التربية الجنسية من منظور فقه الطهارة

التربية الجنسية من منظور فقه الطهارة
الأحد 2 يونيو 2013 - 14:56

من الكتب الأولى، في مصنفات الفقه الإسلامي، كتاب الطهارة؛ الذي يتفرع إلى باب المياه، وباب الوضوء، وباب الغسل، وباب التيمم، و باب المسح، وباب الحيض.

أكثر المسلمون الحديث عن أحكام الطهارة، لكنهم أقلوا الحديث، عن فلسفة الطهارة في الإسلام، وآثارها الحضارية على الفرد والمجتمع، ما الحكمة أن تبدأ مصنفات الفقه الإسلامي بالحديث عن الماء؟ ما المقصد من تناول طهارة البدن في الأبواب الأولى؟ ما الغرض في التأكيد على الطهارة بالتيمم، في حالة انعدام الماء و المرض؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح في هذا الموضوع، لكن ما أريد تناوله، هو موضوع الغسل من الجنابة، لا لكي أحكي لكم عن فرائضه، ومسنوناته، ومواجباته و كيفياته، ليس غرضي هذا، يمكنكم أن ترجعوا إلى كتب الفقه، وإنما أريد أن أقدم تناولا جديدا، لهذا الموضوع، من زاوية ابتكار منهجية تدريسية، تواكب مستجدات العلوم الحديثة.

من دون شك أن تلاميذ الابتدائي، تلقوا دروسا في مادة التربية الإسلامية حول “الوضوء الأكبر” أو الغسل من الجنابة والحيض والنفاس..، لكن تناول هذا الموضوع يواجه بتحديين:

الأول: انعدام وسائل البيان و التوضيح للمادة المدروسة، وذلك بتوظيف صور طبية، أو الاستعانة بفيديو، يوضح التركيب الخِلقية، للجهاز التناسلي للمرأة و الرجل، أو الاستعانة بشروحات أستاذ مختص في الموضوع.

الثاني: غياب الإطار المنهجي، الناظم لفسلفة الطهارة في الإسلام و مقاصدها، و التي يمكن أن تشكل إجابة معاصرة، لأسئلة ملحة في ميدان التربية الجنسية من جهة الموضوع و المنهج و الغايات.

هذان التحديان أسهما في ترسيخ فكرة، إبان فترة التعليم الابتدائي، أن القصد من رفع الجنابة هو إقامة الصلاة، فلا صلاة بدون رفع حدث أصغر أو أكبر، و هذا صحيح، لكن المتأمل يصل إلى أن ” الاغتسال من الجنابة”، هو درس تربوي عميق يقدم رؤية الإسلام للغريزة الشاهية، و للجسد بصفة عامة، و لبيان ذلك يمكن أن نشير إلى ما يلي على مستويين:

المستوى الأول: لو دُرس فقه الاغتسال من الجنابة للذكر و الأنثى، من خلال صور تشريحية توضيحية، لخلصنا إلى النتائج الآتية:

– سيتلقى التلميذ معلومات علمية مفيدة من طبيب مختص في التناسل، دون أن يقرأ في كتب الفقه القديمة، تعريف المذي و الودي..ولا يفهم معناهما، و أن تقرأ البنت عن الحيض دون أن تفهم أسبابه و مدده الزمنية..

– كما أن هذه الدروس الطبية في هذا المجال الجنسي، ستبين مدى خالقية الحق سبحانه، و الحكمة التي أرادها من هذا الخلق، فالتلميذ سيجد نفسه في حصة موضوعها الجهاز التناسلي للمرأة و الرجل، لكن بمنهجية التفكر، و في أنفسكم أفلا تبصرون!

المستوى الثاني: إن هذه الثقافة الطبية ستكون مؤطرة بفلسفة الإسلام في الطهارة، و التي يمكن أن نشير إلى بعض معالمها في ما يلي:

– يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان على جنابة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه اختبأ، فذهب و اغتسل، و عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أين كنت؟ قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال النبي عليه السلام: سبحان الله، إن المؤمن لاينجس !

هذه الواقعة تبين لنا فهم أبي هريرة رضي الله عنه للغريزة، هذا الفهم الذي يعتبر الجنابة نجاسة، لكن النبي صلى الله عليه سلم بين أن النجاسة لا علاقة لها بالجنابة – و إلى اليوم في واقعنا المغربي هناك من يصف نفسه أنه “منكوس” بمعنى أنه على جنابة- وكأن خروج المني بمثابة اقتراف معصية أوجبت النجاسة، و هذه اللذة تستحق الازدراء و الاحتقار، غير أن الإسلام ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى.

– إن فلسفة الطهارة في الإسلام، لها دلالات نفسية و معنوية أكثر منها حسية، وما يدل على ذلك؛ التأكيد على التقليل من الماء و اعتباره من السنن، فلو كانت الطهارة ذات بعد حسي لسن الإكثار من المياه لإزالة الأوساخ، غير أن ذلك لا يكون في الطهارة، بقدر ما يقوم المسلم بتنظيف الأوساخ الكثيرة، خارج الوضوء الأصغر أو الأكبر، وما يدل على معنوية الطهارة، هو سن هذه العبادة العظيمة، عبادة “التيمم” و يسميها الطاهر بن عاشور ب”العبادة الوهمية”، فالتميم بالتراب، لا ينظف من الأوساخ شيئا، كل ما في الأمر، أنك توهم نفسك بالطهارة، و من الغريب أن نجد الكثير من الناس، يتوضؤون بالحجر كما يتوضؤون بالمياه، يقومون بفرك الحجارة، ويريدون إخارج المياه منها، ولايدركون أن فسلفة الطهارة، هي طهارة قلبية معنوية، و قريبا من هذا المعنى؛ في موضوع ترسخ في ثقافة الناس أنه مادي يقول تعالى:” خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم و الله سميع عليم” التوبة 103.

– إذا كان الإسلام لاينظر إلى الغريزة على أنها نجاسة، وأن الطهارة ليست تنظيفا للدنس الحسي، فإن الطهارة بمعنى الاغتسال من الجنابة..، هي ترقية و تزكية للنفس البشرية، التي قد تسقط في مواهي الشهوات دون أن ترتقي، والطهارة هي ميزان الاعتدال بين كل دورة شهوانية، فصب الماء على سائر الجسد، بنية التعبد إلى الله و الاستعداد للصلاة، هو إشعار لهذه اللذة بمحدوديتها وضآلتها، إذ هي ليست مرتكز الإنسان و مرجعيته النهائية، فهو ليس منها و إليها، بل ينتقل من أسفل الطين إلى أعلى الروح، لكنه يعود مرة إلى شهوة الطين ويصعد مرة أخرى إلى معارج الغيب..، فهذه الانتقالات؛ هي التي تشكل هوية الإنسان المركبة، و ما الطهارة إلا محطة انطلاق و تزكية و ارتقاء و تجديد..

إننا اليوم في حاجة ماسة، إلى تربية النشء، تربية تهذب غريزتهم الشاهية، و يمكن لمادة التربية الإسلامية، أن تسهم بحض وافر، في هذا المشروع، الذي هو مشروع المستقبل، نظرا للتحديات الكبيرة، التي تواجه أطفال اليوم. و لا تقدم التربية الإسلامية نفسها، الوكيل الحصري لخوض غمار هذه التجربة، ولكن كل ما في الأمر؛ أنها تحاول قدر اجتهاد أهلها، في تبيان إمكانياتها التربوية، ولهذا أحببنا أن نشير إلى أنه يمكن أن نعيد النظر، في تدريس فقه الطهارة، بطريقة تواكب العصر، و تجيب عن أسئلته، دون الإخلال بأحكام الشريعة.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • ۞ DARIJAOUI ۞ MAMESLEMCH ۞
    الأحد 2 يونيو 2013 - 15:22

    نسيتي واحد الدرس إسلامي فالتربية الجنسية كيعطيه الغسل: الحب والجنس وسخ خاسك تغسل راسك منو.

    را بسيف الدول اللي فيهم أكبر نسبة ديال التحرش الجنسي هوما الدول اللي فيهم أكبر نسبة ديال التدين الإسلامي، بحال مصر وأفغانستان. الدري كيربيوه واليديه والمجتمع ديالو باللي الجنس خيب وموسخ، ومللي كيبدا يكبر كيبدا يحس باللي الجنس حاجة مزيانة، كيتخلطو عليه العرارم والنتيجة كنشوفوها.

  • عبد الله
    الأحد 2 يونيو 2013 - 15:27

    أنا مجاز في الدراسات الإسلامية.

    مقال فيه أفكار جيدة.

    أي محاولة لتجديد الدين ، وتجديد نظرتنا إليه مقبولة بالنسبة إلي.

    شكرا.

  • Youssef
    الأحد 2 يونيو 2013 - 15:54

    احسنت يا استاذ مصطفى، بالفعل يجب اعادة النظر في البرامج التربوية و طريقة تلقينها

    تحية طيبة من ثانوية الاندلس

  • غير خودوني لله..
    الأحد 2 يونيو 2013 - 16:07

    " إننا اليوم في حاجة ماسة، إلى تربية النشء نظرا للتحديات الكبيرة، التي تواجه أطفال اليوم"
    بهذا إستطاع الكاتب إيجاد الحل الامثل لحل معضلة التعليم ببلادنا وفي ظرف وجيز إن شاء الله وبفضل بيداغوجية "عبادة التيمم وفرك الحجارة" سنتمكن ليس فقط من اللحاق بالامم المتحضرة فسوف نتجاوزنها على الاقل بسنة ضوئية
    وسنحضى بسياحة تعليمية أي ستتوالى على بلادنا بعثات من كل بقاع العالم لمعرفة سر نجاح تعليمنا والاطلاع على وصل اليه من وسائل الايضاح لتفسير كيفية الطهارة من الجنابة بالمباشر
    أنا مزاوg فيك آسيدي ياربي جيبني حداك راني عييت من هاد الشيئ
    غير خودوني لله غير خودوني

  • هدى
    الأحد 2 يونيو 2013 - 16:51

    رؤية جميلة لمفهوم الطهارة في الإسلام ، ليت المسلمين يفهمون ذلك، جزاك الله خيرا

  • منير
    الأحد 2 يونيو 2013 - 17:00

    لم يقل أحد من الفقهاء أن الجنابة نجاسة . بل يقولون انها صفة حكمية تمنع صاحبها من أداء الصلاة وغيرها . فلا يجوز نسبة أخطاء الناس وجهلهم الى الفقهاء . ولا مانع من الاستعانة بالوسائل الرقمية في تقريب الفقه الاسلامي الى النشء وغيرهم على حد سواء . اما بخصوص أن الفقهاء أكثروا من الحديث عن الطهارة دون حكمها -فلسفتها- فتجنبا للتطويل وبعدا عن الحشو والاستطراد .

  • المهدي
    الأحد 2 يونيو 2013 - 17:12

    '' أكثر المسلمون الحديث عن أحكام الطهارة، لكنهم أقلوا الحديث، عن فلسفة الطهارة'' صحيح لماذا ؟ لأن أحكام الطهارة من الإسرائيليات بمعنى أن كتاب الطهارة يكاد يكون نسخة طبق الأصل لكتاب الطهارة عند اليهود .القران الكريم لم يتحدت عن الطهارة إلا في نص وحيد .
    وإذا كانت "فلسفة الطهارة في الإسلام، لها دلالات نفسية و معنوية أكثر منها حسية" فلماذا الإصرار على تعليم النشئ الطهارة بمفهومها المادي.. الأجدى أن نطالب بتربية جنسية صحيحة .. لا حرج في قول هذا عوض الإختباء وراء الطهارة.

  • SIFAO
    الأحد 2 يونيو 2013 - 19:46

    المستحيل الصحيح والعجيب الخلاب في فلسفة الطهارة !
    يتغوط أو يتبول الواحد منا فيصبح نجسا يمنع من العبادة ، الصلاة غير جائزة ، والكتاب لا يمسه الا المطهر، يؤذن المؤذن ، الله اكبر الله اكبر ، يدعوه للصلاة ، فيضرب ييده على تراب أو حجارة فيصير طاهرا نقيا تُقبل منه العبادة ، لا يهم ان كان التراب اوالحجر قد تلوث بفعل فاعل أكان بشرأ أو حيوانا ، المهم هو النية الصادقة ، اي علم يمكن ان يُفسر هذا ؟ مصدر الثلوث لم يُمس بسوء ، بقي خارج التغطية ، مثل اجراء عملية جراحية بالليزر، استئصال المرض دون فتح أو جرح الجثة ، هذا هو الاعجاز العلمي في القرآن و فقه السنة الذي لا يفهمه العالم ولا العلماني ، اشعة الليزر اكتشفها ابو هريرة وأنتجتها أمريكا ، الباب الأول من فلسفة الطهارة ، مسكين ! مفهوم الفلسفة راح وضاع .
    " المؤمن لا ينجس" حديث لم يفهمه ابو هريرة بسرعة ، ثقيل الفهم ، محمد كان يلمح له أن لا مشكلة ، الغسل اوالتيمم فرض على عامة الناس وليس فرضا على النخبة ، عددهن كثير، راحة تامة وأجواء نكاحية ، صعب جدا أن يتطهر الواحد بعد كل نكحة.
    تقليل الماء من سياسة ترشيد الاستعمال ، فهو شحيح ، يستعمل فقط عند الضرورة

  • هشام
    الأحد 2 يونيو 2013 - 20:39

    في نظري ,و في غياب وعي جنسي بطريقة علمية من طرف أغلب الاباء و الأمهات في المغرب فيجب تدريس التربية الجنسية منذ المرحلة الاعدادية على الأكثر لكي يعرف المراهقون و المراهقات جسدهم و كيفية عمله و الحفاظ عليه و التعامل معه بطريقة صحية و علمية..الجنس شيء طبيعي كالأكل و الشرب و النوم و يجب ايصاله بالشكل الصحيح لكي لا يكون موضوعا *طابو* لانه كل ممنوع مرغوب و كلما تكتمنا عنه و أهملناه كلما زاد فضول المراهقين في البحث عنه كما أن الكبت دائما ما يؤدي لعكس ما يرجى منه.من الأفضل أن يحصل التلميذ على تربية جنسية بطريقة أكاديمية صحيحة و غير خادشة للحياء على أن يتعلمه بطريقة خاطئة و مشوشة و غير سليمة من الأفلام و الشارع

  • عبد العليم الحليم
    الإثنين 3 يونيو 2013 - 02:19

    بسم الله الرحمان الرحيم

    لا أقصد الإسائة
    لنسعى الى

    بناء فلسفة فقه الطهارة من التربية الجنسية الغربية

    والتربية على فلسفة العفة وطهارة البصر

    وفلسفة طهارة الحياة الزوجية والتربية الخلقية

    وفلسفة التربية التحديثية الأصيلة والطهارة من فلسفات الحداثة التغريبية

    الإمبريالية

    والطهارة من فلسفة الإنهزام الحضاري أمام الفكر الغربي

    قال الإمام مالك:"لايصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"

    الدين يؤخذ من القرآن الكريم والسنة الثابتة

    والقرآن يفسر بالقرآن ومالم يوجد في القرآن تفسيره فإنه يفسر بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن السنة السنة شارحة للقرآن ومبينة له قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون }
    وما لم يوجد تفسيره في السنة فإنه يُرجع فيه إلى تفسير الصحابة لأنهم أدرى بذلك لمصاحبتهم رسول الله عليه السلام وتعلمهم على يديه وتلقيهم القرآن وتفسيره منه حتى قال أحدهم:ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف معانيهن والعمل بهن
    وما لم يوجد له تفسير عن الصحابة فكثير من الأئمة يرجع فيه إلى قول التابعين لتلقيهم العلم عن صحابة

صوت وصورة
احتجاج سائقي طاكسيات الرباط
الأحد 8 نونبر 2026 - 16:22 4

احتجاج سائقي طاكسيات الرباط

صوت وصورة
حقوقيون يحتجون في تيفلت
الأحد 8 نونبر 2026 - 14:35 1

حقوقيون يحتجون في تيفلت

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10 2

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 16

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 24

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل