التاريخ المنسي

التاريخ المنسي
السبت 3 أكتوبر 2026 - 09:35

ذاكرتنا انتقائية. علمونا في المدرسة أن تاريخ المغرب بدأ سنة 789م مع الأدارسة، وحكامه كلهم رجال. ونسوا أن يعلمونا أن هذا التاريخ نفسه بدأ قبل ذلك بـ 400 سنة بملكة أمازيغية أسست أول دولة منظمة في الصحراء، وأنه توقف 35 سنة أمام ملكة أخرى هزمت جيشين عربيين.

يوم 29 شتنبر 2026، كتبت كل الصحف: “لأول مرة في تاريخ المغرب امرأة على رأس الحكومة”. الجملة صحيحة في الدستور، خاطئة في التاريخ.

الحقيقة أن ذاكرتنا هي التي تتذكر لأول مرة. أما التاريخ، فيتذكر جيداً أن المغرب حكمته تسع نساء قبل فاطمة الزهراء المنصوري. سبع منهن حكمن بسلطة الدولة: جيشها ومالها وقرارها. واثنتان حكمن بسلطة الرمز: شجاعتهن وتحليقهن.

التاريخ المنسي لا نستعيده للاحتفال، بل لتصحيح الحاضر..

أولا: الملكات المؤسسات.. جذور الدولة

1-تين هينان (القرن 4م) – ذاكرة الأصل

قبل الإسلام وقبل العرب، امرأة من صنهاجة اسمها تين هينان وُلدت كأميرة أمازيغية في منطقة تافيلالت بالمغرب، قادت قافلة من الجنوب إلى الهكار وأسست مملكة الطوارق. قبرها في أبلسة لا يزال شاهدا.

ما تقوله الذاكرة: الأرض المغربية كانت أمازيغية قبل أن يدخلها الإسلام. وأول من نظم صحراءها امرأة. الرسالة اليوم: لا يقرأ المغرب من الرباط وحدها، بل من عمقه: من الصحراء إلى الجبل إلى المحيط.

2- ديهيا – “الكاهنة” (665-700م) – ذاكرة السيادة

ملكة أمازيغية من الأوراس، وحدت القبائل من ليبيا إلى وادي ملوية وهزمت حسان بن النعمان مرتين. عندما أيقنت بالهزيمة، أحرقت المحاصيل وقالت: “هم يريدون الذهب ونحن نريد الأرض”. كانت أول استراتيجية أرض محروقة.

ما تقوله الذاكرة: سقطت ديهيا لأنها رفضت المساومة على السيادة. السقوط ليس دائما ضعفا إذا كان رفضا للمساومة. الرسالة اليوم: السيادة قرار بحرق الريع لا بخطاب عن السيادة.

ثانيا: الملكات البانيات.. جوهر الحكم

3-كنزة الأوربية (791-803م) – ذاكرة الاحتضان

اغتيل إدريس الأول مسموماً. كادت الدولة أن تنتهي وهي في بدايتها. زوجته كنزة، أميرة أوربة، كانت حاملاً. بقيت، ولدت إدريس الثاني وربته 12 سنة وجمعت بيعة القبائل له.

ما تقوله الذاكرة : لولا امرأة احتضنت الدولة في مهدها لما كان هناك مغرب الأدارسة. واليوم 62% قاطعوا الانتخابات لأنهم لم يجدوا من يحتضنهم. الرسالة اليوم: قبل الإصلاح، استعادة الثقة.

4-فاطمة الفهرية (859م) – ذاكرة ما يبقى

ورثت مالاً كثيراً، فلم تشترِ قصراً. بنت جامع القرويين الذي صار أول جامعة في العالم تعمل منذ 1167 سنة.

ما تقوله الذاكرة: حكومات الرجال بنت الموانئ والطرق والملاعب. وهي مهمة. لكن الفهرية تذكرنا أن ما يبقى هو المدرسة التي تحترم التلميذ. الرسالة اليوم: الحكومات تنتهي، وما يبقى هو الإنسان.

5-زينب النفزاوية (1070م) – ذاكرة الفكرة

يوسف بن تاشفين يملك الجيش لكنه تائه في أغمات. زوجته زينب تقول له: “اترك أغمات وابنِ مدينة في السهل”. فبنى مراكش..

ما تقوله الذاكرة: يوسف هو السيف وزينب هي العقل. كانت تدير المالية والديبلوماسية وهو يحارب. الرسالة اليوم: السلطة بلا فكرة واضحة تتحول إلى تسيير أعمال.

ثالثا: الملكات الحاكمات.. فن البقاء

6- السيدة الحرة (1515-1542) – ذاكرة الاستقلالية

عائشة بنت علي بن رشيد حكمت تطوان 27 سنة وحدها، تملك 20 سفينة وتفرض الجزية على البرتغال وإسبانيا. تزوجت سلطان المغرب واشترطت في العقد أن يأتي هو إليها إلى تطوان. فجاء..

ما تقوله الذاكرة: السيدة الحرة سقطت بانقلاب لأنها رفضت التبعية. الرسالة اليوم: أن تبقى تابعا وتحافظ على الكرسي. أو أن تكون حرا وسيد قرارك وتدخل التاريخ.

7- خناثة بنت بكار (1727-1746) – ذاكرة القرار

بعد موت مولاي إسماعيل، 7 سلاطين في 10 سنوات. من كان يحكم؟ خناثة بنت بكار. “هي التي تدبر أمر الدولة، تعزل وتولي”. والسفراء يأتون لخيمتها قبل قصر السلطان.

ما تقوله الذاكرة: خناثة لم يكن عندها دستور ولا أغلبية، كان عندها قرار. الرسالة اليوم: قرار واحد يلمسه الناس في أول 100 يوم أهم من مائة قانون.

رابعا: حاكمتان بسلطة الرمز.. الشجاعة والتحليق

8-مليكة الفاسي (1944) – ذاكرة الشجاعة

المرأة الوحيدة بين 66 رجلاً وقعت وثيقة الاستقلال. كانت تعلم أن التوقيع يعني الاعتقال أو النفي.

ما تقوله الذاكرة: التاريخ لا يصنعه من يملك الأغلبية، بل من يملك شجاعة التوقيع وحده عندما يصمت الجميع. الرسالة اليوم: لحظات الوطن الفارقة لا تحتاج إلى إجماع. تحتاج إلى توقيع شخص واحد شجاع يسبق الجميع.

9- ثريا الشاوي (1956) – ذاكرة التحليق

عمرها 15 سنة وقادت طائرة أمام الملك الراحل محمد الخامس. أول ربانة عربية. اغتيلت بالرصاص سنة 1956 وعمرها 20 سنة لأنها حلقت أعلى من سقف زمانها.

ما تقوله الذاكرة: ثريا لم تطلب الإذن كي تحلق، فحلقت. ففتحت السماء لكل النساء بعدها.. الرسالة اليوم: التغيير الحقيقي لا يأتي باحترام السقف، بل بكسره.

الخلاصة:

قبل فاطمة الزهراء المنصوري 9 وصايا على كرسي الحكم: الأصل تين هينان، والسيادة دهيا، والاحتضان كنزة، وما يبقى الفهرية، والفكرة زينب، والاستقلالية السيدة الحرة، والقرار خناثة، والشجاعة مليكة، والتحليق ثريا.

المنصوري ليست الأولى. هي الوريثة لتاريخ عمره 16 قرنا.

إما أن تقرأ وصايا جداتها التسع وتعيد كرامة المغربي التي بنتها النساء قبل أن يبني الرجال الأسوار. وإما أن تكون مجرد أول رئيسة حكومة في تاريخنا المعاصر، وآخر حاكمة فعلية في تاريخنا المنسي.

-أستاذ التعليم العالي-الرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 13

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 17

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي