إغلاق باب الاجتهاد

إغلاق باب الاجتهاد
الخميس 26 فبراير 2026 - 23:39

لقد شكّل الاجتهاد منذ البداية روح الحركة الفكرية في التراث الإسلامي، وهو الفعل الإنساني الذي يربط النص بالواقع، ويمنح المعنى القدرة على التفاعل مع الإنسان وتحدياته. غير أن هذا الفعل الحيوي لم يظل حُرًّا إلى الأبد؛ إذ بدأت قوى متعددة—اجتماعية، سياسية، ثقافية، نفسية—تؤثر في تقييد هذا المجال، حتى وصلنا إلى ما يُسمّى “إغلاق باب الاجتهاد”.

إن إغلاق الاجتهاد ليس حدثًا مفاجئًا، ولا قرارًا مؤسسيًا واحدًا، بل هو نتيجة تراكمية لتقاطع عوامل عدة على مر العصور. فمع تثبيت قراءات معينة ودعم السلطة لها، ومع تصاعد الهيبة الرمزية للعلماء والأئمة، ومع الخوف الاجتماعي والنفسي من الاختلاف، بدأت المسافة بين النص وفهمه تتقلص، وأصبحت الاجتهادات الجديدة تُقوّض صورة الوحدة الدينية أو تهدد “الاستقرار الاجتماعي”، حسب الرؤية السائدة.

لقد غدت فكرة “اكتمال الدين” مبررًا ضمنيًا لإغلاق الباب. فالدين بوصفه وحيًا مطلقًا يُنظر إليه على أنه كامل لا يقبل تعديلًا، وهكذا يُنقل هذا التصوّر إلى الاجتهاد البشري، فيظن البعض أن أي محاولة جديدة قد تُخلّ بقداسة النص أو تعارض ثوابته. ومع مرور الزمن، يصبح هذا الانغلاق عادة معرفية: يقلّ الحديث عن الاجتهاد، وتنكسر عادة السؤال، وينكمش الحقل الفكري.

من منظور تاريخي، يمكن رصد نقاط محورية ساهمت في هذا الإغلاق. خلال القرون الوسطى، ومع صعود الدولة القوية والمركزية السياسية، بدأ الفقهاء يحظون بتقدير رسمي، وأصبح اجتهادهم يُعامل وكأنه امتداد مباشر للنص. ومع هذا الدعم الرسمي، أخذت صورة الاجتهاد تتغير: لم يعد نشاطًا تجريبيًا حيًا، بل أصبح معيارًا ومرجعية لا يُمسّ بها. وهكذا، بدأ الفرد يفقد الثقة في قدرته على الاجتهاد، بل في بعض الحالات، يُنظر إلى الاجتهاد المستقل على أنه خروج عن النص أو عن الجماعة.

من منظور نفسي واجتماعي، أدى هذا الانغلاق إلى حالة من الجمود: العقل يعتاد على التكرار، ويظل ضمن دائرة الأمان المعرفي نفسها، والخوف من الخطأ يُقيّد الإبداع الفكري. ويصبح الاجتهاد نوعًا من التحدي الشخصي أو الاجتماعي المرفوض، بدل أن يكون واجبًا أخلاقيًا وفكريًا. والمجتمع، بدوره، يكتسب ذاكرة جماعية تجعل كل محاولة للتجديد محفوفة بالخطر، وتضع الاجتهاد في موقع الهامش أو المنع.

إن إغلاق باب الاجتهاد له تبعات أعمق من مجرد تحديد قراءة للنص؛ فهو يحدّ من قدرة الدين على الاستجابة للتغيرات الحياتية والاجتماعية، ويحوّل النص من قوة دافعة إلى نص محفوظ في صورة جامدة. كلما ضاق الاجتهاد، كلما فقد الدين جزءًا من فعاليته الحضارية، وتحولت القيم الكبرى—العدالة، الرحمة، المسؤولية، الحرية—إلى شعارات جامدة على الأوراق، دون أن تتحول إلى أدوات عملية للتغيير في المجتمع.

من زاوية فلسفية، يعكس هذا الإغلاق صراعًا مستمرًا بين الثبات والتغير، بين السلطة والعقل، بين النص والحياة. إن النص ثابت، لكن الحياة متغيرة، والعقل الإنساني يظل في صيرورة دائمة مع الواقع. وعندما يُحصر الاجتهاد، يُفرض نوع من الجمود على العلاقة بين الإنسان والنص، ويصبح فهم القرآن عملية تقليدية مكررة، بدلاً من أن تكون رحلة حيوية تتحدى الفكر، وتثري التجربة، وتفتح أبواب السؤال.

إن إغلاق باب الاجتهاد، مع كل ما يحمله من آثار تاريخية واجتماعية ونفسية، لا يعني نهاية الاجتهاد، بل يعني أن الفرد والمجتمع فقدا وعيًا بمكانته الطبيعية. فالاجتهاد ليس امتلاكًا مطلقًا للحقيقة، بل ممارسة مسؤولة توازن بين الاحترام للنص والوعي بالواقع. إنه فعل حيّ ينبغي أن يظل مفتوحًا، لأنه الوسيلة التي تسمح للنص بالاستمرار في الحياة، وللعقل بالاحتفاظ بحريته، وللإيمان بالتحول من مجرد طاعة صامتة إلى فهم واعٍ ومبدع.

والخلاصة، أن إغلاق باب الاجتهاد لم يكن نتيجة خطأ واحد، بل تراكمًا لعوامل عدة: السلطة، التراث، التقديس، الخوف الاجتماعي والنفسي. وكل عامل بمفرده قد لا يكون كافيًا لتثبيت الجمود، لكن تفاعلها عبر الزمن أدى إلى انكماش مساحة الاجتهاد الحر. ولإعادة الحيوية إلى الفهم، ينبغي أولاً أن ندرك هذه العوامل، ثم أن نعيد فتح الباب على مصراعيه، ليس عبثًا، بل بوعي واحترام للنص، وبشجاعة الفكر.

فالاجتهاد، كما نراه، ليس ترفًا فكريًا، بل شرط حياة: حياة النص، حياة العقل، حياة المجتمع. وإعادة فتحه مسؤولية حضارية تتجاوز التاريخ، لتصل إلى كل قارئ معاصر يسعى لأن يفهم، ويؤمن، ويعيش الدين في عصره دون خوف أو قيود.

من كتاب سيصدر قريبا تحت عنوان (تحرير المعنى : نحو قراءة معاصرة للقرآن وتفكيك الجمود العقل)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الجمعة 27 فبراير 2026 - 20:10

    “Where ijtihad ends, stagnation begins”
    “حيث ينتهي الاجتهاد، يبدأ الجمود.”
    Jamal al-Din al-Afghani

    “Ijtihad is not a privilege for the few; it is a right for every qualified Muslim”
    “الاجتهاد ليس امتيازًا للقلة، بل هو حق لكل مسلم مؤهل.”
    Hassan al-Turabi

    «الاجتهاد في عصر “تسونامي المعلومات” ليس مجرد ترفٍ فقهي، بل هو درعٌ يحمي العقيدة من الغرق في ركام البيانات»

    أستاذ محمد،
    إن تحرير المعنى الذي تدعو إليه هو طوق النجاة الوحيد لعقل المؤمن المعاصر، فبدون هذا الاجتهاد الواعي سنظل مجرد مستهلكين سلبيين لمعلوماتٍ تبتلع اليقين وتشتت الفكر. إن التحدي اليوم هو كيف نمارس هذا الفتح بـ “عقلٍ ناقد” يحفظ الجوهر و”قلبٍ مطمئن” يثق بالثوابت، ليكون الاجتهاد مصفاةً تُنقي إيماننا من شوائب الضجيج الرقمي وتجعله ديناً حياً يسكن العصر ولا يُسجن فيه. إننا لا نفتح الباب لنفقد الطريق، بل لنرى الأفق بوضوح أكبر وسط هذا الضباب المعرفي الكثيف، لنثبت أن جوهر النص أقوى من أن يذوب في طوفان المادة.
    «الاجتهاد الحقيقي ليس تمرداً على النص، بل هو استجابةٌ لنداء الخالق بأن نكون “أولي ألباب” وسط فوضى المادة»

    ALHOCEIMA

  • Lamya
    الثلاثاء 3 مارس 2026 - 11:03

    مقال يلامس إشكالية حقيقية, لكن يؤخذ على الكاتب إغفال النمادج التطبيقية لواقع المؤسسة الفقهية في المغرب. فالاجتهاد المغربي ليس متوقفا, بل ينهج فلسفة التدرج وفق استراتيجية ’جس نبض المجتمع’ لضمان الاستقرار و تجنب الفتنة
    و مع ذلك تبقى هناك ’مناطق ظل’ يتهيب الفقه من دخولها, ليس عجزا بل خوفا من إضفاء مشروعية على ظواهر واقعية, كما في حال في ملف حقوق الأطفال خارج إطار الزواج, فبينما يفرض الواقع حماية هؤلاء الأطفال, يضل الاجتهاد مكبلا بهاجس الحفاظ على النسق التقليدي للأسرة, مما يجعلنا أمام اجتهاد اتقائي يوازن بين الإكراهات الاجتماعية و الجرأة المقاصدية

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة