قال الكاتب والحكواتي إدريس الجاي إنه “كلما ذكر الذاكرون مدينة فاس العتيقة، إلا وتتصدر ذكرهم صورة جامعتها العريقة القرويين وخزانتها الشهيرة، المتميزة عن محيطها في معمارها وهيبتها، كأنها محراب تبتل اجتث من فيض تواتر الزمن لتبقى فضاء ساكنا مغرقا في هدوئه مثل قصر أميرة نائمة”.
وبعدما استفاض الجاي، في مقال له بعنوان “خزانة القرويين.. زينة العصور وتاج الملوك”، في وصف جامعة القرويين وعلاقتها التاريخية والحاضرة بساحة الصفارين وسوق الرصيف وسوق رحبة العوادين…، أشار إلى أن “موقع هذه الخزانة، قبل إنشائها، كان مقرا لأقدم بنك عرفه العالم”، موضحا أنه “بسبب تدفق الأموال على خزينة أحباس القرويين من تبرعات المحسنين، قامت الأحباس في القرن 12 بإنشاء خزينة لحفظ الأموال وودائع التجار والمواطنين عامة”.
وأورد الجاي، في مقاله، أن “ساحة الصفارين عرفت أنواعا من النشاطات المختلفة، فهي تارة سوق علني للملابس البالية، وأخرى مكان إشهار للأفلام المعروضة في القاعات السينمائية بالمدينة، وفضاء تقام فيه كل مساء حلقات ترفيهية يحييها رواة القصص والحكواتيون، أو حلقة طرب الملحون وحلقة الساحر وغيرها من الحلقات الفرجوية التي تعقد بين معلمتي الساحة، فتحفظ إرثها الشفاهي من حكايات وأشعار شعبية، كأنها تنافس المدرسة والخزانة في حفظ ما هو علمي وكتابي”.
هذا نص المقال:
كلما ذكر الذاكرون مدينة فاس العتيقة، إلا وتتصدر ذكرهم صورة جامعتها العريقة القرويين وخزانتها الشهيرة، المتميزة عن محيطها في معمارها وهيبتها، كأنها محراب تبتل اجتث من فيض تواتر الزمن لتبقى فضاء ساكنا مغرقا في هدوئه مثل قصر أميرة نائمة. تفتتح مدخلها وثيقة تاريخية مثبتة على الحائط تعود إلى زمن تأسيسها عام 750 هجرية 1349م، عصر دولة المرينيين. نقش عليها اسم مؤسسها السلطان أبي عنان، (1329ـ 1358)، والقوانين التي تحدد علاقة تعامل روادها المستفيدين مع ذخائرها والالتزام بها، من أجل تيسير المحافظة على سيرها ونظامها. ثم تأتي درجات صاعدة إلى الأعلى، مغطاة بفسيفساء مشعة بهيجة طافحة بمعاني رفعة العلم ودرجات المعرفة. وفصولها الرحبة التي تمتد في خشوع توزع أجواء التأمل في ملكوت الفكر والسياحة في عوالم حبلى بما أنتجه العقل الإنساني على مراحل أزمنة متفاوتة. إنها تشبه في موقعها نغما نشازا لا يتوافق مع محيطها الصاخب، المائج بالحركة وما ينتجه من أصوات وأصداء مشهد بمسحة مخضرمة ومزيج من التقابلات في ساحة يلقي فيها الماضي بظلاله على الحاضر. ساحة توقظ في العابر طيف تخيل صورة سوق أندلسي في خريفه. تزكيه مكونات تؤثث صورة الضرورات العمرانية المكونة من سقاية وكتاب قرآني وحمام وفران، لزوميات تلاقينا في كل وحدة سكانية بالمدينة. ومع هذا تبقى الخزانة سيدة ساحة الصفارين، تتصدر واجهتها، تمنحها الإجلال وللحرفة التي تمارس من حولها قيمة تاريخية، أطراها عدد من الرحالة والمؤرخين، الحسن الوزان أحدهم في “وصف إفريقيا”. تستقي الساحة اسمها وصيتها من صناعة النحاس الأصفر والأحمر، صناعة ذات صدى ما زال حضوره إلى اليوم علامة شاهدة لهويتها بالتميز المتفرد في كل المدينة.
مثل راحة يد منبسطة بمنافذها الخمسة كأصابع منفرجة تقود الساحة إلى سراطات ملتوية وأسواق ذات هويات مختلفة. هنا يتساكن فوق هذه البقعة المتوسطة الأحياء الثبوت والتحول، التناقضات والانسجام، الاختلاف والتوافق، المعرفة والأمية، السر والجهر، الانفتاح والكتمان، الصمت والضوضاء، الموت والحياة. ساحة عريقة تقبع عند سفح منحدرات خفيفة يقود زقاقها الشمالي الشرقي والغربي إلى مدارات جامع القرويين، وأزقتها الجنوبية الشرقية إلى حدود عدوتي المدينة.
قبل التصاق اسم هذه الساحة بحرفة الصفارين، كانت هذه تزاول سابقا في مقدمات سوق الرصيف. وعندما بني جامعه فوق الجرف بصومعة هي الأعلى في المدينة على يد المهندس المعماري حسن السودان عام 1797 بأمر من السلطان مولاي سليمان الذي حكم من 1792 إلى 1822، (وبعض المؤلفين ينسبون تأسيس المسجد إلى عهد مولاي محمد بن عبد الله، حكم من 1757 إلى 1790)، انتشرت شكوك وتخوفات من تأثير اهتزاز الأرض عند سفح المسجد على بنيان الجامع، من جراء الطرق الشديد الذي تحدثه المطارق وهي تشكل من صفائح النحاس حاجيات البيوت والولائم والأفراح والمآتم. ومن أجل تفادي خطر هذا التأثير المفترض على بنيان الجامع، تم تحويل هذه الصناعة من سوق الرصيف إلى ساحة الصفارين. لكن يبقى قرار التحويل هذا لغزا، لماذا إلى هذا المكان، الذي تتقابل فيه معلمتان علميتان، مدرسة الصفارين وخزانة القرويين؟ ألا يشوش هذا الطرق مرة أخرى على أجواء الهدوء الذي في حاجة إليه المدرسة والخزانة، التي تعد من أهم الخزانات العامة في المغرب، بل وفي العالم كله؟
كان لهذه الخزانة صيت وهو باق واستمرارية تدين بها إلى عضدها الأول جامعة القرويين. فحتى وإن كانت هناك خزانات قد سبقت هذه كالخزانة الموحدية بمراكش التي أنشأها يعقوب المنصور الذي حكم من 1184 إلى 1199م، وخزانة أبي الحسن الشاري بمدينة سبتة في القرن 13م، وأخريات داخل جامعة القرويين نفسها وخارجها، إلا أن هذه الخزانات لم تكتب لها الاستمرارية ولم تصل إلى ذلك الإشعاع والثروة العلمية التي وصلت إليها خزانة القرويين. فقد أحاطها الملوك والأمراء والأميرات والعلماء ومحبو العلم بكل صنوف العناية لما حبسوا عليها عبر التاريخ من ذخائر علمية في جميع المجالات العلمية، التي كانت تدرس في جامعة القرويين وفي المؤسسات التابعة لها من فقه وحديث وتفسير ولغة وآداب وطب ورياضيات وفلسفة ومنطق وهندسة وتنجيم وفلك وغيرها من العلوم.
تقف بوابة الخزانة عاتية جميلة كأنها حاضن لساحة تمتد بإحدى أذرعها الغربية الجنوبية عبر شارع، اصطفت على جنباته يمنة ويسرة دكاكين تشكل في ترتيبها وتلاحمها شبه متحف جماعي لفنون صناعة النحاس الأصفر والأحمر، ويقود الشارع عبر التواءات خفيفة إلى ساحة صغيرة هي امتداد لهذا الشارع وتتصل يمينا بسوق رحبة العوادين، حيث كانت تنشط هنا وبكثافة صناعة كل ما له علاقة بالعود: المحارث، الجفان، ربابة الآلة الأندلسية وسويسنات طرب الملحون وتجويفات الآلات الوترية وأدوات الصناعات اليدوية. يشتهر هذا السوق بمقهاه البسيط، الصغير، الذي لا يتسع إلا لصاحبه، أما الزبائن فيحتسون كؤوسهم من الشاي المنعنع أو القهوة في عراء ساحة السوق جالسين على كراس واطية من الخشب والسمار لا ترتفع عن الأرض بأكثر من 30 سنتمترا، تحت شجرة توت عظيمة. هذه الشجرة التي منحت المقهى اسمه “قهوة التوتة”، كما منحه السوق أيضا اسما ثانيا “قهوة العوادين”. كانت ساحة هذا السوق وإلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، تعرف كل يوم جمعة بعد صلاة العصر ملتقى لهواة طرب الملحون، حيث يجتمعون في جلسة إنشادية في باب أحد الدكاكين المفروشة، يحيون حفلتهم الأسبوعية حتى مغيب شمس العشي. على الجانب الشرقي لهذا سوق يسير هو الآخر موازيا للأول، سوق الصباغين. سوق يطل من جهتيه الغربية والشرقية على قنطرتين من ثلاث قناطر منصوبة فوق الواد، الذي تعددت أسماؤه في المصادر التاريخية فسمته تارة واد بو خرارب، وأخرى واد فاس، وأيضا واد الجواهر، وكذا واد بين المدن، جسور تربط بين المدينتين الأندلسية والقيروانية، قنطرة الصباغين وتسمى أيضا قنطرة الطرافين وقنطرة الخراشفيين. في زمن مضى كانت مراجل هذه الورش تصبغ الحرير والصوف والجوخ وخيوط الصبار الناعمة حتى تأخذ ألوانها المرغوب فيها، استعدادا لتحويلها على يد المعلمين الماهرين إلى إبداعات عبر الحياكة والنسيج. كان للصباغين في الماضي منظر لوحة أسطورة باذخة كجدارياتها مكسوة بالمصبوغات وهي تعلق في الجو منشورة على قصبات الخيزران الطويلة لتجف، مدادها جداول منسابة بمياه ملونة طالعة من دكاكين موغلة في ظلمة العتمة، مرسومة في جحور سرية مطلسمة تتمنع عن كشف كنهها، يديرها رجال صبغت الألوان المتعددة أذرعهم وسيقانهم حتى صارت بصمات هويتهم المهنية. أما اليوم فلم يبق من الصباغين غير اسمها، لم تعد إلا ظلا باهتا لماضيها التليد وجاذبية سياحية فلكلورية ومصبغة للأسمال البالية.
بعد تحويل صناعة النحاس إلى ساحة الصفارين أصبحت الساحة ذات صيت حتى أنها أصبغت على المدرسة التي توجد بها اسمها، فاشتهرت باسم “مدرسة الصفارين” بعد أن كان اسمها “مدرسة الحلفويين”. كما أضفت شرفا على الساحة الخزانة التي كان ملوك المغرب يجتهدون في جلب الكتب والتآليف من مختلف الأصقاع إليها، كمفخرتهم العلمية، ولا سيما النوادر العربية من مختلف البلدان. فقد كان من شروط عقد أبي يوسف يعقوب المريني (1160 ـ 1199م) الهدنة مع القشتاليين عام 1275، بعد هزيمتهم في الأندلس أسفل الواد الكبير، أن يعيدوا إليه كتب العلوم التي كان المسيحيون الإسبان قد صادروها منذ استيلائهم على مدن المسلمين بالأندلس، ليجعلها في متناول الطلبة والعلماء في فاس.
تنفرج الدروب الغربية لهذه الساحة، التي تنتمي إلى الخزانة، عن ممرات بروائح وطيات الجلود المدبوغة أو المصنعة آليا وألوان من مواد صناعة الأحذية الحديثة كبداية لمتاهات من الطرقات والأزقة المتوالدة. إنها ساحة تشبه في تأثيثها مشهدا سينمائيا في طور التجهيز، هنا قدور نحاسية ثقيلة مقلوبة وأخرى في طور التلحيم، وهناك عربة نقل أو حمار ينتظر دوره لحمل معدات الطبخ إلى حفل زفاف أو ختان أو إلى دار جنازة. صحون من النحاس الأحمر، أوان للطبخ وللزينة جاهزة للبيع وأخرى في مرحلة الإعداد، آليات تقطير ماء الورد وماء الزهر، قدور راسيات ومقالي أو حاويات الماء الساخن المسماة “البابور” لإعداد الشاي. قد يتساءل العابر من هنا: لمن هذه المعدات المنتشرة فوق الساحة هنا وهناك؟ من يملكها؟ وإلى أي الدكاكين تنتمي؟ سر لا يمكن للزائر سبر أغواره، لكنه يشعر بأن الساحة تغرق في فوضى مربكة، غير أن في هذه الفوضى نظام لا يدرك الغريب ولا تحيط به العين وإنما الحواس. دكاكين غائرة شحيحة الإضاءة كمغارات لا يعرف ما تكتمه ولا ما تخفيه. يجلس أمام مدخلها صناع تتراتب أعمارهم من الطفولة إلى الشيخوخة، في الغالب أفردا أو مثنى على الأكثر. يعزفون بمطارقهم إيقاعات منتظمة فوق تشكيلات نحاسية تصدر عنها ضوضاء متباينة الذبذبات، يأتي صداها من جهات مختلفة من الساحة. إنهم يسوون ما عملته أيديهم في كل جنبات الساحة. تسمع طرقاتهم كأنشودة مركبة التجاوب لا تقلق، بل يترنم بها المارة في مشيتهم وكأنها مُرافق يجد معهم السير ردحا من الوقت.
يلاقي الخارج من عتمة كوة طريق سبع لويات النازلة من غرب المدينة، ساحة معرضة للشمس والمطر مباشرة، بعد أن يكون قد ترك عن يمينه فرن سبع لويات، الذي هو ليس أقدم أفران مدينة فاس فحسب، بل هو أقدم من تأسيس جامع القرويين عام 859 م نفسها ويلتصق بها مباشرة. كانت كل مداخيل هذا الفرن، حسب حوالات قديمة، تحت تصرف القاضي حتى يمكنه توزيعها على الفقراء والمحتاجين. يلاقي عن يمينه بعد السقاية ثم أحد أبواب القرويين باب الحدودي، بعده المدخل الرئيسي لمكتبة القرويين. ما إن يلج المرء هذه التحفة ذات الطراز المغربي ـ الأندلسي، حتى يقابله معمار متناسق الجنبات بألوان فسيفساء وخشب مخروط بلا تفريط ولا إفراط. وما إن يتخطى عتبات الباب المفضي إلى قاعة استقبال الخزانة، حتى تخرس تلك الضوضاء ويُصمت هدير جلبة المطارق ولا يعود يسمع منها إلا اللمم. يلج فضاء الصمت، السكون ويصبح الهمس سيد هذا الرحاب العلمي الثقافي والروحي. وتبدأ السياحة في عوالم العلوم الإنسانية والدينية التي تزخر بها الرفوف والجنبات. إنها تحفظ في رحابها ذكرى وروح فكر رجالات بصموا تاريخ الفكر الإنساني بأعمالهم العلمية الخالدة مثل ابن طفيل وابن رشد وابن باجة وابن خلدون وغيرهم كثير. كلما مخر الإنسان عباب هذا اليم من الأوراق والقراطيس يشم رائحة مداد مخطوطات نادرة تفردت بها هذه الخزانة عن غيرها من الخزانات في العالم كالنسخة القرآنية المكتوبة على جلد الغزال من القرن التاسع الميلادي أو المنظومة الطبية لابن طفيل المسماة “الأرجوزة”، النسخة الوحيدة في العالم وهي من القرن الثاني عشر الميلادي، أو كتاب “الصيغ” لأبي إسحاق الفزاري من القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي أو نسخة من مقدمة ابن خلدون بخط المؤلف أهداها إلى هذه الخزانة شخصيا. لقد عرفت هذه الخزانة منذ تأسيسها ثراء لا من ناحية الكتب وحدها، بل من الناحية العمرانية، حيث أضاف إليها السعديون (1510 ـ 659) جناحا يعرف بالقبة السعدية، ثم محمد الخامس (1927ـ 1961) جناحا آخر للعلويين. وتبارى السلاطين في تزويدها بنفائس الكتب العلمية والأدبية حتى تكون زينة عصورهم وبهاء ملكهم.
وإذا كانت جامعة القرويين تعد أقدم جامعات العالم، فإن موقع هذه الخزانة، قبل إنشائها، كان مقرا لأقدم بنك عرفه العالم. فنظرا للأموال التي كانت تتدفق على خزينة أحباس القرويين من تبرعات المحسنين، قامت الأحباس في القرن 12 م بإنشاء خزينة لحفظ هذه الأموال التي أصبحت تنافس في مداخلها خزينة الدولة، وأيضا لحفظ ودائع التجار والمواطنين عامة (للاطلاع أكثر على هذه الخزينة الرجوع إلى مقال القرويين هسبريس الأحد 12 دجنبر 2021).
لم يكن من الصدفة إنشاء هذه الخزانة في هذا المكان الذي هو امتداد لجامعة القرويين وتقابل أول مدرسة علمية في فاس لإقامة الطلبة وتدريسهم أنشأتها الدولة المرابطية (1056 ـ 1147) مدرسة الصفارين، هذه المدرسة التي يميزها عن باقي المدارس الأخرى التي أنشئت لاحقا بساطة البناء وخلاؤها من أي نوع من الزخرفة، وهو ما يتماشى مع سياسة ومبادئ الدولة المرابطية في بدايتها. أما الجزء المضاف إلى المدرسة، والذي يطل على واد بين المدن وله مدخل قرب قنطرة الخراشفيين، فهو من إنشاء يعقوب المريني (1212 ـ 1286) عام 1320. لقد سكن هذه المدرسة طلبة نابغون كان لهم دور كبير في بث روح المقاومة ضد الاستعمار الأوروبي، وأشهرهم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي أثناء مرحلة دراسته في القرويين.
كانت الساحة تزينها الأشجار وإلى عهد غير بعيد كانت ثلاث منها واقفة. ونظرا للحركة الدائبة التي تعرفها الساحة كهمزة وصل بين العديد من الأحياء، تم الاستغناء على اثنتين منها وبقيت اليوم واحدة عاتية على أطراف الساحة.
عند زيارة الكاتبة الأمريكية أناييس نين الثانية لفاس سنة 1966 كتبت لاحقا في كتابها In Favor of the Sensitive Man and Other essays “أجمل الأحاسيس حول الرجل ومقالات أخرى”، تتذكر ساحة الصفارين التي لم تعد كما عرفتها عند زيارتها الأولى عام 1936: “رثيتُ شجرة التين المجتثة من الساحة قبالة الخزانة، حيث كان الطلبة ذات يوم يجتمعون عندها، للمحاورة، لإلقاء أشعارهم ثم تعليقها على الشجرة، حتى يتسنى للمارة تقييمها”.
اختفت شجرة التين وأخواتها، غير أن الساحة بقيت قبلة المقيمين والسياح المغاربة والأجانب. فمحيطها غني بالآثار والمشاهد التاريخية. فحمامها مثلا كانت له ميزة لا تعرفها إلا حمامات قليلة في المدينة القديمة. فهو يضم حمامين في نفس البناية، أحدهما للرجال والآخر للنساء. بينما أكثر الحمامات الأخرى لها فترات استعمال يتقاسمها الرجال والنساء. على الجهة المقابلة للحمام، يقود الزقاق المنسلخ عن الساحة جنوبا، سوق المشاطين، إلى القنطرة الثالثة التي تربط بين العدوتين قنطرة بين المدن. هذا السوق، الذي كان متخصصا في صناعة المشط من قرون المواشي، اليوم لم يبق فيه إلا دكان واحد أو اثنان لهذه الصناعة. غير أن لهذا الزقاق علامتين، دينية وسياسية. أما الدينية فتتمثل في وجود فرع الزاوية الصادقية به، والتي يعود تأسيسها إلى صالح بن إبراهيم الذي تم الاعتراف بزاويته عام 1682 بظهير من السلطان مولاي إسماعيل ومقرها الأم يوجد في كتاوة جنوب المغرب. زاوية اندمجت مع حياة الفاسيين إلى درجة اختيارها دون غيرها من الطرق المألوفة نوبات الآلة الأندلسية في الحضرة، فالتفت من حولها جمهرة من أعيان البلاد وعامتهم فأصبحت عضوا في جسد الخريطة الفاسية. أما العلامة الثانية للزقاق فهي فندقها الذي يحمل اسم السوق “فندق المشاطين”. فقد كان بؤرة العمل الوطني في فترة مقاومة الاستعمار الفرنسي، حيث كان طلبة القرويين يقصدونه في استراحاتهم ويبثون روح المقاومة في حرفيي السوق منطلقين من الفندق خاصة كمجمع حرفي وكثافة بشرية في المحيط الحرفي.
لقد عرفت ساحة الصفارين أنواعا من النشاطات المختلفة، فهي تارة سوق علني للملابس البالية، وأخرى مكان إشهار للأفلام المعروضة في القاعات السينمائية بالمدينة وفضاء تقام فيه كل مساء حلقات ترفيهية يحييها رواة القصص والحكواتيون، أو حلقة طرب الملحون وحلقة الساحر وغيرها من الحلقات الفرجوية. كانت الحلقات التي تعقد بين معلمتي الساحة تحفظ إرثها الشفاهي من حكايات وأشعار شعبية، كأنها كانت تنافس المدرسة والخزانة في حفظ ما هو علمي وكتابي.
للأسف مستوى التعليم عندنا لا يواكب التاريخ العلمي بالمملكة
لا يمكن ان توصف مكتبة بتاج الملوك بل هي مكتبة تبرز حب الانسان المغربي للمعرفة و العلوم اذا هي تاج المغاربة.
خزانة جامعة القرويين وغيرها ، تجمع للموتى رحمهم الله أمهات الكتب في مختلف العلوم ، أما نحن الأحياء ، فلا حظ لنا في أية جامعة من جامعات الكرة الأرضية غير الجهل ، والأمية ، وسوء الخلق ،،،
في الحقيقة الكاتب هنا وصف المكتبة بوصف يليق بها ولكن الجوهر لن ولم يتكلم عليه ألا وهو الكتب التي كانت بهده المعلمة التاريخية التي هي إرث لجميع المغاربة أين إختفت هنا السؤال المطروح
كلمات ادا سمح لنا المنبر وكدالك كاتب السطور بلغة التاريخ سطور بلغة متواضعة جد ا شكرا ان للمملكة تاريخ ان للمملكة وزن ومكانة في عيونه متميزة ولكل مدينة من مدنها تاريخ وصور لايمكن ان تشيب ولو شاب الزمان يكفي مدينة فاس بهد ا الفخر والمكانة العالية جامعة لها يد طويلة في القدم ونالت شرف لاعتراف من منظمة اليونسكوا للعلوم والثقافة وبصيغة الجمع وهده نغمة باالمناسبة أضعها على جبين فاس وهي كاالتالي /بعنوان فاس التاريخ / مر شاعر على مدينة فاس فأنشد يقول شابت الوردة ونجوت أنت وكدالك الزهرة وكدالك الشجرة وكدالك النخلة وكدالك الطائر وكدالك العصفور وكدالك الهدهد وكدالك ريشتي وكدالك شعر رأسي وكدالك الزمان /-فمادا قال الشعراء عن فآس لؤلؤة ساحرة
الشكر للاستاذ الجاي الذي يتقن النبش في الذاكرة فيحيي الاحاسيس الجميلة التي تختزل طفولة مرت بأحياء المدينة القديمة ومشاهد ترسخت من عبق التاريخ وجمال الجغرافية
كنا نلج ونحن صغارا هذا الصرح الكبير مدفوعين بتوجيهات معلمينا لانجاز بحوث ودراسات،كان للمكان هيبة وجلالا فلا تسمع سوى همسات خافتات بين الجلوس او صرير اقلام او أزيز الكراسي الخشبية التي تؤثث المكان
وكنا نعرج احيانا لسوق الصباغين حاملين قنينات فارغة نملؤها مقابل ريالات معدودات بالمداد،وغالبا ما كنا نصل للمنزل وقد تلطخت ملابسنا
كان المشرفون على الخزانة يقومون بمجهودات كبيرة اولا لحفظ الكتب من التلف امام غياب الطرق العلمية الحديثة لذلك ثانيا لتقديم الكتب التي يطلبها الزائرون في وقت وجيز اعتمادا على تقسيمات وتبويبات وترتيبات للمراجع الكثيرة والمتنوعة،وذلك في زمن لم تكن فيه للرقمنة او النسخ الالي مكان،واذكر منهم السيد السعيد الفاسي ثم محمد بن عبدالعزيز الدباغ
حبذا لم يتم وضع بوابة الكترونية لخزانة ويتم نسخ المدخرات من الكتب النفيسة من اجل تحميلها بواسطة الحاسوب،حتى تعم الفائدة وحتى لا تبقى النفائس حكرا على او يتم ضياعها لسبب من الاسباب .
جامع القرويين متحف مفتوح أمام المصلين والزوار اللهم احفظ الأثار والنفاءس من أيدي اللصوص والعابثين .
الاستاذ الجاي يعرف فاس العتيقة معرفة عميقة و مفصلة. و داب على امتاعنا بمقالات تجمع بين الفائدة و المتعة و اللغة الرصينة. و لكن مقالة اليوم يغلب عليها الطابع الأدبي و العاطفي كثيرا. ما رأي الكاتب فيما تعانيه خزانة القرويين منذ مدة من مشاكل و صعوبات في تمكين الباحثين من مخطوطات الخزانة، إلا إذا كان لهم وسطاء ، أو قدموا رشاوى. و ماذا عما تتعرض له نفائس المخطوطات من سرقة و بيع وتهريب