لم يكن “الحراك العربي” في مجمله من صنع الحركات الإسلامية؛ ذلك أنه حراك مجتمعي تلقائي صيغ في مجمله بعيدا عن القنوات الوسيطة التقليدية (أحزاب؛ ونقابات؛ وإعلام؛ ونخب مختلفة..)؛ وكثير من هذه الفعاليات حاولت اللحاق به أحيانا وتوجيهه واستثماره أحيانا أخرى.
لقد ساد الطابع المدني أجواء الحراك؛ حيث غابت عنه الشعارات الدينية في مقابل التركيز على إسقاط الفساد والقطع مع الفساد ودعم الحقوق والحريات..؛ غير أن صعود التيارات الإسلامية بشتى توجهاتها شكّل علامة مميزة لمساره؛ في عدد من بلدان المنطقة كما هو الشأن بليبيا ومصر وتونس والمغرب..
وإذا كان هذا الوصول إلى السلطة الذي تأتّى عبر صناديق الاقتراع؛ يجد مبرراته في مجموعة من الاعتبارات الذاتية والموضوعية؛ فإنه جاء في مرحلة استثنائية وحبلى بالتحديات والانتظارات، ممّا عرّض هذه التيارات التي لم تراكم في مجملها بعد اجتهادات تضع إجابات لمختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية..؛ لصعوبات جمة في علاقتها بتدبير الشؤون العامة ومواجهة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية وبالتواصل مع مختلف الفرقاء السياسيين.
تعاطت التيارات الإسلامية بسبل مختلفة مع الحراك؛ بين من انخرط فيه بقوة؛ وبين من ثمنه عن بعد دون أن يشارك فيه، وبين من رفضه واعتبره مؤامرة خارجية تروم زعزعة الاستقرار.
يظلّ وصول التيارات الإسلامية للسلطة مشروعا وعاديا بالنظر إلى المنطق الديمقراطي الذي تتحكم فيه صناديق الاقتراع؛ غير أن هناك مجموعة من المبرّرات والأسباب التي دعّمت هذا الصعود وبروز هذه الحركات كمستفيد وحيد من تداعيات الحراك في المنطقة؛ فعلاوة على وجود حالة كبيرة من خيبة الأمل والإحباط داخل عدد من المجتمعات في المنطقة؛ جرّاء تنامي المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإن معظم هذه التيارات لم تنل نصيبها من المشاركة في المشهد السياسي لبلدانها؛ وظلت غالبيتها تشتغل خارج قواعد اللعبة وخارج الاعتراف الرسمي؛ كما أن تركيزها على إخفاقات الحكومات السابقة؛ واستنادها إلى خطابات دينية وأخلاقية؛ أكسبها قاعدة شعبية كبيرة.
وينضاف إلى ذلك وجود ما يشبه حالة فراغ سياسي؛ نتيجة للتضييق الذي طال مختلف القوى السياسية والحزبية الأخرى داخل دول الحراك بما أضعف هذه القوى، ثم وجود قدر من التعايش الغربي مع التيارات الإسلامية مع اقتصار أولوياتها على قضايا داخلية وعدم رفعها لمطالب مهدّدة لمصالحه..
وإذا كان الحراك القائم في بعض الأقطار قد أسهم في تغيير الصورة النمطية التي تشكّلت عن بعض الحركات الإسلامية من مهدّد للديمقراطية إلى ضحيّة للأنظمة؛ فإن وصولها إلى السلطة؛ غذّى تخوفات بعض الأحزاب السياسية والقطاعات النسائية والحقوقية؛ من أن يتمّ التراجع عن المكتسبات التي تحقّقت على امتداد عقود على قّلتها، وبسط الهيمنة على المشهد السياسي.
ولم تخف في هذا السياق؛ بعض التيارات الحداثية؛ تحفظاتها إزاء المرونة التي عبرت عنها هذه الحركات في المرحلة التي أعقبت وصولها للحكم؛ حيث تؤكد على أن هناك فرقا بين الخطاب والممارسة؛ وتعتبر أن الحداثة لا تستقيم مع المسلمات.. فيما تساءل البعض عما إذا كان بإمكان هذه التيارات أن تسهم في تطوير مفهوم المواطنة والارتقاء بها؛ عبر تدابير تدعم تنمية الإنسان وتحفظ كرامته وترسخ انتماء منفتحا ومتعددا يتجاوز القبيلة والعرق والمذهبية؛ بما يجعل الولاء الوطني للفرد يسمو فوق كل الولاءات الأخرى.
إذا كان من حسنات الحراك أنه سمح بفتح النقاش من جديد بصدد العلاقة بين الدين والدولة؛ ودفع العديد من التيارات الإسلامية إلى إعمال مراجعات فكرية وسياسية تحت محك العمل الحكومي وضغوطاته الداخلية والخارجية، فإن وصول هذه التيارات للسلطة لم يخل من صعوبات وتحديات؛ تحوّلت معها من معارضة فاعلة إلى ممارسة تدبير حكومي طبعه قدر من الارتباك؛ نتيجة لوصولها الفجائي للسلطة؛ وغياب تراكم على مستوى الخبرة والتدبير الحكوميين؛ ثم الاصطدام بمؤسسات “الدولة العميقة”؛ ووجود مقاومة للتغيير من بعض القوى الداخلية والخارجية، وعدم مراكمة هذه التيارات لأدبيات ومرجعيات فكرية كافية مرتبطة بقضايا حيوية؛ إضافة إلى المبالغة في الثقة بالنفس أحيانا، وعدم توخي أساليب أكثر واقعية وانفتاحاً في التعامل مع الخصوم السياسيين.
تباين أداء التيارات الإسلامية في دول الحراك من تجربة إلى أخرى؛ ففي الحالة المصرية جاء عزل الرئيس محمد مرسي ليعكس الارتباك الذي طال المشهد السياسي بالبلاد؛ وهو ما خلق انقساما واستقطابا في داخل المجتمع المصري؛ بين رافض لهذا العزل باعتباره انقلابا على الشرعية التي يجسدها الدستور ونتائج صناديق الاقتراع؛ وبين من اعتبره عملا مشروعا يعكس إرادة المواطن المصري لتصحيح مسار الثورة وتجاوز مظاهر الهيمنة التي كرسها الإخوان.
ولم تخل تجربة حزب النهضة بتونس من تحديات وصعوبات؛ حيث ظهرت صراعات سياسية حادة بين قوى تقليدية محافظة وأخرى حداثية بصدد مستقبل البلاد وحول عدد من القضايا (تمكين المرأة؛ وتحييد المساجد؛ وعلاقة الدين بالدولة..). لكن حدة الصراع بين التيارين بدأت في التراجع مع انتخاب المجلس التأسيسي وإحداث حكومة ائتلاف وطني؛ وانطلاق حوار وطني بمبادرة من تحالف تضمن الاتحاد العام التونسي للشغل؛ واعتماد دستور جديد؛ بصورة توافقية؛ ساهمت فيه مختلف القوى والكفاءات بالبلاد على اختلاف توجهاتها(علمانية؛ وإسلامية..).
وفي المغرب؛ قاد حزب العدالة والتنمية العمل الحكومي؛ بتحالف مكوّن من أحزاب متباينة في مرجعياتها وتوجهاتها، لم يكتب له الاستمرار بفعل انسحاب حزب الاستقلال منه بعد سنة ونصف السنة على تعيين أعضاء الحكومة. وإذا كانت بعض قيادات حزب العدالة والتنمية ترى في هذا الانسحاب مؤشراً على رغبة البعض في تعطيل مسار الإصلاحات الكبرى التي باشرتها الحكومة، وإجهاض التجربة الحكومية الفتية، فإن حزب الاستقلال برّر انسحابه بانفراد رئيس الحكومة باتخاذ القرارات وعدم قدرته على تدبير الاختلاف داخل التحالف الحكومي، وعدم قدرته على التمييز بين مهامه الحكومية والحزبية.
ولم تخل التجربة الحكومة التي يقودها الحزب من إشكالات أخرى؛ ترجمها التوتّر الذي طبع علاقتها بالمعارضة البرلمانية وعدد من المركزيات النقابية..؛ إضافة إلى الارتباك الذي ميّز تعاطيها مع قضايا الفساد.
-أستاذ القانون العام في كلية الحقوق بمراكش
هنا تظهر حسنات الاكاديمي المتمرس في التحليل والتفسير …..قراءة إجرائية كافية وشافية لواقع ما بعد الحراك العربي…..نطلب منكم سيدي تخصيص مقال في قادم الايام يعالج دور العامل الخارجي في افشال الحراك العربي
حالة مصر تتميز بكثير من الخصوصية; كان هناك تدمر تلاه حراك, ولم تكن هناك ثورة ابدا, لنتذكر ان أن عزل مبارك ثم من طرف الجيش وأن البيان الاول للثورة قرأه ظابط وأن الانتخابات اشرف عليها الجيش وعزل مرسي تم من طرف الجيش, فالجيش كان هو ضابط الايقاع والمتحكم في الدولة العميقة وكل شيء.
السلطة التي وصل اليها الاسلاميون ساهمت في فرز تيارين سيستفحل التباين بينها في المستقبل, الاول دعوي سلفي واخواني وهولا زال يؤمن الى حد بعيد بدولة الخلافة ويعتبر الدولة الديمقراطية مرحلة فقط في طريق تاسيس دولة الخلافة وهو بهذا يشبه التيارات الشيوعية التي تشارك احيانا في الديمقراطية الغربية لكنها تؤمن مع ذلك بدولة دكتاتوريا البروليتاريا التي يجب ان تقوم على أنقاض الدولة الليبراللية. اما التيار الثاني فهو تيار اسلامي ديمقراطي ليبرالي, تمثله النهضة في تونس والعدالة والتنمية بنسبة أقل في المغرب, أضحى يؤمن بالدولة الديمقراطية كغاية لا كوسيلة, و يعتبر الخلافة مجرد اجتهاد تاريخي ليس من أصول الدين في شيء, وهو بذلك يشبه الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي تنكرت لدولة دكتاتوريا البروليتاريا لصالح الدولة الليبرالية..
أتصور أخي الكاتب أن التيارات الاسلامية لم تنبثق قوتها ومصداقيتها من الفراغ السياسي التي عرفته بلدان الحراك العربي ، بل تولد من عدد من التجارب الفاشلة لعدد من الأحزاب اليمينية والعلمانية وتحكم الأنظمة السياسية تحكما استبداديا التي كان الغرب يملي عليها سياساته الانتهازية والاستغلالية، ويمكن أن نقارب هذه المسألة التي نسميها نحن افتراء بالفراغ السياسي ونربطها بالآسباب التالية:
أولا: تراكم تفاقم حالات الفساد بكل أنواعه التي سادت بلاد المغرب ابان فترة حكم الراحل الحسن الثاني وذلك نتيجة لاحتدام الصراع السياسي والاديولوجي بين المؤسسة الملكية وقوى اليسار الاشتراكي الذي كانت غايتها الوصول الى السلطة، ومارافق هذه الفترة الحرجة من محاولات انقلابات عسكرية متعددة التي باءت بالفشل وماشهده المغرب أيضا من انتقال صراعات اديولوجية على ساحته الترابية.
ثانيا: وجود تواطؤ وثيق بين السلطة الحاكمة وبعض الأحزاب السياسية النشأة حديثا خاصة في فترة الثمانينات من القرن العشرين التي اصطنعت أساسا من أجل تكريس سياسة معينة واستغلت هذه الأحزاب مواقعها ونفوذها لتحقيق مآربها وأطماعها المادية.
ثالثا: مصداقية التيارات الاس
ما لم تتحقق اهادف هذا الحراك سيظل قائما.بل انه لن يتوقف ابدا وان خبا واصبح في حالة كمون.في حالة ما امكن لبلدن الحراك من خلال الساهرين على تدبير شؤونها ان تجتهد في حل المشاكل التي كانت وراءه فانه ستضعف وتيرته ولكنه سيظل موجودا.فالمشاكل التي تسبب فيها الفساد وسوء التدبير كثيرة وصعبة ولا تقبل الحل في مدى زمني قصير وتحتاج الى امكنانات ومتطلبات لاتتوافر بسهولة.ويتوقف حلها على اعادة النظر في طبيعة العقلية والارادة والنفسية المشرفة على التدبير ومراجعة المنهج المتببع في ممارسة الفعل السياسي.فالمشكل الاساسي عندنا يوجد في العقول المدبرة وفي طبيعة نظرتها للمواطن وموقفها منه ومن كيفية التعامل معه والتصرف في الموارد المرتبطة به.المواطن قد تغيرت نظرته الى السلطة ولم يعد غافلا عما يجري من حوله بما في ذلك التفاصيل ولم تعد تنطوي عليه اسالبب الدهاء ويميل الى الشفافية.ولذلك فانه في حالة ما ظل القائم بالتدبير يشتغل وفق نفس المنهجية والعقلية لن يزيد الا في النفخ لتاجيج الحراك .المرحلة اذن تحتاج الى سياسة جديدة تسحب البساط بقوة من تحت الاطراف التي تحاول عرقلة وسائل الحد من حدة الحراك تجنبا لضياع المجتمع
مقال ينم عن تخصص واحترافية كبيرة وهادئة في مجال السياسة او علم الاستراتيجيات الجيوسياسية لان الموضوعية في المجال السياسي كعلم قائم بذاته تحتاج الى تكوين والى فراسة سياسية تكون غالبا نتيجة منطقية للمعطيات السالفة الذكر بالاضافة الى الالمام بالتاريخ او بالاحرى فلسفة التاريخ .
ان التعليق رقم2 ينحو نفس المنحى وان كان بشكل تجزيءي ولا يهم الا مصر غير انه جزء من كل .
طبعا ما يهمنا هنا هو الحراك المغربي الذي انطلق مدنيا عبر عنهموم الشعب التواق الى الحرية ونبذ الفساد وانتهى اخوانيا بتبني شعار عشرين فبراير والتصالح مع النظام او بالاحرى التطبيع مع الفساد .
فالمقال اعتبرل
تجربة الاخوان في المغرب في بناء الدولة الديمقراطية او الليبرالية كان اقل منه في تونس . طبعا لان حزب العدالة لم يشارك في الحراك لانه كان يراهن على السلطة غير ان طابعه الدعوي الاخواني والسلفي احيانا كونه يناصر السلفية في مصر جعله يسقط بحكم فتوة تجربته في الشعبوية والتهريجية احيانا في غياب مشروع مجتمعي يزاوج بين الشريعة والحداثة . او بين الشرع والعقل وهو ما يجعل الحزب الحاكم يختزل الفساد في الاخلاق الدينية فقط والسقوط في الطوباو