البهرجة الشكلية

البهرجة الشكلية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 10:11

1- إعلام الشكليات : حين يحجب البروتوكول أسئلة المعيش اليومي.

قبل الإعلان الرسمي عن تشكيل الحكومة، سال مداد الصحافة الوطنية والدولية، وانطلقت التكهنات حول هوية من سيتولى قيادتها. غير أن قسطاً كبيراً من هذه التغطيات -ولاسيما في المجلات العالمية- جانب التحليل المنطقي وخاض في سجالات هامشية لا تسمن ولا تغني المواطن المغربي من جوع.

توقف الكثيرون عند تفاصيل بروتوكولية مبسطة، متسائلين مثلاً: كيف ستؤدي رئيسة الحكومة صلاة العيدين إلى جانب جلالة الملك؟ وكيف يستقيم ذلك مع الأعراف الدينية التي تجعل النساء خلف الرجال؟ وتمادى بعضهم في التنظير لاجتهادات فقهية تتلاءم مع البرتوكول! وفي خضم هذا اللغط الشكلي، غابت الأسئلة الجوهرية الحارقة: ماذا عن غلاء الأسعار؟ أين حلول إشكالات السكن والتعليم والصحة؟ وما هي الإجراءات العاجلة التي ستشعر المواطن المقهور بتأثير ملموس على قدرته الشرائية؟

2- التبعية الإعلامية وشعار “الجنس” كبديل عن البرامج.

لقد انساقت وسائل إعلام محلية عديدة خلف العناوين البرّاقة للصحافة الغربية، فتناست “لُب” العملية السياسية والمغزى من تعيين قيادة تنشيطية جديدة. لم تُعمّق التغطيات البحث في الآليات الكفيلة بالحد من التضخم، أو استراتيجيات خلق مناصب الشغل، أو أساليب تحفيز النسيج الاقتصادي.

انهمرت الإشادات الدولية، وخُيِّل للبعض أن مجرد حسم “جنس” رئيس الحكومة كفيل لحل الأزمات المركبة التي تواجه البلاد. تناسى هؤلاء أن المسألة في عمقها هي ممارسة دستورية صريحة؛ حيث ينص الفصل 47 من الدستور المغربي على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، بناءً على الممارسة الديمقراطية ونتائج الصناديق، لا بناءً على هدايا رمزيّة أو احتفاليات “Baby Shower” سياسية.

3- خناثة بنت بكار : درس التاريخ ضد عقدة النقص الغربية.

تتعامل بعض الأدبيات الغربية -ومن ورائها المرددون لصداها- مع حضور المرأة في مراكز القرار وكأنه اكتشاف حديث أو منحة حداثية يُمنّ بها على المجتمعات؛ وكأن المغرب لم يعرف قيادة النساء إلا في العصر الحديث!

إن قراءة بسيطة في صفحات التاريخ المغربي تُكذب هذا الطرح السطحي. ففي القرن الثامن عشر، برزت السيدة خناثة بنت بكار كأحد أعمدة الحكم؛ إذ كانت مستشارة نافذة للسلطان المولى إسماعيل ومستودع أسراره السياسية. وبعد وفاته، لعبت دوراً حاسماً في إدارة شؤون الدولة وتثبيت حكم ابنها السلطان مولاي عبد الله، ولم تثنها ظروف النفي والسجن عن أداء دورها الوطني، بل ترأست أول وفد دبلوماسي مغربي إلى طرابلس. حدث كل هذا في زمن كانت فيه المرأة في معظم الدول الأوروبية ترزح تحت قيود العبودية القانونية والوصاية الكنسية المطلقة.

4- ما يحتاجه المواطن : نجاعة الإنجاز لا الاستعراض الرمزي.

إن المغرب لا يحتاج إلى استغراق في احتفاليات رمزية تُصنع في صالونات الإعلام لأسابيع؛ فما إن تخبو جذوة البهرجة ويأفل نجم “الترند” (Trend)، حتى يجد الجميع أن قطار التنمية قد مضى وترك خلفه فرصاً هادرة. إن خطورة هذه السجالات الجانبية تكمن في كونها تزيح النقاش الجاد والموضوعي إلى الزوايا المظلمة، بينما تُرفع السطحية على منصات التطبيل.

إن المواطن المغربي البسيط -في الحواضر كما في القرى والمناطق النائية- لا تهمه كثيراً نسب التمثيلية العددية، ولا سن أصغر أو أكبر برلماني، ولا المستوى الاجتماعي أو الأكاديمي للذين يحصدون المقاعد البرلمانية، بقدر ما يهمه من سيرافع عن قضاياه بصدق تحت قبة البرلمان، ومن سيحمي قدرته الشرائية ويضمن له ولأبنائه شروط العيش الكريم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 17

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي