهم الدينية ويذوبون فيها، وهم عندهم معتقد يجعلهم يشعرون بعزة النفس وبأنهم أفضل من غيرهم، وإن كانوا مستضعفين سياسيا تحت نيْرهم.

فكان كل ملاح عمليا بمثابة جمهورية حقيقية تتمتع بالحكم الذاتي. وأعيان اليهود فيها كهيئة سياسية وفق معتقداتهم الدينية عملوا قدر المستطاع على إبعاد النظام القائم عن التدخل في شؤونهم الخاصة. وعملوا بقدر الإمكان على تجنب التعامل مع الشرطة أو العدالة في بلدان الشتات. حتى ما كان هناك في الغالب من سجناء يهود. لأنه ما كان في صالح أي منهم أن يُسجن فيها بسبب جرم ما. مثل الجُزر الموجودة في وسط محيطات من الشعوب الخانعة، كانت الأحياء اليهودية شبه بلديات ديمقراطية غير رسمية، وتشتمل على ما يكفي من المؤسسات الخدماتية المشتركة والممولة ذاتيا من قبل المجتمع اليهودي فيها. وهذا هو ما يفسر لماذا أقاموا كيانهم الصهيوني على أسس ديمقراطية منذ اليوم الأول من سنة 1948 وحتى يومنا هذا. الأمر الذي تطلب من غيرهم قرونا من الزمن. الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين ظل ولا يزال ديمقراطيا، فلم يعرف ولا انقلابا واحدا بالرغم من كونه كيانا عسكريا بامتياز، حتى يقال إنه جيش له دولة وليس دولة لها جيش. وظل الصهاينة يفتخرون بكون كيانهم الغاصب لأرض فلسطين جزيرة ديمقراطية في وسط محيط من الأنظمة الاستبدادية.

ومن دون تبجيله، فقد تشكل ذلك الكيان من مجموع أفراد وأسر الأحياء اليهودية الديمقراطية في العالم. صحيح أن هناك تمييزا عنصريا شنيعا فيما بينهم بحسب بلدانهم الأصلية؛ لكن ضحاياه يتحمّلونه لكونه أقل سوءا من التمييز ضدهم ببلدانهم الأصلية. وهكذا، يكون اليهود قد تحرروا من داء الوضاعة منذ عهد موسى عليه السلام بفضل قناعاتهم الدينية، كما يعتقد ذلك جان جاك روسو. فكونهم قد عاشوا في الشتات أحرارا بمعنى ديمقراطيين فيما بينهم هو الذي مكنهم من إقامة دولة الحق والقانون بالنسبة لهم لوحدهم بمعزل عن غيرهم من أصحاب الأرض في فلسطين المغتصبة. وفي ذلك دليل على أن الشعب الحر هو فقط القادر على إقامة دولته الديمقراطية. أما الرغبة في إقامتها من أجل شعب وضيع من قبل تحريره من قبضة وضاعته فيعني وضع العربة أمام الحصان. فماذا عن مبدأ الحرية في عقيدة المذهب المسيحي البروتستانتي؟

مبدأ الحرية في المذهب البروتستانتي

شعوب أخرى تمكنت من تغيير حالها بفضل معتقداتها الدينية. ويتعلق الأمر هذه المرة بالمسيحيين البروتستانت. كانوا، في البدء، مجتمعات كاثوليكية. ومن بعد قراءتهم للإنجيل مباشرة وبلغاتهم الدارجة محليا، اكتشفوا أيضا أن المسيح عليه السلام كان مثل موسى من قبله رسولا للتحرر من الوضاعة. فانقلبوا على كل الموروث الكاثوليكي، وكفروا بكل الكنائس الأسقفية، باعتبارها آليات لإذلال المسيحيين واستضعافهم لصالح الأنظمة الاستبدادية. قال في ذلك المؤرخ جان فريديريك أستيي Astié في كتابه HISTOIRE DE LA REPUBLIQUE DES ÉTATS-UNIS إن “الكاثوليك يرون السيادة في البابا والأساقفة. أما البروتستانت فقد وضعوها في كل شعب الكنيسة”. وبالنسبة للكاثوليك يسترسل أستيي قائلا: “تعاليم الكنيسة الكاثوليكية تأمر بالطاعة المطلقة للملوك. وتسلم لكل ملك وورثته بالسيادة في مملكته. وبحكم سلطاته المطلقة فالملك فوق القانون. لذلك، يجوز له أن يغير أو يوقف أي قانون معين يبدو له هو مضرا بالصالح العام”.

وبالنسبة للكنيسة الأنڭليكانية الأسقفية في إنڭلترا، حيث كان الملوك منذ عام 1215م مقيّدين بمواد الميثاق العظيم الشهير، وذلك في ظل برلمان من غرفتين، يقول أستيي: “حاشية الملك الدينية تشجعه على المثابرة في سبيل استرجاع الحكم المطلق بالحق الإلهي. الملك ليس ملزما بمراعاة قوانين المملكة فيما يتعلق بحقوق وحريات رعاياه؛ لكن في المقابل، وتحت وطأة اللعنة، يدفع رعاياه الضرائب التي تُسعد جلالته، والتي يراها هو من المناسب فرضها عليهم من دون إذن من البرلمان. الملك يفعل ما يشاء. ومن يا ترى يجرؤ على سؤاله “ماذا تفعل؟”.

بينما في مذهب البروتستانت، يقول أستيي نفيه: “يتم استبدال نظرية حكم الملوك بالحق الإلهي بسيادة الشعب. الشعب هو مصدر كل القوانين. الشعب هو أول مؤسسات الحق الإلهي. وفي هذا الصدد بالتحديد، كون الشعب متدينا، فإنه يقدم أول مثال على الخضوع لله. يسود الله من خلال الشعب الذي فوّض له الحق في الحكم وفقا لإرادته المتجلية في الكتاب المقدس. فهذه ثيوقراطية، لكنها ديمقراطية وتمثيلية”. هكذا، مرة أخرى وحسب أستيي دائما: “سيادة الشعب من سيادة المؤمنين. كنيستهم بلا أساقفة ومن دون كهنة. فتقع السلطة بين أيدي المؤمنين. هل يمكن، يا ترى، أن يؤدي هذا إلى شيء آخر غير الديمقراطية؟ عندما يكون كل مسيحي كاهنا وكل مسيحية كاهنة، أين يمكنك أن تجد عناصر الامتياز؟ وكيف تنشأ سلطة من دون تفويض؟». وبفضل هذا الاعتقاد الديني المتحرّر، ومثل اليهود، البروتستانت بفئتيهما، البرسبيتيريون والمستقلون، نجحوا، منذ القرن السابع عشر، في تأسيس دولهم الديمقراطية في سويسرا وفي الأقاليم السبعة المتحدة بهولندا وفي إنجلترا وفي المستعمرات الإنجليزية بشمال أمريكا من قبل إعلان استقلالها عن إنجلترا الوطن الأم سنة 1776م في حرب الاستقلال من أجل الحرية. وتلك كانت أحوال الشعوب الجرمانية حيث ساد المذهب البرتستنتي. فماذا، إذن، عن أصل الحرية بأوروبا بين الوازع الديني والفكر التنويري؟

أصل الحرية بين الوازع الديني والفكر التنويري

في البلدان اللاتينية، الكنيسة الأسقفية الكاثوليكية، ابنة ووريثة الإمبراطورية الرومانية، حاربت المذهب البروتستانتي وقهرته. فما بقيت للنخب النيرة فيها سوى المُثل العليا والفلسفية التنويرية كأدوات لتحرير شعوبها من داء الوضاعة أي من داء الاستئناس بالاستبداد. وحسب ما تقدم، فمن الواضح أن الفلسفة قد فشلت حيث نجحت من قبل فترة طويلة، كما تقدم، الديانة اليهودية منذ نشأتها والمسيحية الإصلاحية. وهذا ما أكده الفرنسي طوكڤيل عندما تحدث عن المستوطنين البروتستانت في شمال أمريكا وقال: “في أمريكا، الدين هو الذي أدى إلى التنوير. احترام القوانين الإلهية هو الذي قاد فيها الإنسان إلى الحرية”. لماذا؟ لأنه، كما تقدم، بنفس المثل العليا للحرية، لا يمكن للفلسفة التنويرية أن تلمس سوى النخب المثقفة والعالمة. ليس لها عمق شعبي كما هو للدين. فيبقى تأثيرها سطحيا، لمّا لا تصل إلى بقية فئات الشعب الوضيع الذي هكذا يبقى غير جدير بدولة الحق والقانون وغير قادر على إقامتها. وذلك كان السبب في فشل الثورة الفرنسية عام 1789 فشلا ذريعا. يؤكد ذلك طوكڤيل في كتابه DE LA DEMOCRATIE EN AMERIQUE بقوله: “إن الاعتقاد بأن المجتمعات الديمقراطية معادية للدين بشكل طبيعي فيه ارتكاب لخطأ كبير. لا شيء في المسيحية، ولا حتى في الكاثوليكية، ما يتعارض تماما مع روح هذه المجتمعات. بل هناك أشياء كثيرة مواتية جدا له. دلت التجربة، عبر كل العصور وفي كل مكان، أن جذور الغريزة الدينية الأكثر حيوية ظلت دائما مغروسة في قلوب الشعوب. جميع الديانات التي تم اضطهادها ظلت تجد ملاذها الأخير هناك. وسيكون من الغريب أن المؤسسات التي تميل إلى أن تسود أفكار وعواطف الشعوب سيكون لها بالضرورة الأثر الدائم في دفع الروح الإنسانية نحو الكفر”. ويضيف قائلا: “يقول ميرابو، في عام 1787، إنه من الأفكار المسبقة الخاطئة والمنتشرة عموما في ألمانيا القول بأن المقاطعات البروسية ممتلئة بالملحدين. والحقيقة هي أنه إذا كان هناك بعض المفكرين الأحرار، فإن الناس مرتبطون بالدين كما هو الحال في البلدان الأكثر تقوى من غيرها، بل هناك عدد كبير من المتعصبين”.

وفي حديثه عن رسوخ قيم الحرية ومؤسساتها في شمال أمريكا بوازع الدين وعن فشل الثورة الفرنسية في ترسيخها ببلاده بدافع من الفكر التنويري، يقول المؤرخ لابولاي في كتابه Histoire politique des États-Unis: “تجذّرت الحرية في روح المواطن الأمريكي بفضل الدين (يقصد المذهب البروتستنتي) والتعليم ونظام حكم البلديات والاعتماد على الميليشيا الوطنية. فهذه هي الركائز الأربع التي تدعم الدستور”. ثم يسترسل في شرح آثار تلك الركائز الأربع في حياة المواطنين وفي ترسيخ روح الحرية بينهم بقوله: “أولا، انفصلت الكنيسة عن الدولة. ومن ثمّ، انتفى الشجار الداخلي وانتفت المتاجرة بالدين. ثانيا، التعليم ليس بيد الدولة؛ لكنه مفروض على البلدية، ويعتبر مسألة حياة أو موت للجمهورية. ثالثا، وجود الميليشيا الوطنية وضع صلاحيات الشرطة والدفاع عن البلد في أيدي المواطنين، واستبعد كل سياسات المغامرة والغزو. ورابعا، البلدية هي المتمكنة الوحيدة من مصالحها، وهي المسؤولة والمحاسبة عن أخطائها وعن أغلاطها. هذه هي الشروط الأساسية الأربعة للحرية في الولايات المتحدة. وهي الشروط التي ظلت تنقصنا”. وبقوله ظلت تنقصنا يعني أنها ظلت تنقص في فرنسا من بعد الثورة التي كان أصلها الفكر التنويري. الثورة التي اعتمدت من جهتها على فلسفة الأنوار ومعاداة الدين كله، لما انتصر فيها المذهب الكاثوليكي على المذهب البروتستانتي منذ سنة 1685م بإلغاء الملك لويس الرابع عشر لما عرف بمرسوم نانت الذي كان قد أقر التسامح مع الطائفة البروتستانتية في عهد جده هنري الرابع سنة 1598م.

فسواء أحب أم كره، الإنسان بطبيعته مخلوق متدين. الدين كيف ما كان، يجيب بحق أو بباطل عن تساؤلات الإنسان الميتافزيقية الأربعة، وهي: من أين جاء؟ ولماذا؟ وإلى أين يسير؟ وما هو مآله من بعد الموت؟ تساؤلات تطرحها الفلسفة أيضا. لكن تتحفظ عن الإجابة عنها من دون براهين ملموسة تؤيدها. ولهذا، يبقى الدين وحده القادر على إشباع الروح بإجابته عن تلك الأسئلة، فيكون له عمق شعبي. ولما يحمل الدين المثل العليا للحرية، فإنها تصل بسهولة إلى عموم الناس وتستهويهم فيقدسونها ويتشبثون بها. ويصح ذلك أكثر عندما يتم دعم تلك المعتقدات الدينية التنويرية بتعليم عمومي إلزامي وعلى نفقة المجتمع.

ويقدم لنا الفرنسي طوكڤيل في هذا الصدد صورة واضحة في الكتاب نفسه الذي يتناول الديمقراطية بين أوائل المستوطنين الإنجليز البروتستانت في أمريكا الشمالية. كان أحد قوانينها الأولى التي تم سنها في بدايات القرن السابع عشر، يتعلق بالتعليم العمومي الإلزامي. وهذا ما جاء في ديباجته: “بما أن الشيطان عدو الجنس البشري، فإنه يجد في جهل الناس أقوى أسلحته. ومن المهم ألا تبقى العلوم التي أوجدها آباؤنا مدفونة معهم في قبورهم. لهذا، فإن تعليم الأطفال هو واحد من المصالح الأولى للدولة،…”. ومما جاء في مراسيم ومذكرات تطبيقه ما يلي: “الأحكام التي تنشئ المدارس في كل البلديات، تلزم السكان، تحت طائلة الغرامات الثقيلة، بفرض ضرائب على أنفسهم لتموينها. ويتم إنشاء مدارس عليا بنفس الطريقة في المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان. ويجب على قضاة البلديات التأكد من أن الآباء يرسلون أطفالهم إلى المدارس. ولديهم الحق في فرض غرامات على أولئك الذين يرفضون القيام بذلك. وإذا استمرت المقاومة، فإن المجتمع يضع نفسه في مكان الأسرة، فيتمكن من الطفل، ويزيل بذلك من الآباء الحقوق التي أعطتها لهم الطبيعة، والتي لم يحسنوا استخدامها”. وفي غياب التعليم العمومي والإلزامي يتشكل الشعب حتما من الدهماء والغوغاء بدلا من أن يتشكل من مواطنين أحرار وجديرين بأن يكونوا أصحاب السيادة في وطنهم. وفي المحصلة، يبقى تخلّص الشعوب من نيْر الاستبداد مشروطا بتحرير عقولها من داء الوضاعة. فتحرير العقول يسبق تحرير الأبدان، وإلا جُعلت العربة أمام الحصان.

وللحرية قصة بروما الوثنية، خصصنا لها مقالا منشورا تحت عنوان “قصة الحرية برونا العتيقة. لكن هل من قصة للحرية في تاريخ المسلمين؟ بالتأكيد، نعم. وقد خصصنا لها مقالا منشورا كذلك تحت عنوان “قصة الحرية في السيرة النبوية”. لكن لماذا لم تهيمن على حياتهم خلال القرون التي خلت حتى صارت مطلب شعوب الربع العربي فقط منذ 2011؟ الجواب عن هذا السؤال يتطلب بحثا أكاديميا خاصا؛ لكن يمكن القول إنه قد حصل لها ما حصل لصحيح الرسالة المسيحية تحت نيْر استبداد الإمبراطورية الرومانية، حيث نشأت فأعطت الكنيسة الكاثوليكية التي لفظها البروتستانت بحجة الرجوع إلى الأصل عبر ما عُرف بالإصلاح الديني. ونكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء في فرصة مقبلة، إن شاء الله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Lamya
    الأحد 30 يوليوز 2023 - 10:19

    لدي سؤال محير و طرحته على بعض الاوروبيين خصوصا الألمان و هو لماذا تم فصل الكنيسة عن الدولة? هل كفر الناس? و الجواب كان أنهم لم يكفروا بالله, رغم ان هناك ملاحدة, و لكنهم يرفضون ان تتكلم الكنيسة باسم الله و تصدر احكاما و قوانين من فوق بدون نقاش او استعمال العقل و تتدخل الكنيسة في كل صغيرة و كبيرة في حياة الإانسان بدعوى انها تمثل الله فوق الارض

  • الأخلاق المجردة ..
    الأحد 30 يوليوز 2023 - 17:26

    أيهما أكثر منطقية الوازع الديني أو الوازع الأخلاقي

  • Amine
    الإثنين 31 يوليوز 2023 - 12:05

    لا يمكن الفصل بين الوازع الديني و الوازع الأخلاقي, لأن الدين أخلاق
    ربما الفهم الخاطئ للدين, هو الذي أدى الى هذا الفصل

  • amaghrabi
    الإثنين 31 يوليوز 2023 - 22:24

    هناك فرق شاسع بين الوازع الديني والأخلاقي بحيث الدين أعم له علاقة بالله والمجتمع اما الوازع الأخلاقي فله علاقة بالمجتمع فقط

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام