"البريكس" والجنوب العالمي

"البريكس" والجنوب العالمي
الجمعة 1 نونبر 2024 - 19:21

شهدت القمة الـ16 لمجموعة بريكس، التي عقدت في قازان الروسية قبل أيام، انضمام خمسة أعضاء جدد إلى المجموعة، ويتعلق الأمر بكل من مصر والإمارات والسعودية وإثيوبيا وإيران. وكان من نتائج القمة فتح المجال أمام انضمام دول أخرى لهذه المجموعة، فهل أصبح البريكس يقود ما بات يُعرف بالجنوب العالمي؟ خاصة في ظل تراجع دور كيانات ومجموعات أخرى تضم الدول النامية، مثل حركة عدم الانحياز.

الملاحظ أنه، بخلاف مجموعة الدول السبع التي تقتصر عضويتها على الدول الصناعية المتقدمة، وهي دول غربية بالأساس (أمريكا وكندا ودول أوروبية واليابان)، فإن أعضاء تجمع بريكس هم، ما عدا روسيا، من دول الجنوب. كما أن أهداف تجمع بريكس تتناغم مع تطلعات دول عدة في الجنوب العالمي، ومن بين تلك الأهداف: تحقيق التنمية، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والمالي، والتبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وتبادل العملات المحلية، والعمل على إنشاء عملة موحدة وسوق مشتركة، وتعزيز فرص الاستثمار، بما من شأنه أن يُحقق توازناً اقتصادياً دولياً.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يهدف التجمع إلى تعزيز الأمن والسلام والاستقرار وتعددية الأطراف، ودفع التنمية والتعاون وصولاً إلى نظام عالمي أكثر عدالة وإنصافاً، وأوسع تمثيلاً وأكثر شمولية. من هنا، فإن الجنوب العالمي يمكنه أن يجد في هذا التجمع بديلاً محتملاً قد يساعده على مواجهة ما يعانيه من أزمات أمنية واقتصادية وصحية، بالإضافة إلى تداعيات تغير المناخ والفجوة التكنولوجية. هذه أزمات تعود أسبابها – جزئياً على الأقل – إلى هيكلة النظام الدولي الحالي ومؤسساته متعددة الأطراف السياسية والاقتصادية والمالية؛ فالدول النامية تحتاج إلى مساعدة لمواجهة تلك الأزمات، بل إن البعض يرى أن المؤسسات الدولية القائمة تعمل على إدارة تلك الأزمات أكثر من إيجاد حلول حقيقية لها، مما يؤدي إلى استمرار تلك الأزمات وتفاقمها.

هناك إذًا إدراك متزايد في الجنوب العالمي بأهمية التكاتف والتعاون، وضرورة تنويع الشراكات الدولية والبحث عن أطر جديدة يمكن أن تساعد على تجاوز ما يعانيه من أزمات. ومن هنا، يبدو أن تجمع بريكس يتطور رويداً رويداً ليصبح بمثابة “قاطرة الجنوب العالمي” نحو نظام عالمي جديد، لاسيما في ظل ما تتمتع به الدول المؤسسة (الصين والهند وروسيا والبرازيل) من إمكانات مهمة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وحتى الثقافية والحضارية. وبعد انضمام الأعضاء الجدد، أصبح هذا التجمع – وفقاً لبعض الإحصائيات – يضم نحو نصف عدد سكان المعمورة، ونحو ثلث الإنتاج المحلي الإجمالي العالمي، وربع الصادرات العالمية، ونحو 80% من إنتاج النفط في العالم، و38% من إنتاج الغاز، بالإضافة إلى استحواذه على أكثر من 50% من احتياطي الذهب والعملات.

ولعل إنشاء مؤسسات مالية في إطار تجمع بريكس، مثل بنك التنمية الجديد (DNB) وصندوق الاحتياط النقدي (CAR) برأسمال يناهز 100 مليار دولار لكل منهما، يعد أمراً هاماً يعزز الدور الاقتصادي للتجمع على المستوى الدولي. وقد تصبح تلك المؤسسات المالية تدريجياً منافساً وربما بديلاً لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تلبية احتياجات الدول النامية الماسة إلى التمويل.

من الطبيعي أن تكون هناك تحديات أمام أي تجمع دولي، ويرى محللون أن من بين التحديات التي تواجه تجمع البريكس: التوترات والخلافات السياسية بين أعضائه، والتنافس الاقتصادي بينهم، وكذلك الاختلافات الثقافية والحضارية، والاتساع الجغرافي للتجمع عبر القارات الأربع، وكذلك الاختلاف في علاقات دول التجمع مع الغرب ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص ما بين صراع وتعاون وتنافس. فضلاً عن عدم وجود آليات وأجهزة دائمة للتجمع، وعدم وجود معايير واضحة للانضمام إليه. وهناك مخاوف أيضاً من أن يتحول التوسع في الانضمام إلى عبء على التجمع وليس إضافة له، وقد يخصم من قوة التجمع ويجعله مثل منظمات دولية أخرى، كحركة عدم الانحياز أو حتى الأمم المتحدة، بما تعانيه هذه المنظمات من مشاكل وتحديات كبيرة.

إن توسع البريكس وانفتاحه على دول الجنوب العالمي من شأنه أن يعزز دور الدول النامية ويسهم في زيادة تمثيلها وصوتها على الساحة الدولية. وتزداد جاذبية التجمع لدى الدول النامية والفقيرة المتطلعة إلى التنمية الاقتصادية، وتنويع شراكاتها الدولية، وإلى نظام عالمي أكثر عدالة وإنصافاً ومصداقية. وفي ظل عدم انضمام عدد كبير من الدول لهذا التجمع بعد، يبقى التساؤل المطروح حول مدى قدرة البريكس على تعزيز جاذبيته وقيادة الجنوب العالمي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، فهل ينجح تجمع بريكس فعلاً في بناء تعددية أطراف حقيقية تراعي شواغل الجنوب العالمي؟

بالعودة إلى قمة البريكس في قازان، فإن شعار هذه القمة “تعزيز التعددية من أجل التنمية والأمن العالميين العادلين” ذو دلالة واضحة على تطلعات التجمع نحو التنمية والأمن ونظام عالمي منصف وعادل وتعددية أطراف حقيقية. وهذا من شأنه أن يرفع صوت الجنوب العالمي على الصعيد الدولي، ويعبر عن شواغله ورؤيته ومصالحه، سواء في المجالات الاقتصادية أو المالية وكذلك السياسية والاستراتيجية. هذا ما تضمنته نتائج قمة البريكس الأخيرة، التي نصت على إصلاح منظمة التجارة العالمية، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وتعزيز التعاون المالي بين دول التجمع. كما نصت على إنشاء منصات لتعزيز التعاون في مجالات النقل، والاستثمار في البنية التحتية، والزراعة، من خلال الإعلان عن إنشاء بورصة للحبوب، وغير ذلك من القرارات والإجراءات التي تعتبر بمثابة خطوات إضافية لتجمع بريكس على طريق تعزيز التضامن والتعاون بين دول الجنوب العالمي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 2

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات