"التوقيت الميسر" يضع الجامعة المغربية أمام تحديات التمويل وتكافؤ الفرص

"التوقيت الميسر" يضع الجامعة المغربية أمام تحديات التمويل وتكافؤ الفرص
صورة: أرشيف
الثلاثاء 11 غشت 2026 - 04:00

قال إبراهيم حمداوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن الجدل الدائر حول نظام “التوقيت الميسر” في الجامعة المغربية يتجاوز مسألة تنظيم أوقات الدراسة، ليرتبط بأسئلة أوسع تتعلق بمجانية التعليم وجودة التكوين وتكافؤ الفرص وتمويل الجامعة العمومية.

وأوضح حمداوي، في مقال سوسيولوجي تحليلي بعنوان “الجامعة المغربية في مرآة التوقيت الميسر: مقاربة سوسيولوجية في إشكاليات الإصلاح ومأزق العدالة”، أن إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار توحيد رسوم التسجيل الخاصة بهذا النظام ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027 أعاد النقاش بشأن العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل، وحدود المجانية، والسبل الممكنة لتمويل التكوينات الجامعية.

وأضاف الأستاذ الجامعي ذاته أن النقاش يتقاطع، في تقديره، مع ثلاثة رهانات رئيسية، ترتبط بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وجودة التكوين الجامعي، وحكامة المؤسسات الجامعية، معتبرا أن نجاح أي إصلاح يظل مرتبطا بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يجري فيه.

وبحسب الأكاديمي المغربي جاء نظام “التوقيت الميسر” للاستجابة أساسا لحاجات الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم وتطوير مساراتهم الأكاديمية والمهنية، إذ تبرمج الدراسة في أوقات مسائية أو خلال نهاية الأسبوع، بما يسمح بالتوفيق بين الالتزامات المهنية والتكوين الجامعي.

وأشار حمداوي إلى أن معطيات أوردها في مقاله تفيد بأن نسبة الطلبة الموظفين في بعض أسلاك الماستر والدكتوراه تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهو ما يفرض، بحسب قراءته، إعادة النظر في النموذج الجامعي القائم أساسا على التفرغ للدراسة، بالنظر إلى تزايد الإقبال على التعلم المستمر وتطوير الكفاءات بعد الولوج إلى سوق الشغل.

وسجل صاحب المقال أن الخلاف حول الرسوم المرتبطة بالنظام أفرز مواقف سياسية وأكاديمية ونقابية مختلفة، لافتا إلى موقف أحمد التويزي، عضو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي اعتبر المبالغ المؤداة “رمزية مقابل امتياز الدراسة بنظام التوقيت الميسر”، في مقابل موقف نائب برلماني عن فريق التقدم والاشتراكية رأى في الإجراء “مسا بالرسالة النبيلة للجامعة العمومية القائمة على تكافؤ الفرص والمجانية”.

ويرى حمداوي أن هذا الاختلاف يعكس تباينا في تعريف مفهوم العدالة، بين من ينظر إليها من زاوية الحفاظ على مجانية الولوج إلى التعليم ومن يعتبر أن مساهمة بعض المستفيدين القادرين على الأداء قد تسمح بتوجيه موارد أكبر إلى الفئات الأكثر احتياجا.

وتوقف أستاذ علم الاجتماع عند موقف وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين ميداوي، الذي وصف الإجراءات المرتبطة بالموضوع بأنها “ميثاق أخلاقيات تصون الجامعة والعمل على حد سواء”، ودعا، وفق ما أورده المقال، إلى “التجرد في رؤية المستقبل، ولو اقتضى الأمر الاصطدام في ما بيننا”، معتبرا أن النقاش الجاري يعكس صعوبة التوفيق بين متطلبات الإصلاح والمحافظة على الوظيفة الاجتماعية للجامعة.

وفي الجانب المتعلق بالتمويل قال حمداوي إن تحسين جودة التعليم الجامعي يحتاج إلى موارد لتطوير البنيات التحتية والتجهيزات المختبرية والبحث العلمي والتكوين المستمر للأساتذة، موضحا أن رسوم “التوقيت الميسر” تقدم، في التصور المدافع عنها، باعتبارها إحدى آليات تنويع موارد الجامعات من دون المساس بمجانية التكوين النظامي.

وربط الأكاديمي هذا التوجه بمبدأ “تقاسم التكلفة” المعتمد في عدد من أنظمة التعليم العالي، الذي يقوم على مساهمة المستفيد من بعض التكوينات المهنية أو المستمرة في جزء من كلفتها، خصوصا عندما يكون موظفا أو أجيرا وينتظر أن يحقق من التكوين مكاسب مهنية لاحقة.

غير أن صاحب المقال اعتبر أن الحكم على جدوى هذه الرسوم يرتبط بكيفية توظيف مواردها، متسائلا عما إذا كانت ستنعكس فعليا على تحسين التكوين والخدمات الجامعية، ومشددا على أهمية ربط أي موارد إضافية بالشفافية في التدبير وبنتائج واضحة على المستوى البيداغوجي والعلمي.

وفي ما يتعلق بمجانية التعليم قال حمداوي إن المجانية تظل من المكاسب الاجتماعية الأساسية في منظومة التعليم العالي بالمغرب، غير أنه يرى أن مجانية الدراسة وحدها لا تضمن بالضرورة تكافؤ الفرص، بالنظر إلى المصاريف المرتبطة بالسكن والتنقل والمعيشة، فضلا عن التفاوت في قدرة الأسر على تمويل تكوينات موازية لأبنائها.

وأضاف الباحث نفسه أن نظام “التوقيت الميسر” يمكن أن يوسع قاعدة المستفيدين من التعليم العالي، خصوصا بين الأشخاص الذين تحول التزاماتهم المهنية دون متابعة الدراسة وفق التوقيت الجامعي العادي، لكنه نبه في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع الرسوم قد يحرم موظفين محدودي الدخل من الاستفادة منه.

وأشار الأكاديمي في هذا السياق إلى أن رسوم التسجيل قد تصل، وفق المعطيات الواردة في مقاله، إلى 20 ألف درهم سنويا بالنسبة إلى الدكتوراه، موردا أن ندوة رؤساء الجامعات أوصت بإعفاء الطلبة الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور، فيما يظل تفعيل الإعفاءات مرتبطا بقرارات مجالس الجامعات.

ويرى حمداوي أن توحيد الرسوم وطنيا مع اختلاف طرق تطبيق الإعفاءات بين المؤسسات قد يطرح إشكالات تتعلق بالمساواة بين الطلبة، داعيا إلى اعتماد قواعد واضحة تضمن تقارب شروط الاستفادة من الإعفاء بصرف النظر عن الجامعة التي ينتمي إليها الطالب.

وأكد الأستاذ الباحث أن النقاش حول “التوقيت الميسر” لا ينبغي أن يحجب تحديات أخرى تواجه الجامعة، من بينها الاكتظاظ وضعف بعض البنيات التحتية والحاجة إلى تحسين ظروف البحث العلمي وتعزيز ملاءمة التكوينات مع متطلبات سوق الشغل، وقال إن هذا النظام لا يمكن تقديمه باعتباره بديلا عن إصلاح شامل للجامعة، لكنه قد يشكل، وفق تقديره، إحدى الأدوات التي تسمح باستقبال فئات جديدة في أوقات مختلفة وتوفير موارد إضافية، شريطة ضمان توجيهها نحو تحسين جودة التكوين والبحث والبنيات الجامعية.

وخلص حمداوي إلى أن تقييم تجربة “التوقيت الميسر” ينبغي ألا ينحصر في الاختيار بين المجانية والرسوم، وإنما في مدى قدرة النظام على الجمع بين استدامة التمويل وجودة التكوين وتكافؤ الفرص، معتبرا أن قيمة التجربة ستتحدد في ضوء نتائجها العملية ومدى استفادة مختلف الفئات الاجتماعية منها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • ABDALLAH
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:12

    الطلبة المسجلون في الساعات العادية والطلبة المسجلون في الساعات الميسرة في جامعة محمد الخامس يتلقون دروسهم معاً بعد 17H، في نفس القاعة، مع نفس الأستاذ، وفي نفس الوقت، ويستفيدون من نفس الدروس والمحتوى الدراسي.

    فإذا كان الطلبة في التوقيت الميسر لا يتلقون خدمات إضافية أو دروساً منفصلة أو تجهيزات خاصة، فما الذي يبرر فرض كلفة إضافية عليهم؟

  • طبقية الفرص
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:17

    التوقيت الميسر ما هو إلا بدعة جشعة…متابعة الدكتوراه ستصبح حتى هي طبقية كما المحاماة

  • الجامعة تدوس على الدستور
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:21

    الباب الثامن المادة 45
    تضمن الدولة مجانية التعليم العمومي في جميع أسلاكه وتخصصاته، وتعمل على جعله في متناول كافة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة.
    لا يحرم أحد من متابعة الدراسة لأسباب مادية محضة، إذا ما استوفى الكفايات والمكتسبات اللازمة

  • تدخل
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:47

    جميع ما أتت به الحكومة الحالية يحمل طابع اضطهادي: ها قانون تعجيز ومنع الإضراب ، ها قانون الصحافة ،ها قوانين منع التبليغ عن الفساد وتجريم الإثراء غير المشروع ها تعجيز الدكتوراه على الموظفين،..

  • المغربي ذئب لأخيه المغربي
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:52

    المشكل الأكبر هو في تعجيزية المبالغ…20.000 درهم ..الدكتوراه يرى فيه الموظفون فرصة للرقي بوضعيتهم فإذا هو يغلق في وجههم وتصبح حكرا على البرلمانيين والموظفين الكبار

  • hjb hy
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 10:22

    السؤال 1 : هل هنالك هيئة رقابية تتبع الآداء وتقيم مردودية أساتذة التعليم العالي بشكل فعلي دوري أم عجنها كيبغيتي أسيدي ولد سيدي
    السؤال 2: لماذا تمت برمجة التوقيت الميسر في يوم السبت علما ان أساتذة الثانوي و خصوصا الابتدائي يشتغلون لحدود السادسة والنصف مساء يوم السبت..وهذا حرمان لهاته الفئة العريضة من الاستفادة من هذا المشروع
    السؤال 3 هل معايير استيفاء المجزوءات مشروطة باالاستحقاق أم أنها كحال المدارس الخاصة ” مخلص غاتنجح واخا تكون سطل”

  • خلص اذيب
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 10:51

    المهم كل اداري او معلم يجب ان يؤدي قبل العودة للدراسة. لا يعقل ان يفعل ذلك على حساب مهامه التي تتزامن عادة مع الجدولة الزمنية الرسمية للدراسة. أما الطلاب غير الأجراء فهم غير معنيين بالأداء إطلاقا التوقيت الميسر يتماشا بشكل مطلق مع الدستور ولا يمس ابدا بمجانية التعليم. الكل يشتكي من سليت الاداريين والمعلمين وها هو الإصلاح جاء للقضاء على ذلك.

  • ابو النصر زهير
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 13:48

    كنت طالبا بالماستر سنة 2015 و كان جميع الطلبة تقريبا موظفين و كان منهم من يأتي من مدن بعيدة جدا أحيانا ب اكثر من 700 كلم و السبب في ذلك ان مستواهم كان افضل من الطلبة العاديين بحكم التجربة و كلهم اساتذة الثانوي يعرفون كيف يتعاملون و كيف يقيمون العروض و البحوث و لم تكن لهم مشكلة مع الشفوي و كان يعضهم يأتون في سيارة واحدة اذ يتقاسمون كلفة البنزين و ياكلون جماعة في مطاعم و يساعدون بعضهم البعض في جمع الدروس و كان يعرفون كيف يقيمون علاقة شخصية مع الاساتذة بسرعة – لكن المعيب في الامر ان الطالب العادي يقصى و يكون مستواه ضعيفا – كان تمة استاذ اجنبي هو الوحيد الذي كان يرفض ولوج الموظفين الى ذلك الماستر بالنسبة اليه “ما الفائدة اذا الكل موظفا، انه العبث، الماستر ليس للموظفين، الخ”

  • بنعيسى البشير
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 14:12

    لا يمكن للمرء أن يكون في مكانين في الوقت نفسه، ولا أن يؤدي عملين مختلفين في اللحظة ذاتها. الحقيقة أن حضورك في مكان يعني غيابك عن مكان آخر. واختيارك لشيء يعني أن وقتك وطاقتك لن يكونا متاحين بالقدر نفسه لشيء آخر.و كما يقال عاش من عرف قدره : نعم قلة الامكانيات المادية و الشغل تمنع الناس من متابعة الدراسة الجامعية في جميع من الدول -فالذين يتابعون دراساتهم في الغرب انما هم من الطبقات البرجوازية و اما ابناء الطبقات الاخرى فلا يتابعو بسبب عائق قلة الموارد المالية و بسبب الشغل الذي لا يترك مجالا او دقيقة للدراسة – و لهذا تقوم الدول الغربية بخلق تكوينات مستمرة للعاطلين او الذين فقدوا شغلهم عن طريق وزارات التشغيل و التكوين و غيرها – في حين ان الجامعة عندهم لا تفرخ الا مئات الالاف من العاطلين سنويا وذوو

  • ابو النصر زهير (تابع)
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 14:43

    في مرحلة ما بين 2012 و 2016 كان جل المنتسبين للماستر تقريبا (الا 2 او 3 طلبة) من الاساتذة و كنت في الدار البيضاء و كان منهم من يأتي من وجدة و اغادير و اسفي و بني ملال و الراشيدية و غيرها -كان الطالب العادي مجرد سكرتير القسم: يخبر الطلبة بغياب الاساتذة او تغيير القاعات او تارخ الامتحان و لائحة العروض – و الاخطر من ذلك ان هؤلاء الطلبة الموظفين كانوا يتوسلون للاساتذة لبرمجة الحصص ايام السبت و ايام العطل حتى يتمكنوا من الحضور او بارجاء الحصص الى ما بعد فترة امتحانات الثانوي و البعض منهم كان يطلب اجراء امتحان شكلي خاص به – و كانت الامور تتم مع بعض الاستاذة عن طريق المحاباة و الصداقة و المعرفة و الرشوة التي تتخد شكل هدايا او خدمة او ضيافة في مطعم دون الكلام عن الطالبات الخ- في الاخير صارت الامور الى مجرد عبث مما دفع كثير من الاستاذة المحترمين الى الانسحاب من هذه المهازل – اذ كيف لاستاذ يعطي درسا لأساتذة يعرف انهم غائبون عن اقسامهم الاصلية و عن الثلاميذ في خرق لكافة القوانين و الاعراف ؟ النتيجة : قليش و العميد الموحوح عاشق طالباته بكلية “اللغو و اللهو”

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا