"اشتباكات النغم والصمم" لسعد سرحان .. كتابة تمشي على حافة الضجيج

"اشتباكات النغم والصمم" لسعد سرحان .. كتابة تمشي على حافة الضجيج
صور: هسبريس
الخميس 30 أبريل 2026 - 04:00

هذا ليس تقديما؛ فاشتباكات “النغم والصمم” لا تحتاج إلى تقديم. وغاية هذه السطور ليست أكثر من تحية صديق عزيز وكاتب استثنائي اختار، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن يكتب انطلاقا من عزلته الأبدية، وقضى على نفسه ألا يشارك في تظاهرة أو فعالية، يقينا منه أن نشرَ كتُبه هو السبيل الوحيد لإسماع صوته الهادئ، وصمته المرتفع. إن اشتباكات سعد سرحان، كما نصوصه الشعرية البديعة، هي فضاء حضوره الاضطراري الوحيد في الساحة الثقافية التي ظلت فعالياتها شاهدة على غيابه الاختياري المزمن. فهذا الرجل لا يُرى لا في مهمة ثقافية ولا في مُلِمة أدبية… وكأنه بذلك ينتمي إلى زمننا المغربي الحديث، لا إلى مكانه.

على مدى ثلاثة عقود ويزيد، شكلت كتابات سعد سرحان كوة ضوءٍ لا يخبو في سماء الثقافة المغربية المعاصرة. وهذا هو كتابه الثالث عشر، الذي يُتوِج مسارا أدبيا بدأ بـ”حصاد الجذور” سنة 1994، وامتد حتى “دفتر الأسماء” و”برج الغبراء” سنة 2025، مسارا رَاكم خلاله منجزا أدبيا توزع بين الشعر والنثر، “بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات”، بلغة محمد برادة.

وعبر هذه الكتابات، ظل سعد سرحان نموذج المثقف الشاهد على عصره، بحداثة فكره وبلاغة أسلوبه ومتانة معرفته.

**

ينتمي سعد سرحان إلى الرعيل الجديد من كُتّاب العمود الصحافي، ذلك الجنس الإعلامي الراقي الذي يجمع بين المادة الصحافية والمادة التاريخية والفكرية؛ فهو تأملٌ في الأحداث، وقراءة في ما وراء الخبر. إلا أنه لم يكتب من موقعه في رئاسة تحريرٍ أو إدارة منبر، على نحو ما فعل آخرون؛ بل كتب من موقع أكثر تحررا، بعيدا عن إكراهات الخط التحريري ومواضعاته. فهو شاعر ليس بإعلامي، وكاتب ليس بصحافي، ينتقل من مستوى الإخبار إلى عمق التحليل فَرحابةِ التأويل، ومن المحتوى إلى التصور، كما يقول علماء الدلالة.

***

في “النغم والصمم”، تتجاور القصص والمقالات والنصوص والآراء والمحكيات، في أراضٍ تتسع حسب المسعى أو تضيق حسب المُقتضى؛ لكنها جميعا تُسفر، إثر كل قراءة، عن مزيد من عروق الأدب.

ولما كان الكتاب عبارة عن اشتباكات، فقد خاض سعد سرحان معاركه النصية بكامل عُدّته؛ بل بروحه ووجدانه وجسده، موظفا أطرافه الكتابية على أكمل وجه: يده تُصوب ولسانه يُحاج وعقله يحتمي بالحجة الدامغة. فإذا احتاج إلى بيت شعري صاغه، وإذا افتقدَ عبارة بليغة سكها كما يُسك الدرهم، وإذا أعوزَهُ شاهدٌ من الأثر استنْطَقه؛ أما إذا كان بهذا الموضوع أو ذاك مَسٌ من العلم، رياضياتٍ أو كيمياء أو بيولوجيا، ففي كنانة الرجل من قاموسها ما يفي بالسداد. فهو لا يشتبكُ من دون عُدّة؛ بل يفعل مُعتدا بترسانة ناجعة: عمق الذاكرة، دقة الملاحظة، قوة الحجاج، تنوع المقروء، وحدة الحواس.

أما الذخيرة الخُلبية فهي تلك السخرية التي بلون المطاط، سخرية تنحني تحت وطأة المأساة؛ لكنها سرعان ما ترتد لتصفع الواقع بقسوة مدروسة.

***

لم يكتفِ سعد سرحان في هذا الكتاب بتحيين السلف عبر استدعاء أعلام التراث كالجاحظ والمعري وابن مرزبان ومعاذة العنبرية، وإنما عمد أيضا إلى تحيين ذاته، عبر استعادة الطفل الذي كانَهُ، مستحضرا علاقته الأولى بالمقهى والحمام والكتب والسينما وبيت الجدة وغيرها من النوستالجيات اللذيذة. وكأنه بذلك يفحمُنا بأن الكتابة ليست مجرد موقف فكري؛ بل هي أيضا استعادةٌ للطفل الذي لم يكف عن الدهشة أمام العالم، حتى حين ابتُذِل العالم وصار أقل استحقاقا للدهشة النقية.

وعند سعد سرحان، طعمُ الكتابة في أمر حقير كطعمها في أمر عظيم. فبالمرارة ذاتها كتب عن احتلال غزة واحتلال المِلك العمومي، وبالجدية عينها يتناول انحطاط القيم وانحطاط الطعام. فالمفارقة عنده ليست مجرد أسلوب بلاغي، بل هي رؤية للعالم، طريقة في الكشف عن التناقضات التي تحكُم حياتنا المعاصرة. حين يبدأ من حكاية السيدة “باطا” وأحذيتها، لينتهي إلى سؤال مركزي عن بناء الإنسان وقامته الحقيقية، فهو لا يمارس الاستطراد، بل يكشف عن الخيط الخفي الذي يربط بين الجزئي والكلي، بين الملموس والمجرد، بين القشرة والجوهر.

***

في “النغم والصمم” يشتبك سعد سرحان مع الكثير مما جرى ويجري، وليست الوسيلة ما يعوزه، فهو يُجيد غير قليل من اللغات العربية: لغة التراث حين يستدعي الجاحظ، لغة العلم حين يتحدث عن الجينات والتعديل الوراثي، لغة السخرية السوداء حين يصف “منزوع الإنسانية” كماركة مسجلة، ولغة الحنين الشفيف حين يستعيد طفولته. وفي كل هذا التنوع، يظل صوتُه واحدا، متماسكا، لا يخطئه الحِس الواعي.

يكتب سرحان نصوصه بحس نقدي قوي، وبسخرية سوداء على صفحات بيضاء، ويقدم قراءة للأحداث في المغرب وخارجه، خلال العقود الأخيرة، بعين المبدع الخلاق، والناقد القلق، والمفكر مليا في الوقائع ما ظهر منها وما بطن. ومن ثمّ، يُشكل تأليفُ هذا الكتاب تجميعا لأفكار ودراسات وتأملات نُشرت أشتاتا متفرقة، في فضاءات وأزمنة متباينة. واليوم، صار بإمكاننا أن نقرأها مجتمعة، لنستعيد من خلالها أمسنا القريب، من أجل فهم حاضرنا، قصد التوجه نحو الآتي.

***

حين ننتهي من قراءة “النغم والصمم”، ندرك أننا لم نقرأ مقالاتٍ أو نصوصا متفرقة؛ بل نحن إزاء رؤية نقدية شاملة لعصرنا بكل تناقضاته وأمراضه. ندرك أن سعد سرحان لم يكتب ليُسلي أو ليجامل؛ بل ليوقظ، ويصدم، ويدفع إلى إعادة النظر في ما ألفناه من مسلمات زائفة.

هذا الكتاب، إذن، ينحاز إلى مهمة مستعجلة: مهمة إنقاذ تاريخنا من الفقد والضياع، وتوثيق لحظة حضارية فارقة بعين لا تعرف المجاملة وقلم لا يُجيد النفاق. وهو بذلك يُقدم لنا ما هو أثمن من المتعة الأدبية، يُقدم لنا مرآة صادقة – قاسية ربما، لكنها ضرورية – لمن يريد أن يرى ذاته الجماعية ولحظته التاريخية كما هي.

وفي زمن يسوده الصمم، يبقى النغم عند سعد سرحان هو صوت الحقيقة الذي لا يكف عن الارتفاع، حتى لو لم تُصغِ إليه الآذان.

ثم إن “النغم والصمم” ليس أول كتاب يجمع فيه سعد سرحان اشتباكاته، فقد سبقه إلى ذلك بكتاب “برج الغبراء” الصادر العام الماضي (2025) فقط والذي سلك فيه المسلك ذاته. وكأن الرجل قرر أن يجمع شتات صوته المتناثر في الصحف والمجلات، ليصنع منه برج مراقبة أدبيا يُطل منه الكاتب ومعه جمهور قرائه على مشهدنا الثقافي والسياسي والاجتماعي المُحتدِم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • wataniya
    الخميس 30 أبريل 2026 - 05:45

    وجهان ادبيان مبدعان يطلان علينا بين الفينة و الأخرى عبر هسبريس بابداعات تفتح شهية القاريء الى سبر اغوار ما هو مكتوب للتامل في خلفيات ما يصبو الى تبليغه من طرف هذا الكاتب او ذاك ، دمتما اشعاعا فكريا مغربيا يحتدى به

  • Mostafa
    الخميس 30 أبريل 2026 - 08:33

    هناك العديد من المخطوطات في بلادنا تحتاج من يحققها ايها المثقفون ، فتعود بالنفع على البلاد والعباد ،

    معذرة

  • salmi
    الخميس 30 أبريل 2026 - 10:36

    هؤلاءأصدقاء الغارة الشعرية وقبلها مجلة أصوات معاصرة ودائما كانوا يمثلون مدينة مراكش أحسن تمثيل.

  • الغيم .
    الخميس 30 أبريل 2026 - 11:34

    كل هذا الزخم وهذا الابداع وهذا الجمال ما كان ليكون لولا اللفة العربية ,
    صعب جدا أن تكذب هذا الكلام، لا تحاول .

  • alaoui
    الجمعة 1 ماي 2026 - 00:41

    هذا المقال مهم لكن كان يجب ان تتم الإشارة الى عنوان ورقم القاعة التي يوجد فيها الكتاب في المعرض لمن يرغب في اقتنائه بعد هذه المقالة المشوقة عنه؟

  • samir
    الإثنين 11 ماي 2026 - 12:50

    بحثت عن هذا الكتاب في المعرض ولم أجده مع الأسف. وذهبت عند الناشر لكنني وجدت فقط كتابا قديما للشاعر فاشتريته.

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور