لمّا نقولُ: “هذا تْخَرْبيق”، فنحن نستعمل كلمةً ذات أصل عربي قديم أعمقَ ممَّا تُوحي به عاميّتُها؛ فقد جاء في المعاجم: “خَرْبَقَ عَملَه” أيْ أفسده، و” خَرْبَقَ الشيءَ” أي شقّه وقطّعه؛ من هنا يبدو “التخربيق” كأنه تمزيقٌ لنظام المعنى: كلامٌ اختلطت أجزاؤه، واضطرب منطقه، فلم يعُد يمسك بَعضُه بعْضًا. كلمة شعبية، نعم، لكن في قاعها ذاكرةٌ لغوية عَتيقة.
لعلّ أجمل ما في اللفظة أنها تختصر مشهدًا بديعًا: معنى كان يمكن أن يكون مستقيمًا، ثم تعثّر في الطريق إلى الفهم. لذلك، لو خضع الكلام لاختبار الجودة قبل خُروجه من الأفْواه، لأغلقت نصف النّقاشات أبوابها، ولأعلنَ كثيرٌ من الخُبراء إفلاسَهم في اليَوم الأوّل.
هكذا، يبدأ التخربيق في اللحظة التي يكتشفُ فيها شخص ما أن الثقة أرخص من المعرفة، وأنَّ رفع الصوت أسهل من تقديم الدليل، وأن الجمهور قد يخلط بين قوة النبرة وقوة الفكرة. لا يحتاج التخربيق إلى دراسة ولا إلى تدريب؛ إنه المهنة الوحيدة التي يدخلها الإنسان جاهلًا، ثم يترقى فيها كلما ازداد يقينًا بجهله.
من أين أتَيْتَ بكلِّ هذا اليقين؟
التخربيق إذن ليس مجرد كلمة دارجة نرمي بها كلامًا فارغًا، لعلّهُ مؤسسة غير معلنة، تعمل طوال الأسبوع دون عطلة، وتفتح فروعها في البيوت والمقاهي والإدارات والاستوديوهات والمنصات الرقمية. لا تحتاجُ هذه المؤسسة إلى مقرّ، ولا إلى ميزانية، ولا إلى مدير عام.
يولد التخربيق حين يتزوَّجُ الجهلُ باليقين، ثم يُنجبان رأيًا صاخبًا يهاجم الحقيقة كأنها ارتكبت جريمة. لا يشعر صاحب التخربيق بالخجل، لأن الخجل يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الوَعي، والوعي يشكل تهديدًا مباشرًا لهذا النّشاط المزدهِر. لذلك يتعامل المخربق مع جهله باعتباره موْهبة، ومع ثِقته باعتبارها شهادة عليا، ومع صوته المرتفع باعتباره مرجعًا علميًا لا يقبلُ الطَّعْن.
لا يقول المخربق: “لا أعرف”. هذه العبارة عنده تنازل خطير عن الهيْبة، وإعلان إفلاس أمام الجمهور. يفضّل أن يخترع معلومة من العدم، ثم يضع عليها بعض التوابل اللّغوية، ويقدّمها إليكَ ساخنة وهو يقول: “أنا عارف آشْ كنقُول”. وعندما تطلب منه مصدرًا، ينظر إليك بشَفَقة، كأنَّك طفلٌ لم يفهم بعد أن ثقته الشخصية أهم من الكتب والوثائق والأبحاث.
حين يتكلم الجميع في كل شيء
في المقهى، يصلُ التخربيق إلى ذروة نشاطه الفكري. يجلس صاحبه أمام فنجان قهوة، فيتحوّل في خمس دقائق إلى خبير اقتصادي يشرح التّضخم، ثم إلى مُحلّل سياسي يفكّك العَلاقات الدّولية، ثم إلى طبيب يشخّص الأمراض، ثم إلى مؤرخ يُعيد ترتيب القُرون، ثم إلى فَقيه يُصدر الأحكام، ثم إلى مدرب لكرة القدم يعرف الخُطة التي عجز عنها المدرب الوطني.
لا يحتاجُ خبير المقهى إلى قراءة تقرير اقتصادي، لأنه “فاهْم اللُّعبة”. لا يحتاج إلى متابعة الوقائع السياسية، لأنه “عارفْهُم كامْلين”. لا يحتاجُ إلى دراسة الطّب، لأن ابن خالته جرّب عُشبة وشعر بتحسُّن. لا يحتاج إلى وثائق تاريخية، لأن جدّه حكى له قصة في طفولته، فتحوَّلت القصة مع مرور السنوات إلى مرجع أكاديمي يُنافس الموسُوعات.
في السّياسة، يستبدل التخربيق نكتة المقهى بشعار انتخابي. يقف المرشح أمام الناس، ويعدهم بتغيير العالَم خلال ولاية واحدة؛ يعِدُهم بالشّغل والصحة والتعليم والكرامة والطرقات والماء والاستثمار والسّعادة النفسية، حتى يخيل للسّامع أنه سيستيقظ بعد الانتخابات في سويسرا، مع شمس مراكش وبحر أكادير وأسعار سنة 1980.
يُقدّم السياسي المخربق المستقبل كأنه منتج جاهز للتسليم، رغم أنه لم يفهم الحاضر، ولم يقرأ الماضي، ولم يضع خطة تتجاوز حجم اللافتة الانتخابية.
في العالم الرقمي، يتحوَّل كلّ صاحب حساب إلى طبيب تغذية، وطبيب نفسي، ومُحلّل أمني، وخبير في العلاقات الزوجية. يُعطيكَ وصفة لعلاج الضغط، ثم ينصحك بقطع علاقتك بأهْلك، ثم يشرح لك مؤامرة دولية، ثم يبيع لكَ دورة في النجاح، وكل ذلك في فيديو لا يتجاوز ستّين ثانية. وعندما تسأله عن تخصصُّه، يجيبك بعدد المتابعين، كأن الخوارزمية منحتْه دكتوراه فخرية.
التخربيق وصناعة الهَيْبَة
يصنع التخربيق نجومه بسُرعة. يكفي أن يتكلم أحدهم بجُرأة، ويختار كلمات حادّة، ويحتقر المخالفين، حتى يمنحه الجمهور لقب “الصّريح”. وكلما زاد عدد الذين يعترضون عليه، اعتبر الاعتراض دليلًا على أنه كشف الحقيقة التي يخاف منها الجميع. أخطر ما في التخربيق أنه لا يطلب منك أن تصدِّقه وحده، وإنما يدفعُكَ إلى إيقاف عقْلكَ.
يُريدكَ أن تبتلع الجملة بسرعة، وأن تُعيد نشرها، وأن تدافع عنها قبل أن تفهمها. يكره التخربيق التفكير، لأن التفكير يبطئ انتشار العَدْوى. ويكرهُ الأسئلة، لأن السُّؤال يفتح النافذة، بينما يحتاج التخربيق إلى غرفة مغلقة وهواء فاسد. يعرف المخربق أن العقل إذا استيقظ انتهت الحفلة. لذلك يجعلك تغضب بسرعة، لأن الغضب لا يمنحك وقتًا للتَّحقُّق.
يجعلك تضحك بسرعة، لأن السخرية قد تغطي ضعف المعلومة. يجعلك تخاف، لأن الخوف يفتح الباب لأي تفسير جاهز. المفارقة أن الناس يَسخرونَ من الإشاعة، ثم يُعيدون إرسالها؛ يهاجمون الكذب، ثم يضيفون إليه بعض البهارات حتى يصبح أكثر قابلية للتَّداول.
خطابٌ يُحلّلُ كلَّ شيء ولا يَحُلّ شيئًا
لا يبني التخربيق مدرسَةً، لكنه يستطيعُ شرح سبب فشل التعليم لثلاث ساعات. لا يخلقُ وظيفة، لكنه يعرف تمامًا لماذا لا يعمل الشباب. لا يحلُّ أزمة، لكنه ينتج خطابًا يجعل الأزمة تبدو وكأنها فهمت نفسها واعتذرت للجمهور. لا يعيش التخربيق لأن أصحابه أذكياء، وإنما لأنه يجد دائمًا من يمنحه منبرًا، ومن يصفق له، ومن يعيد نشره قبل أن يسأل نفسه إن كان يفهم ما قرأ.
لقد نجح التخربيق في تحويل الجهل إلى رأي، والرأي إلى يقين، واليقين إلى سلطة توزع الأحكام على الجميع. لهذا يحتاج التخربيق إلى عقل يرفض الانبهار؛ عندها فقط تسقط الأقنعة، ويظهر الفراغ الذي ظل مختبئًا خلف الكلمات. وحين يصمت الصخبُ، لا يبقى في الهواء إلا السؤال الذي يخشاه كُلُّ مُخربق: هل تَملِكُ فِكْرَةً فعلًا، أم أنّكَ أمضيْتَ كلَّ هذا الوقت تُزيّن الجهلَ بِالكَلام؟
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
إذا بالعربية الفصحى و بدون فلسفة فالتخربيق هو المرادف الصحيح للسياسة و العمل النقابي في زمننا هذا . فيبدأ الجاهل والأمي و من لا أخلاق له بدخول عالم السياسة و يتدرج إلى أن يصبح مخربقا كبيرا ومن ثم يمكنه الحصول على مقعد في المقاطعة او الجماعة أو إحدى الغرف ولم لا برلمانيا مخربقا.