تقديم:
تعاني حياتنا الثقافية من كثير من المظاهر المشينة؛ ولقد استفحلت هذه المظاهر في السنين الأخيرة حتى باتت دالة على منتهى البؤس الثقافي، وقد بدا لنا ونحن نبحث عن عنوان ملائم دال على حدة هذا البؤس، ولا يخلو من شيء من الإثارة، أن نسمي هذه المظاهر بالثقافة الهوائية، على أن صفة الهوائية المنسوبة إلى الهواء، توحي بمعاني الفراغ والخواء وغياب الفعل.
1- النشر الهوائي:
يحدث في مغربنا الثقافي أن نصادف في إحدى منصات التواصل الاجتماعي إعلانا يبشر بقرب صدور كتاب، أو يؤكد صدوره فعلا، إعلانا بصيغة جاهزة معتادة تحدد بيانات الكتاب مرفقة بصورة لغلافه بدفتيه الأمامية والخلفية، فتنهال التهاني الحارة للمؤلف ودار النشر، والدعاء بمزيد من العطاء، ويهرع قراء مشغوفون بالقراءة إلى الأكشاك والمكتبات للبحث عن الكتاب المزعوم للظفر بنسخة منه، وبعد تفتيش طويل واضطرار إلى السؤال، يعودون بخيبة حنين، لا عين وقعت على الكتاب ولا يد لمسته. الكتاب الذي كلف صاحبه ما كلف من الجهد والوقت لا وجود له ورقيا ولا رقميا. إنها صناعة ثقافية من نوع آخر، ويا لها من صناعة! صناعة لا هي بالثقيلة ولا بالخفيفة، إنها بكل تبسيط صناعة ثقافية هوائية.
2- نشاط ثقافي في حضرة الأشباح:
يحدث في مغربنا الثقافي كثيرا أن ينظم نشاط ثقافي من الأنشطة المألوفة التي لم تعد تحظى، كما كانت من قبل، بكثير من العناية والاهتمام، وليكن النشاط مثلا ندوة أو حفلا لتقديم كتاب وتوقيعه، فبعد أن تتخذ الجهة المنظمة جميع الاستعدادات الضرورية، من حصول على ترخيص بالتنظيم، وحجز للقاعة التي ستحتضن النشاط، ونشر للإعلان، والدعوات، يحضر المشاركون في الموعد المحدد، قد يتأخر أحدهم اضطرارا أو عمدا واختيارا؛ بل قد يتغيب معتذرا، وقد لا يكلف نفسه إجراء مكالمة للاعتذار، لينطلق انتظار الجمهور الذي سيملأ الكراسي المصفوفة الفارغة، ويطول الانتظار، ويتسرب الامتعاض إلى ملامح المشاركين أو المحتفى بهم، ويخفي المنظمون تحرجهم متعللين بشتى الذرائع والمبررات، مهونين الأمر بترديد عبارات من قبيل، العبرة ليست بالكم وإنما بالكيف، الرهان الثقافي رهان على الجمهور النوعي، وقد يطل بعضهم على القاعة ويعود أدراجه لما يجدها فارغة، وفي الأخير ينطلق النشاط في حضرة قلة قليلة دفع بها لتملأ بعض كراسي الصف الأول على مضض، تلتقط لها صور توهم بامتلاء القاعة، بينما القاعة تتراقص في نواحيها الأشباح.
3- فضاءات ثقافية بلا أنشطة:
يحدث في مغربنا الثقافي أن يعبر بعض الغيورين على الشأن الثقافي عن تذمرهم من غياب فضاءات للتنشيط الثقافي في مدينتهم، فتجدهم لا يتركون مناسبة إلا ورفعوا فيها شعار العدالة الثقافية، وتحدثوا بمرارة عما تعانيه مدينتهم من تهميش وإقصاء، وطالبوا بإلحاح بتشييد بنايات لائقة تحتضن مختلف الأنشطة الثقافية على غرار المدن المحظوظة، ويحدث أن يتحقق الحلم، ويشيد في المدينة المحرومة فضاء ثقافي، لكن تمر شهور، وربما يمر الحول كاملا، دون أن ينظم نشاط واحد وازن يملأ الفضاء بنبض الحياة الثقافية، يمر الزمن والفضاء غارق في الخلاء يصفر فيه الهواء.
4- تفاعل بلا قراءة:
يحدث في مغربنا الثقافي، أن يلوذ بعض الكتاب إلى منصات التواصل الاجتماعي لنشر ما تجود به قريحتهم من منشورات، سواء أكانت نصوصا إبداعية أو مقالات، ينشرونها لأنهم ضاقت بهم سبل النشر الورقي، فوجدوا في هذه المنصات بديلا مرضيا، أو ينشرونها لتوسيع دائرة القراء، وضمان التفاعل الفوري، وفعلا يحصل التفاعل بالمشاهدة والإعجاب والتعليق والتقاسم، فيشعرهم ذلك بكثير من الرضا والارتياح والابتهاج، لكن السؤال المطروح هو كم قارئ متفاعل قرأ فعلا المادة المنشورة؟ والمثير العجيب هنا أن يسارع أحدهم إلى إبداء الإعجاب بقصيدة شعرية أو قصة أو مقال دون أن يقرأ من ذلك كلمة واحدة.
5- هدر الزمن الثقافي:
في مغربنا الثقافي حالة مثيرة من حالات هدر الزمن الثقافي، إنها حالة اتحاد كتاب المغرب، وما يعيشه من جمود منذ سنوات، إنه لمن المؤسف جدا أن تؤول جمعية عتيدة تجر وراءها تاريخا حافلا من العطاء الثقافي الموصول، والسجال المحتدم إلى هذا المآل المأزوم. إنه من المنكر أن يفرغ الزمن الثقافي من الحركة الدائبة والفعل المؤثر ليملأ بالبلاغات والبيانات الساخنة والصمت البارد القاتل. ولعل السؤال المحير هو كيف يعجز من يعول عليهم من أهل الفكر والثقافة والتواصل والحوار والتربية والحكمة وكل القيم النبيلة الجميلة عن إيجاد حلول تحرر الاتحاد من الركود، وتعيد المياه إلى مجاريها من جديد؟
خلاصة:
لم يكن القصد من وراء الحديث عن الثقافة الهوائية الوقوف عند حد التشخيص بغرض الانتقاص والقدح والذم؛ إنما كان القصد كل القصد هو لفت الانتباه إلى هذه المظاهر التي قد لا تخفى على كثير من الفاعلين في المضمار الثقافي، والدعوة إلى المشاركة في التفكير الجاد فيها، وإثارة الحوار البناء حولها، إيمانا منا بأن الشأن الثقافي شأن مجتمعي ينبغي أن يكون موضوعا مفتوحا دائما للتفكير والمناقشة والمساءلة.
باختصار أضعنا لذة العلم و غلبت الماديات في كل مناحي الحياة