الانقلاب و الاغتصاب "كيف كيف"!

الانقلاب و الاغتصاب "كيف كيف"!
الإثنين 25 يوليوز 2016 - 08:21

للانقلابي والغاصب نفس الأسلوب ونفس المنطق لتبرير أفعالهما، فالأول يزعم أنه “مستفز” من سلوك الحكومة و سوء تسييرها لشؤون البلاد بينما الثاني و هو المغتصب الجنسي يزعم كذلك أنه ضحية “استفزاز” المرأة التي تشحنه غرائزياً بسلوكها الفاجر على حد تعبيره.

أما المتطرفون فيبتهجون في كلتا الحالتين ويعطون المصداقية للانقلابي والغاصب على حد سواء بالمنطق التالي “إذا كانت الحكومة لا تدير شؤون البلاد حسب فكرهم وإيديولوجياتهم ولا يسود العدل حسب مفاهيمهم فلانقلابيين الحق في إسقاطها بالعنف والقوة، وإذا كانت المرأة متبرجة وتسلك سلوكاً مخالفاً لمعاييرهم و مفاهيمهم فللمغتصب كامل التبرير لارتكاب جرمه وليس للضحية حق التظلم !”.

وهكذا بنظرة تحليلية نرى أن المغتصب أو الغاصب يدفعه هوسه الجنسي ورغباته الشهوانية “لأنه مُستفز” لإعلاء، عبر ما يسمى في الاصطلاح العلمي، “بِفالوسِه” phallus (رمز الفحولة الذكورية ) ضد المرأة الضحية.

أما في حالة الانقلاب المسلح تتم نفس العملية،حيث أن الانقلابيين أو ما يسمون في الاصطلاح الأكاديمي بـ البوتشيست putchistes يدفعهم تعطشهم للسلطة والنفوذ إلى رفع السلاح (phallus) في وجه حكومة السلطة القائمة للانقضاض عليها والاستحواذ عليها بالإكراه والقوة الجبرية.

منطقياً للغاصب والانقلابي مجالات للتمتع بحياتهما بشكل طبيعي سليم دون إلحاق الضرر بالآخرين ودون اللجوء للعنف والإكراه . فالغاصب له خيار مفتوح ليعيش حياة جنسية طبيعية سوية من خلال إقامة علاقة توافقية مقبولة نفسياً واجتماعياً وأخلاقياً أما الانقلابي فله مجال اللجوء إلى الوسائل السلمية والقانونية للتعبير عن تظلماته وأرائه وله أيضاً باب المشاركة في صنع القرار وبلوغ السلطة عبر أدوات الانتخابات وتداول السلطة المتعارف عليها.لكن في كلتا الحالتين ورغم توفر جميع الخيارات الإيجابية نجد الغاصب والانقلابي لا صبر لهما أمام شحنات رغباتهما الجنسية والسلطوية الجامحة.

ويمكننا أن ندرك بنظرة فاحصة أن كلاً من الغاصب والانقلابي يعانيان من ضعف الثقة في النفس ويخشيان من عدم الفوز ويسعيان لانتصارات وهمية سريعة. فالغاصب المغتصب يستعمل قوته الذكورية لكسر حاجز المرأة أما الانقلابي فيستعمل قوة السلاح والإرهاب لكسر حاجز السلطة.

فما هو الحل الممكن للحد من هذه الجرائم؟ وفي كلتا الحالتين فإن الجنس والسلطة متشابهين لأنهما الدافعين الأساسيين للبحث عن “متعة القوة”!

ليس مصادفة أن الرجال دون النساء هم الغاصبون والإنقلابيون في آن واحد! فهل السبب في ذلك هو كون الرجال لديهم قوة “فالوس” والعضلات والسلاح؟

لربما نجد الجواب عند النساء!

انا موقن لو كانت النساء يحكمن العالم لما رأينا كل ما شهدناه من هذه الحروب المدمرة والمآسي المهلكة ، ذلك أن المرأة على عكس كثير من الأفكار الموروثة الشائعة تفوق الرجال بذكائها وتتفوق عليهم بـحكمتها وصبرها وطبيعتها الفكرية وقوتها الجنسية! فعاطفة المرأة وغريزة الأمومة لديها وحبها لأبنائها وبناتها الذي لا يعرف حدوداً للتضحية والعطاء يجعلها لا تتقبل أبداً أن يرسل أحد منهم ليقتُل أو ليقتل في حروب عبثية وهي بذلك تتمتع بحس إنساني أصيل.

فلما لاحظ الرجل بضعفه الجنسي أمام المرأة وتفوقها عليه بدورها الحيوي في عملية الإنجاب وصناعة الحياة سرعان ما نظم انقلاب عليها للسيطرة عليها بقوة عضلاته. وهكذا نشأ الخلل الاجتماعي للتسلط الذكوري فكيف تريدون إقامة مجتمع سليم وحكومة سليمة اذا لم تتوفر المساواة والتكامل الحقيقي بين الرجل والمرأة؟

إن الحل بلا شك يكمن في التربية! فلا بد لنا من التركيز على القيم الأخلاقية الإنسانية ونسقط أشكال التمييز الجائر بين الطفل والطفلة . كما لا بد في مجال التعليم من التحرر من فكر ايديولجية التنافس في المنزل والمدرسة التي تشجع القوي والمتفوق على الفوز بكل الوسائل ولو على حساب الضعفاء من زملائه وتنتج هذه المنظومة الفاسدة الخالية من قيم التعاون والمحبة نوعية من المتضررين الذين سيحاولون مستقبلاً الانتقام بدورهم من المجتمع ومن البيئات التي يحملونها مسؤولية فشلهم.

إن التربية المنزلية أو المدرسية بشكلها الحالي تدخل الطفل منذ سنواته الأولى في معارك المنافسة وتوهمه أن التفوق على الغير هو أفضل سبيل للحصول على فرص حياة أفضل ومواقع أعلى وموارد أكبر !

وهكذا أصبحت المنافسة في غياب قيم التعاون والإخاء أكبر بلاء يدمر المجتمع ويعرقل ازدهار الأفراد ونموهم الطبيعي وبروز مواهبهم النافعة!

إن النظام المدرسي الحالي قائم على التمييز ضد الضعيف عبر معاييره ونظمه غير الموضوعية التي تفرض نماذج وقوالب محدودة للتفوق ،أليس هذا تعصباً فكرياً و تمييزاً عنصرياً؟

بطبيعة الحال نحن مختلفون عن بعضنا البعض فمنا الضعيف والقوي فكرياً أو جسدياً ولكل شخصيته الفريدة ومواهبه وقدراته. لذاك فإن اعتماد قيم التسامح والتعايش بين جميع الأطفال ينتج روح الشراكة التعاونية ويمحو روح التنافس العدوانية بين أجيال المستقبل.

فما هو مصير التلاميذ الذين لا يتفوقون في الامتحانات والمباريات ؟ وما هو مصير التلاميذ والطلبة الذين يتم تصنيفهم كراسبين أو ضعفاء؟ وما هو مصير ذوي الحاجيات أو القدرات الخاصة ممن يعجزون عن التأقلم مع متطلبات النظم التعليمية المفروضة عليهم في المدارس؟

لاشك أن هذه المنظومة الجائرة تشحن العديد من الأفراد بالحقد والكراهية ومهما طال الزمان او قصر فستنفجر هذه النوازع الانتقامية لديهم بأشكال مختلفة لا يمكننا تصور أثارها المدمرة البعيدة المدى!

للأسف إن التلميذ أو الطالب في جل النظم التعليمية والتربوية الحالية يتم ترويضه منذ صغره على حروب المنافسة، وأنه لا بد له أن يكون المتفوق الأوحد الذي يتمتع بالأفضلية على الآخرين، خاصة أنه في عالم المنافسة لا يوجد سوى فرص ومواقع محدودة ومقعد واحد لا سبيل له سوى تصارع وتنافس أعداد كبيرة من المتنافسين يتم التعامل معها من قبل المؤسسات التعليمية على أنهم أرقام دون مراعاة أنهم كائنات بشرية لها خصوصياتها وإنسانيتها !

كذلك الفتاة منذ الصغر يتم ترويضها لتكون الأجمل والأذكى وأعظم مغرية حتى تسيطر على عالم الرجل وتكون لها فرص حياة أفضل ولكن ليس هناك إلا مقعد واحد لملكة الجمال في عالم المنافسة! وحتى الولد يتم ترويضه ليكون أعظم رجولي ورغم عدم وجود مسابقة لـملك الرجولية فسوف يحاول أن يتفوق في معارك الشوارع وفي المنزل بشتى الوسائل ليكون ملك الرجولية حسب مفاهيم مجتمعه الذكورية!

وخلاصة القول على المستوى الاجتماعي أن الولد “يتروض” ليكون الأكثر تفوقاً والأغنى والأقوى والأشد رجولية. وكذلك الفتاة يتم ترويضها لتكون الأكثر جمالا وإغراءً وذكاءاً حتى تتزوج الرجل الأكثر مالاً ونفوذاً.

و هؤلاء الأطفال الذين يتربون في هذه الأجواء هم الذين سيسيرون العالم علماً انه ليس هناك حد معين أو معيار شامل للحُسن والجمال والقوة والثراء والفطنة و الذكاء ولا مقياس ثابت يحدد حجم الثروة المادية و الفكرية لكل إنسان، فهكذا تستمر المنافسة بدون نهاية!

لماذا إذن نندهش مما يعيشه العالم المعاصر من مآسي اجتماعية وأخلاقية وكوارث اقتصادية وصراعات سياسية وحروب مدمرة؟ فما هي كلها إلا نتيجة نظمنا التربوية والتعليمية سواءً بالمنزل أو المدرسة وهي حصيلة اختياراتنا وثمار تقصيرنا في مسؤولياتنا جميعاً بدون أي استثناء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • كاره الضلام
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 11:10

    مقارنة جميلة ، فكرامة الفرد لا تنفصل عن سيادة الوطن و من يقبل المس بسيادة الوطن لن يكترث بالمس بكرامته الشخصية او اغتصابه من طرف جهة خارجة عن داته، فالمبتهجون بالانقلاب او المعارضون لاجتثات جدوره لا يفهمون معنى السيادة او لا تتقبلها نفوسهم بسبب طبعهم الرخيص،و هم يبحثون لرخصهم و قلة كرامتهم عن تبريرات سياسوية معتقة و متناقضة مع شخصيتهم، يقولون ان اردوغان يقصي معارضيه في الداخل و اليوم جائهم التكديب بقول وزير خارجية تركيا بانهم سيطردون سفراء دول اجنبية تورطت في الانقلاب، الامر ادن لا علاقة له بالخصومة الداخلية او الدكتاتورية و انما بالسيادة و عدم التساهل مع المس بها من سواء من العدو الخارجي او البيدق الداخلي، ان الدين تربوا عل المهانة و الشعور بالنقص و احتقار الدات يشعرون بالمهانة ادا كرمتهم،هي كراهية العاهرة للحرة دات الانفة، و كراهية القواد للابي دي الكبر، فادن من يهاجمون سلوك اردوغان بعد الانقلاب ليس فقط لا يفهمون معنى سيادة الدول و انما لا يفهمون معنى الكرامة على المستوى الشخصي لان الكبرياء لا ينفصل و من يرفض الاساءة اليه كشخص سيرفض المس به كمواطن و العكس صحيح

  • كاره الضلام
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 11:46

    ما يقوم به اردوغان هو رفع من قيمة الانسان التركي لان كرامة المواطن من سيادة الوطن و بما انه قد تبثت خيانة و عمالة هؤلاء الموظفين بوثائق و تسجيلات فان تطهير البلد منهم لا يعجز عنه الا متهاون في الدفاع عن سيادة الوطن، اردوغان يتقن عمله و لا يتركه نصف منجز،و اتقان العمل هو المضي به الى النهاية و هدا ما يقوم به و هدا ما يغيض الغرب الدي يريد الاخر خادما و يغيض الصغار الدين لم يعرفوا الكرامة كاشخاص لكي يعرفوا معنى السيادة كمواطنين ،و يحدثونك عن المس بالديمقراطية و كانها شيئ هش يمكن لاي كان القضاء عليه متى شاء،و السؤال هنا للمتشدقين بالديمقراطية هو لمادا تصلح ان كانت بهده الهشاشة بحيث يمكن زوالها في اي وقت؟و لمادا تدعون الناس للتضحية بكل شيئ من اجل ديمقراطية لا ضمانة على استمرارها؟و كيف يكون انتقلاب عسكري اقل ضررا على اليدقراطية من معالجة اسباب الانقلاب بشكل نهائي؟ الدي لا يفهمه هؤلاء او يتجاهلونه هو ان الديمقراطية تتناقض مع القانون في جوهرها و ان ما يسمونه مسا بالديمقراطية ليس في الحقيقة سوى تطبيق للقانون و متى تعارضت الممارستان فيجب تغليب القانون على الشعارات الديموقراطوية

  • عبدو
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 13:38

    اختلاف العقليات والأفكار والمعتقد يجعل المجتمعات البشرية مختلفة فيما بينها حول أمور كثيرة وكل يؤولها حسب ما يحمله من مرجعيات ، فالإنقلاب يكون حتى داخل الأسرة ،والقبيلة وفي سائر المجتمعات الإنسانية ، والاختلاف يؤدي إلى الصراع لفرض الحق والعدل لاكن أي عدل وأي حق، كل الأطراف تدعي أنها هي التي تملك الحقيقة والحق والعدل معها وعلى الأطراف الأخرى أن تخضع لها. وهذا ما تذهب إليه دول الغرب لسيطرة على الشعوب المستضعفة ،وجعلها ضيعات من العبيد ينسلخون من هويتهم وتراثهم وتقاليدهم ،وينغمسون في تقليد أهل النفاق السياسي والديمقراطي للامبريالية الغربية والاستعمار الجديدة بدعوة الحرية وحقوق الإنسان.أو إلى إغراق المجتمعات الناشئة في التحرر من الهيمنة الغربية بالجماعات الظلامية التي تفرق المجتمع أو الدول إلى كيانات تقوم على أساس العنصرية والجنس والدين وإرجعها إلى القرون الوسطى. فالأخلاق والسلوك الإنسانية تبني على أساس السلام والمحبة الإلهية وحب الأخر واحترامه ،واحترام ملته،وأفكاره مهما كان جنسه ولونه . ليكون السعي هو التكامل والتعاون لبناء مجتمعات متماسكة يسودها الأمن والأخاء.

  • محمد
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 17:17

    شكرا لك أيها الطبيب المحترم.
    الانقلاب و الاغتصاب "كيف كيف"! أوزيد حتى الإرهاب…
    الانقلاب و الاغتصاب والإرهاب ثالوث مدنس…
    أنا أقرأ كل ماتكتب. كنت عندك ذات يوم، ليس كزبون ولكن كمرافق، ولم أر فيك هذا الكاتب المحلل للمشاكل النفسية. من خلال كتاباتك فهمت أنك تسكت أكثر مما تتكلم…
    أنا شخص يعشق تحليل الظواهر الاجتماعية والنفسية. أتقاسم معك الكثير من الأفكار. لقد رأيت بأم عيني كيف كانت أمي أعقل من أني وأحكم منه ولكن تعصبه واغتصابه لحريتها وانقلابه على حقوقها جعلها تعيش حياة تعيسة. نعم نحن شعب انقلابي مغتصب للنساء والأطفال…ونجني الثمار…ونختبئ تحت الشعارات الرنانة والأفكار الفاسدة…
    شكرا لك مرة أخرى على مقالاتك إنها في الصميم…
    شكرا هسبريس

  • أمزوغ
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 23:38

    الإسلام دين حرية الاختيار،لا يقر بالغصب أو الإكراه، ولا يعترف بما يبنى عليه، ولا يرتب عليه أي حكم سوى البطلان، فإيمان المكره لا يقبل في الإسلام، وكفر المكره لا يؤثر على إيمانه، وبيع المكره باطل، وزواج المكرهة باطل، وإمامة المكروه في الصلاة من الناس صلاته غير مقبولة. وهو ما رأيناه في فتاوى علماء عن طريق التعريض، كفتوى مالك في عدم وقوع طلاق المكره، وهو تعريض بحكام زمانه الذين كانوا يكرهون الناس على البيعة للحكام.

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 6

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 2

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية