انتقد الأكاديمي المغربي الطيب بوعزة فرضية شائعة في تدريس تاريخ الفلسفة “تسفّه وتحرّف” النتاج المعرفي للسوفسطائيين منذ بداية القرن الرابع قبل الميلاد، بسبب هيمنة نظرة وتأويل أفلاطون لهذا التراكم.
هذه الرؤية، وفق الدراسة التي نشرها مركز نماء للبحوث والدراسات، أثرت أيضا في السياق العربي، الذي استند على “التقويم الأفلاطوني – الأرسطي”، و”كرر وسوماته القادحة في السفسطة”، علما أن فلاسفة القرن التاسع عشر ومن بينهم هيغل استمرت معهم “الأحكام الرئيسة التي بلورتها القراءة الأفلاطونية”، في مجال البحث السوفسطائي؛ بل وإن الأمر يعود حتى إلى أرسطو، الذي لم يخالف أستاذه أفلاطون في تأويل المتون السوفسطائية.
وتابع الطيب بوعزة مفسرا أصلا الوسم الشائع حول السوفسطائيين في تاريخ الفلسفة: “إن تأسيس أفلاطون للـ”فلسفة” كعلم كان موجها بمعركته القاصدة إلى نفي السوفسطائيين من حقل الفكر الفلسفي الإغريقي. لذا، حرص على أن يجمع المفكرين القدماء كلهم ويصطنع لهم وسما جديدا؛ لأن وسمهم كان هو “الحكماء”. وبما أنه وسم مماثل في الأصل الاشتقاقي للفظ الـ”سوفسطائيين”، فقد ابتدع أفلاطون فكرة محبة الحكمة كنقيض للـ”سوفوس” الذي يفيد امتلاكها”.
جاء بعد ذلك “تحريف آخر”، وهو “أن يتهم السوفسطائي بكونه يزعم امتلاك الحقيقة، حتى تستقيم التهمة دون أن يدرك بأنه يناقض نفسه، حيث كثيرا ما يؤكد في مواضع أخرى من محاوراته أن السوفسطائي يقول بعدم وجود الحقيقة واستحالة إدراكها”.
واستحضر الأكاديمي “آخر” لحظات تطور الفكر الفلسفي العربي “كدليل على استقرار الحكم القادح في حق السفسطة” وهي لحظة ابن رشد؛ حيث “تحضر كلمة (سوفسطائي) عند صاحب (تهافت التهافت) كعلامة مشينة، يتوسلها في مناقدته للغزالي؛ مما يدل على استقرار معنى السفسطة كضد للتفلسف، ورمز على اختلال الفكر وهبوط طرائق النقد”.
“هذه الدلالة الشائنة” بتعبير بوعزة، ظلت “لصيقة بالفكر السوفسطائي حتى لحظتنا المعاصرة، حيث نقرأ عند أشهر مؤرخي الفلسفة العرب، أي الأستاذ يوسف كرم بأن: السوفسطائيين كانوا مجادلين مغالطين، وكانوا متّجرين بالعلم (…) وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء”.
وبعد استحضار الجهود البحثية الأوروبية ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر في تجديد النظر في إرث السوفسطائيين، وبعد بسط “التباينات الملحوظة” بين السوفسطائيين في الرؤى والاهتمامات والمواقف، خلص الباحث إلى أن “التأويل التقليدي مهزوز من داخله، حيث انفلتت من بين سطوره وسومات جد مختلفة في وصفه للسوفسطائيين”، ثم قال: “انسياق ذلك التأويل نحو جمع أولئك الفكرين وحشرهم في صندوق مذهبي واحد مسلك يفتقر إلى السند المعرفي. هذا فضلا عن أن بعض الوسومات التي ألصقت بهم تحتمل ما يثير الشك في صدقيتها”.
كما نفت الدراسة صحة “التقليد المهيمن عن السوفسطائية كدعوة إلى الظلم والاستبداد”، وقالت: “نلحظ أنتيفون كمنظر قانوني يؤسس فكرة السياسة الجمعية للمدينة على أساس فكرة المساواة. وإذا كان السوفسطائيون في عمومهم ذوي نزوع ديموقراطي، نجد كريتياس أوليغارشي الفكر والنضال”.
وحول تلقي السوفسطائي أجرا على درسه؛ قالت الدراسة إنه “من الخطأ اتخاذها تعلة لنقد السفسطة أو وسمها بالوسومات القدحية التي وسمها بها التقليد الفلسفي”؛ فـ”أخذ الأجر عن التعليم مسلك وقع فيه حتى بعض الفلاسفة”، بل “أكثر من ذلك، نجد المدرسة الفيثاغورية لم تكن تطلب أجرا فقط من تلاميذها؛ بل تجردهم من جميع ممتلكاتهم”.
وجوابا عن “التأويل التقليدي الذي اختزل السوفسطائيين في أنهم رجال خطابة فقط”، أشهر الكاتب “العالم الرياضي السوفسطائي هيبياس، الذي كان مختصا في تعليم العلوم الرياضية”.
وبدل الموقف الشائع المعامل للسوفسطائيين بوصفهم منتسبين إلى “مذهب محدد الملمح”، دعا إلى “عدهم فلاسفة متفردين، ينبغي الاجتهاد في
فهم كل واحد منهم في فرادته وأصالته”؛ ثم قال إنهم “معلمون وعوا احتياجات زمنهم الذي شهد تحولا سياسيا مهما بظهور الديمقراطية؛ فنهضوا إلى تجديد التعليم الإغريقي، واستنزلوا التفلسف من النظر في المسائل الكوسمولوجية والأنطولوجية إلى إشكالات الواقع الإنساني؛ فأنتجوا رؤى لم تكن مخالفة لبعض آراء الفلسفات السابقة فقط، بل كانوا هم أنفسهم مختلفين مع بعضهم”.
ودعا الطيب بوعزة المشتغلين بالفلسفة إلى هذا الطريق المنهجي الجديد في التأريخ، قائلا إنه يُلزم “بقراءة السوفسطائيين في تنوعهم واختلافهم وفرادتهم، لا الركون إلى طريقة الحشر الأفلاطونية التي محَت فرادتهم وأدخلتهم في صندوق مذهبي ضيق”.
لم يبق لنا و نحن في القرن الواحد و العشرين من هم و لا شغل إلا الدفاع عن السفسطة؟ تلك أمة قد خلت. لها ما كسبت و لكم ما كسبتم. ولا تسألون عما كانوا يعملون. المغرب لن ينهض لا بأفلاطون ولا هيباس ولا يوسف كرم و لاهيغل و لا فيتكنشتاين. المغرب لن ينهض إلا بفلسفة إسلامية تقوم على مكارم الأخلاق من عدل و كرم و رحمة الضعيف و إجلال للعلم و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر. أما اليونان فما نراهم إلا متوسلين على باب ألمانيا يطلبون الدعم المادي و الثقافي و السياحي. لو كان الخوخ يداوي…
الفلسفة ساهمت في توعية الناس ورفع ذكاءهم حتى لاينصب عليهم من تجار الدين والحكام الطغاة
السفسطائية ليست لغوا ولاثرثرة بل هي بناء لميكانيزمات وقواعد الخطاب الفلسفي العميق الذي يحرك حركة النقاش السياسي والمجتمعي الهادف ويؤسس لكل نهضة يرتجى نيلها .
الكاتب لم يأتي بشيء جديد هناك من تحدث عن الأمر منذ مدة. الذي يشتغل على الحقل الفلسفي لابد أن يخوض في قضايا الراهن وأساسا قضايا الشعوب التي ينتمي إليها
ردا على رقم ١
استاذنا العزيز يريد منا أخذ إجابيات الفكر السوفسطائي
و تطويرها.
و انا من رأي تطبيق دياليكتيك هيكل على الفلسفة السفسطائية قد يوصلنا الى فلسفة جديدة قد تساير عصرنا
هل علينا اجترار ما قاله الآخرون.أليس لنا عقول نفكر بها؟ ما قيمة السفسطة في عهد الديمقراطية اليونانية؟ألم يجعل السوفسطائين السفسطة وسيلة لخلخلة مسلمات العقل وأداة للإسترزاق مقابل تعليم الأغنياء فن التلاعب بالكلمات؟……؟….؟
فكروا بعقولكم في واقعكم المرير إذا أردتم نفع بني جلدتكم؟
بحسب ما درسته حول السوفسطائية. أجد أن ما قاله في حقهم سقراط وافلاطون وارسطو ومن تبعهم هو الاقرب الى حقيقتهم . وعلى اختلاف قناعاتهم ومناهجهم فإنهم يسعون إلى نفس الغاية الا وهي التاثير في المخاطب واستمالته بكل الوسائل. ومن ذلك الخطابة و البلاغة بل وحتى المبالغة البقاع به وجعله يقبل بما لا يمكن لعقل سليم القبول به . لا داك يتوجهون نحو إستمالة العواطف بالكلمات بدلا من الافكار . سعيا وراء المنفعة والحقيقية عندهم هو النافع والملموس والمباشر
يكفي أن يكون الشخص ملما باللغات وخصوصا اللغة الانجليزية لكي يدرك أن هناك عشرات الدراسات التي تتبنى نفس الفكرة وقد أنجزها باحثون غربيون، بل هناك من ألف كتابا منذ سنتين تقريبا يتحدث عن الفكرة نفسها ويدافع عنها والكتاب موجود وعنوانه” The Sophists” للباحث في التاريخ القديم والوسيط للفلسفة اليونانية بجامعة أوتريخت الدكتور Mauro Bonazzi لذاك أرى أن هذه “الدراسة” ما هي إلا ترجمة لما سبق للاخرين أن توصلوا إليه ولم تأت بجديد يذكر.
تدَّعون محبة الحكمة
و ترفضون كلام المعلق الأول الذي دعى إلى مكارم الأخلاق و العدل و الكرم و الرحمة و العلم و مناهضة الظلم !!!
أليس فيكم رجل رشيد ؟؟!!!!!