اليوم العالمي للتوحد الذي استحضره العالم قبل أيام كان مبعث تأمل وتساؤل. فهو يأتي في وقت ما يزال العالم يرزح فيه تحت وطاة كورونا التي فرضت علينا لأشهر عدة “توحداً” قسرياً وتباعداً اجتماعياً وبدنياً تجرعناه بمرارة، فأضحى الإنسان الذي يعد من أكثر الكائنات اجتماعيةً أكثر من يعاني بسبب هذا الضيف الثقيل الذي حل علينا قبل نحو عام واستعذب رفقتنا وعز عليه فراقنا.
مبعث التساؤل يكمن في أوجه عدة. أولها أننا تماهينا لفترة مع هؤلاء الذين نسميهم توحديين أو متوحدين، تبعاً للتسمية ذاتها التي كان العالم النفساني السويسري يوجين بلويلر أول من استخدمها قبل أكثر من قرن (1912) بعد اشتقاقها من الأصل اليوناني “أوتوس”autos بمعنى الذات، في إشارة إلى ملازمة الذات وعدم التفاعل مع المجتمع المحيط. وقد قضينا كلنا العام الماضي متوحدين ومتقوقعين على ذواتنا بسبب ظروف الحجر والإغلاق، ولعل ذلك تضامن قهري مع “المتوحدين”.
وأنا أضع هذه الصفة بين مزدوجتين لأنها لا تروقني. فمع كامل احترامي للاختصاصيين الذين يتداولونها، أفضل الاستعاضة عن اضطراب التوحد” أو “إعاقة التوحد” بعبارة “اختلاف التوحد”.
نعم، فهؤلاء مختلفون عنا فقط، ولا يجب التعامل معهم بتمييز ولا حرمانهم من حقوقهم الأساسية، سواءً كانوا أطفالاً أم كباراً. وعند الاطلاع على ما يقوله الاختصاصيون حول هذا الموضوع، نجد فئتين. الأولى تطالب بعلاج أصحاب “التوحد”، بينما تدعو الفئة الثانية إلى قبول اختلافهم واستيعابهم داخل النسيج المجتمعي باتباع مقاربات دامجة.
وكما أن الفرد العادي قد يحتاج لتحسين مهارات حياتية وشخصية واجتماعية معينة، فكذلك التوحدي، يحتاج إلى تحسين مهاراته التواصلية لتجويد حياته. وأنا أميل إلى الفئة الثانية، لأن تقبل اختلاف هؤلاء واحتواءهم سيخفف الضغط على آباء التوحديين الذين يعاني معظمهم في صمت في ظل هيمنة الوصم الاجتماعي وغياب السياسات الدامجة لأبنائهم وقلة العارفين من المدرسين التعامل معهم، بسبب عدم تلقيهم تكويناً منتظماً في معاملتهم بطرق ومنهجيات مسنودة بالعلم وأحدث المعارف.
فهؤلاء المختلفون لهم حقوق يجدر احترامها، وعلى رأسها الحق في التعلم، ويتحتم من ثم بذل الجهد اللازم حتى لا تكرر المدارس الحكومية أو حتى الخاصة صد أبوابها في وجه الأطفال التوحديين بدعوى عدم وجود كادر خاص خبير بالتعامل معهم، كما نعتب على تلك المدارس التي تقبلهم ثم تهمشهم وتتركهم عرضة لتنمر أقرانهم وتصبح بيئة طاردة لهم غير حاضنة لهم ولا دامجة لاختلافهم. وحبذا لو نصل لذلك اليوم الذي لا يتم فيه الترخيص لأي مدرسة حكومية أو خاصة بالفتح إلا إذا احترمت بند “قبول التوحديين والقدرة على تدريسهم” في دفتر تحملاتها.
من حق التوحدي أيضاً التمتع بتكافؤ الفرص في سوق العمل وعدم بخسه حقه في الأجور والرواتب عند توظيفه، وعدم سلبه حقه في تكوين أسرة وعائلة. من حق التوحديين تسليحهم بقدرات لتحسين تأقلمهم مع محيطهم وليس تلقينهم كيف يرون بأعيننا أو يتبعون أنماط تفكيرنا وفعلنا.
فهم أشخاص مختلفون عنا، فيهم النابغون وفيهم الفنانون وفيهم العاديون، وأكثرهم ملهَمون بطريقة ما. ولذلك أتمنى على الآباء الذين رزقوا بأطفال توحديين أن يتوقفوا عن تعذيب ذواتهم بسبب شعورهم بالعجز عن مساعدة أبنائهم الذين يعتبرونهم “غير عاديين” ومختلفين عن الشخصيات المقولبة المحيطة بهم. لندعهم يعيشوا سعداء باختلافهم، مع مساعدتهم قدر المستطاع فقط على الحياة الطيبة والاستقلالية وأن يكونوا متصالحين مع ذواتهم، ثم مع المجتمع. فهم لا يحتاجون إشعارهم بالشفقة، ولا النقص، فذاك تمييز وانتهاك لحقهم في العيش بكرامة ومساواة، بل يريدون احترام كينونتهم وذواتهم وتوحدهم، ومعاملتهم بما يليق بإنسانيتهم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.