التزييف العميق والأمن القومي

التزييف العميق والأمن القومي
الجمعة 17 يوليوز 2026 - 00:46

مقدمة: عقيدة الحروب الحديثة وفراغ الفضاء الرقمي

لم تعد عقيدة الحروب الحديثة في القرن الحادي والعشرين تقتصر على المواجهات الكلاسيكية ذات الأبعاد المرئية؛ بل انتقلت نحو ما يُصطلح عليه بـ”حروب الجيل الخامس” أو “الحروب الهجينة” (Hybrid Warfare). في هذا الفضاء الافتراضي المعقد، أضحى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحديداً تقنية “التزييف العميق الموجه” (Targeted Deepfakes)، سلاحاً استراتيجياً هجومياً يُستغل لتزييف الحقائق، واستهداف رموز المؤسسات السيادية، وبث الشائعات الممنهجة بغرض زعزعة الاستقرار الداخلي وتوجيه الرأي العام. وأمام هذه الديناميكيات المتسارعة، بات من الضروري مقاربة هذا التهديد التقني ليس فقط من زاوية تقنية الصرف، بل من منظور “السيادة القانونية والقضائية” لحماية الأمن القومي للمملكة.

أولاً: “التزييف العميق الموجه” والتكييف القانوني في التشريع الجنائي

تكمن الخطورة البنيوية لتقنية “التزييف العميق الموجه” في قدرتها على إنتاج محتويات مرئية وصوتية تحاكي الواقع بدقة تامة، مما يصعب على المواطن العادي التمييز بين الحقيقي والمفبرك. من الناحية القانونية الصرفة، يواجه التشريع الجنائي المغربي الحالي تحدياً في مواجهة هذه الجرائم الهجينة. فالنصوص الحالية المتعلقة بـ”بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بهدف المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم” (وفق مقتضيات القانون الجنائي وقانون الصحافة والمنشورات)، تظل مقاربة تقليدية ضيقة وقاصرة.

إن التزييف الذي يستهدف مسؤولي المؤسسات الأمنية، العسكرية، أو السيادية للدولة، يتجاوز تكييف “السب والقذف والتشهير”؛ إنه يرقى بنيوياً إلى مرتبة الجرائم الماسة بـ**”سلامة الدولة الداخلية والخارجية”، و”المؤامرات التي تستهدف تقويض النظام العام”**. فالهدف من هذه الهجمات الرقمية غالباً ما يكون مدفوعاً بأجندات خارجية ويدار عبر خوادم (Servers) عابرة للحدود، مما يجعلها عملاً عدائياً منظماً وليس مجرد جنحة نشر عادية.

ثانياً: قراءة في نجاعة الترسانة التشريعية الحالية (القانون 05.20 والقانون 09.08)

لقد قطع المغرب أشواطاً هامة في مأسسة أمنه الرقمي من خلال إقرار القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، والذي وفر إطاراً حمائياً للمنشآت ذات الأهمية الحيوية، إلى جانب القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. ورغم أهمية هذه النصوص، إلا أنها أُعدت في سياق تقني سابق للاستخدام الكثيف والمجاني للذكاء الاصطناعي التوليدي.

إن الثغرة التشريعية الراهنة تتجلى في غياب مساطر زجرية مستعجلة تفرض “مسؤولية قانونية تضامنية” على المنصات الرقمية العالمية (مثل ميتا، إكس، تيك توك). فالقانون الحالي لا يمتلك آليات إلزامية تجبر هذه الشركات العابرة للقارات على الحذف الفوري واللحظي للمحتويات المزيفة التي تصنف كـ”تهديد داهم للأمن القومي”، مما يترك هامشاً زمنياً كافياً لانتشار الشائعة وتحقيق أهدافها التخريبية قبل صدور أي أمر قضائي أو تفنيد رسمي.

ثالثاً: “الحرب القانونية” (Lawfare) وإشكالية الولاية القضائية الدولية

تطرح ملاحقة صناع التزييف العميق المقيمين خارج أرض الوطن معضلة “التنازع الدولي للاختصاص القضائي” (Jurisdiction). وهنا يبرز مفهوم “الحرب القانونية” (Lawfare) كأداة لردع الخصوم. يجب على السياسة الجنائية المغربية تفعيل مبدأ “الاختصاص العالمي المحدود” أو “الاختصاص المبني على النتيجة”؛ بحيث تملك النيابة العامة المغربية الحق القانوني في ملاحقة أي شخص أو جهة، بغض النظر عن جنسيتها أو مكان تواجدها، إذا كانت الجريمة الرقمية المرتكبة تستهدف بشكل مباشر استقرار المملكة أو سلامة مواطنيها.

هذا الأمر يتطلب الانتقال بالاتفاقيات القضائية الدولية والأمنية الثنائية، وكذا المعاهدات متعددة الأطراف (مثل اتفاقية بودابست المتعلقة بالجريمة المعلوماتية)، إلى مستويات متقدمة تتيح التجميد السريع للحسابات البنكية الرقمية التي تمول هذه الحملات، وتسهيل المساطر القانونية لتسليم “المجرمين الرقميين”.

رابعاً: توصيات استراتيجية لبناء “الدرع القانوني والتقني” للمملكة

بناءً على هذا التحليل، نخلص إلى تقديم ثلاثة خيارات سياساتية وتوصيات عملية يمكن لصانع القرار الأمني والتشريعي اعتمادها لتأمين السيادة الرقمية:

الملاءمة التشريعية المستعجلة: إقرار قانون ملحق أو تعديل صريح في مجموعة القانون الجنائي يجرم تحديداً “صناعة، ترويج، أو تمويل محتوى مزيف عبر الذكاء الاصطناعي يمس بالمؤسسات السيادية والأمن القومي”، مع تشديد العقوبات لتصبح جنائية ثقيلة عوض العقوبات الجنحية الحالية.

السيادة التكنولوجية الاستباقية: دعم الاستثمار الوطني في برمجيات “كشف التزييف” (Deepfake Detection Tools) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لتمكين خلايا اليقظة من رصد الفيديوهات والتسجيلات المفبركة في ثوانيها الأولى وقبل انتشارها على نطاق واسع.

مأسسة “الادعاء العام الرقمي”: إحداث خلايا مشتركة دائمة وعالية التنسيق تضم قضاة من النيابة العامة، وخبراء من المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، وممثلي الأجهزة الأمنية، تكون مهمتها التحرك القضائي الفوري والآلي، ورفع دعاوى مستعجلة ضد المنصات الدولية التي ترفض التعاون في محاصرة المحتويات المزيفة الموجهة ضد مصالح المملكة.

خاتمة:

إن حماية الأمن القومي للمملكة المغربية في عصر الحروب الهجينة لم يعد مقتصراً على تأمين الحدود الجغرافية، بل بات يتطلب بالأساس تأمين “الحدود الرقمية والتشريعية”. وبصفتنا فاعلين في منظومة العدالة، فإن واجب اليقظة القانونية يفرض علينا المساهمة في تحصين هذه الجبهة، لضمان ألا يتحول الفضاء الرقمي إلى خاصرة رخوة تُستغل لضرب المكتسبات السيادية للمملكة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة