التكامل المغربي الإماراتي يرسخ نموذجا ناجحا للتعاون العربي المعاصر

التكامل المغربي الإماراتي يرسخ نموذجا ناجحا للتعاون العربي المعاصر
صورة: و.م.ع
الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:00

اكتسب آخرُ لقاء جمع قيادتَي المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة أبعادا استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما في ظل التحولات الجيو-سياسية المتسارعة التي تشهدها منطقتَا الخليج العربي والشرق الأوسط.

ويأتي لقاء قائدي البلدين في الرباط، أمس الثلاثاء، حسب ما أعلنه بلاغ للديوان الملكي المغربي، ليكرّس مرحلة متقدمة من “التشاور الاستراتيجي بين الحلفاء”، متجاوزا منطق العلاقات الدبلوماسية التقليدية نحو بناء شراكة استراتيجية فاعلة وقادرة على التأثير الإيجابي في التوازنات الإقليمية والدولية، مرتكزا على إرث تاريخي متين وتكامل ونوعي يجمع ثقل دبلوماسيتَيْ البلدين وموقعهما الجيو-استراتيجي.

مواقف متناغمة

في قراءته لأبعاد هذه الدينامية المتجددة، يرى الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض باحث غير مقيم بمركز “تريندز” للبحوث والاستشارات، أن “الزيارة الأخيرة الخاصة لرئيس دولة الإمارات إلى المغرب لا يمكن عزلها عن مسار تطور العلاقات الثنائية، وهي علاقات تاريخية وطيدة تمتد لأكثر من نصف قرن من التواصل الأخوي المتجدد”.

وأوضح لكريني، ضمن تصريح لهسبريس حول الموضوع، أن هذه الروابط “شهدت زخما كبيرا وتعاظما ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، شمل المستويات الاقتصادية، والدبلوماسية، والثقافية، والأمنية، بفضل وجود إرادة سياسية قوية وصادقة من قائدي البلدين، مما جعل هذا التعاون يقدم نموذجا حيا ومثاليا للعلاقات الإقليمية المبنية على تبادل المصالح المشتركة وتناغم المواقف”.

من جانبه، يشاطره المنظورَ نفسه محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، مؤكدا أن “البعد الجغرافي لم يكن يوما عائقا أمام بناء شراكات قوية ومتعددة الأبعاد مع دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات”.

وفي حديثه لجريدة هسبريس، أضاف بوبوش أن “الزيارة المعلن عنها في بيان للديوان الملكي تمثل تكريسا لشراكة تاريخية متجذرة ومؤسَّسية، تندرج في سياق تفعيل إعلان الشراكة المبتكرة والمتجددة والراسخة، الموقّع بين البلدين في أبو ظبي عام 2023، بحضور وفد مغربي وازن”.

كما قرأ فيها أيضا دلالةَ “الانتقال بالعلاقات من مرحلة التعاون الثنائي التقليدي إلى مرحلة “التحالف الاستثماري الهيكلي”، بتوصيفه.

ولفت إلى أهمية “تنسيق الدبلوماسية الواقعية والبراغماتية لمواجهة البيئة الدولية والمناخ الاقتصادي المضطرب”، وهو ما تجلى في لقاء الملك محمد السادس برئيس الإمارات محمد بن زايد.

“دبلوماسية التوازن”

يقوم التحالف المغربي الإماراتي على مبدأ المعاملة بالمثل والدعم المطلق للقضايا السيادية؛ إذ أبرز إدريس لكريني “استثمار البلدين للمحافل الدولية لتجديد مواقفهما الثابتة”.

ويتجلى ذلك في مغربية الصحراء؛ إذ يُثمن المغرب الموقف الإماراتي الراسخ والمبدئي الداعم لوحدته الترابية، الذي تُوّج بفتح قنصلية عامة لدولة الإمارات بمدينة العيون عام 2020، بجانب المبادرات التضامنية الإنسانية كإرسال فريق إنقاذ إماراتي إبّان زلزال الحوز سنة 2023.

كما شدد الأستاذ الباحث عينه على موقف الرباط الثابت في دعم سيادة الإمارات على جُزرها الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) المحتلة من طرف إيران.

واستحضر المصرح لهسبريس أن “أمن الخليج خط أحمر” بالنسبة للمغرب الذي أدان مرارا الهجمات الإرهابية لجماعة الحوثي والاعتداءات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت المنشآت الإماراتية، معتبرا إياها مسا مباشرا بالأمن القومي العربي، مؤكدا على “الربط العضوي” والاستراتيجي بين أمن المملكة المغربية وأمن منطقة الخليج بصفة عامة.

وبينما تتطابق وجهات نظر الرباط وأبو ظبي تجاه القضايا الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في ظل حالة عدم الحسم والتوترات المتصاعدة الناجمة عن الحرب في المنطقة والتصعيد مع إيران، سجل بوبوش أن الجانبين “يتبنيان رؤية موحدة تفضل الحلول السياسية السلمية للأزمات (كالملف الليبي والسوداني)، ومكافحة التطرف، ورفض التدخلات الأجنبية في الشؤون العربية، فضلا عن “تأمين الملاحة الدولية”.

كما تشكل القضية الفلسطينية محورا أساسيا في التنسيق المشترك، كامتداد لنتائج الزيارة الملكية إلى أبوظبي أواخر 2023. ويسعى البلدان من خلال “دبلوماسية التوازن” إلى انتهاج سياسة خارجية براغماتية تعتمد على تنويع الشراكات الدولية مع القوى الكبرى دون الانحياز إلى محور معين، مما يمنحهما هامش مناورة أوسع في المحافل متعددة الأطراف (كالأمم المتحدة) للدفاع عن قضايا الجنوب العالمي مثل الأمن المائي، والأمن الغذائي، والتغير المناخي.

ارتقاء بالشراكة الاقتصادية

تُترجَم الإرادة السياسية المشتركة إلى مشاريع سيادية كبرى تعزز البنية التحتية والتحول الطاقي. وفي هذا الصدد، أكد الأستاذ محمد بوبوش أن “اللقاءات المباشرة بين القيادتين تسعى لتسريع وتيرة الاستثمارات الإماراتية في قطاعات استراتيجية بالمملكة، أبرزها “ميناء الداخلة الأطلسي”، وشبكات القطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في جهات وأقاليم مغربية عديدة تشمل أيضا الصحراء المغربية.

ولا تقتصر هذه الشراكة على النطاق الثنائي، وإنما تمتد-بحسب الخبير في العلاقات الدولية–لتشكل “محورا تنمويا يربط الخليج العربي بالفضاء الإفريقي-الأطلسي”.

ويمثل المغرب، من هذا المنظور، “بوابة استراتيجية نحو غرب إفريقيا؛ إذ يتشاور قائدا البلدين بانتظام حول منطقة الساحل وصياغة مواقف مشتركة تدعم المشاريع الإقليمية الضخمة كأنبوب الغاز النيجيري-المغربي والمبادرة الأطلسية”، وهو ما يصفه بوبوش بـ”السعي المشترك لتوسيع الحضور الاقتصادي والسياسي الإيجابي” في القارة الإفريقية.

وأجمع المتحدثان لهسبريس على أن التراكم التاريخي والسياسي للعلاقات المغربية الإماراتية يتجاوز عوائق الجغرافيا ليصيغ أرضية متجددة للعمل العربي المشترك، خالصَيْن إلى أن هذا اللقاء يمثل “تحالف الضرورة الاستراتيجية والاستقرار”، حيث يسهم التكامل بين الثقلين في إفراز قطب عربي معتدل وقادر على مواجهة الإشكاليات الهيكلية التي يعاني منها النظام الإقليمي العربي، مقدما نموذجا ناجحا للتنمية والاعتدال السياسي في منطقة مضطربة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • mohamed amine ka
    الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:07

    كاين تقارب كبير جدا و شراكة متجدرة عميقة بين البلدين الشقيقين و على كل الأصعدة ، لما لا نستفيد من ثمن تفضيلي للبترول و الغاز ليعم الرخاء بالبلاد و العباد

  • صلاح
    الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:12

    ربما بعد ما حدث من تطورات مؤسفة في الخليج اصبح من الضروري تعميق العلاقة المغربية الخليجية بصفة عامة و مع الاخ و الشقيق الاماراتي بصفة خاصة لما لا البحث في التكامل الاقتصادي و حتي الجغرافي الشراكات القديمة اصبحت لا تلاءم الوضع الحالي الامارات اصبحت عندها خبرة عالمية في الكثير من المجالات و يجب الاستفادة منها اما موقع المغرب المتميز يمكن البناء عليه كمنصة لتطوير التجارة الافريقية و الاوروبية و لما لا فتح الحدود بين البلدين مستقبلا تطوير البنية الصناعية المغربية

  • سعيد
    الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:38

    العرب عندما يتحدون تقع المعجزات ، الحمد لله على نعمة الانتماء للأمة العربية خير أمة اخرجت للناس

  • محماد بارك
    الخميس 4 يونيو 2026 - 00:09

    العلاقة بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة علاقة تاريخية وأخوية راسخة، تعود جذورها إلى عهد المغفور لهما جلالة الملك الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث قامت على أسس الاحترام المتبادل والتضامن والتعاون الصادق بين البلدين الشقيقين.
    وقد تعززت هذه الروابط عبر العقود بفضل حكمة قيادتي البلدين، لتشمل مجالات متعددة سياسية واقتصادية واستثمارية وثقافية وإنسانية، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، حفظ الله جلالة الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأدام على المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة نعمة الأمن والاستقرار والازدهار

  • عكاشة أبوحفصة
    الخميس 4 يونيو 2026 - 04:30

    الصداقة المغربية الإمارتية تتقوى وتتمتن وتذهب بعيدا في جميع المجالات ، أتمنى لها الإستمرارية في النجاح والموت كل الموت لأعداء هذه الصداقة الدائمة.

  • Igor Milord
    الخميس 4 يونيو 2026 - 13:54

    الحمد لله هناك علاقة وطيدة بين الشقيقين الكبيرين الممتازين

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟