الحكم ثابت والفتوى متغيرة

الحكم ثابت والفتوى متغيرة
الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 08:38

في العدد الرابع من مجلة زَمَان المغربية، المتخصصة في التاريخ، احتوت مقالتين، الجامِع بينهما فكرة أساسية واحدة، وإن اختلفت زوايا النظر، و هي كالآتي:

– المقالة الأولى: عنوانها “الفقه المدني” للمستشار العام للمجلة المصطفى بوعزيز، حيث بَيَّن ردة الفعل التكفيرية، التي أعقبت دعوة أصوات نسائية ورجالية لمعالجة الحيف و الظلم الناتج من التطبيق الحرفي للنصوص الشرعية حول الإرث، وتطالب بتأويل منصف للنصوص، مساير للعصر ولثقافة حقوق الإنسان التي يبوئها الدستور مكانة رفيعة. كما أنه يشير في سياق آخر إلى دعوة البعض إلى اعتماد “الفقه المدني”، للخروج من المنطق الثنائي الذي لا ينتج إلا التجييش و الحقد و الكراهية و العنف، وهذا الفقه يعتمد على المقاربة الجماعية المؤسسة على معطيات الزمان و المكان والمتخلصة من القيود القطعية، ويسميه بالطريق “الحلال” الذي يقر بصعوبة فصل بين الدين و الدولة، غير أنه يؤسس لمواطنة مغربية يكون فيها الدين أداة لسمو الفعل الإنساني.

– المقالة الثانية: عنوانها “اجتهاد بوجود النص” لرئيس تحرير المجلة عبد الله الترابي، حيث يقول:” أما الذين يتحججون بقطعية النص و استحالة الاجتهاد مع وجود آية قرآنية فهذا كلام مردود عليهم. ذلك، أن مجموعة من الآيات مرتبطة بسياقات نزولها التاريخية و الاجتماعية و الثقافية (…) نجد أن الخليفة عمر بن الخطاب مثلا قد تعامل مع عدة آيات بمنطق التأويل. وهكذا رفض عمر أن يعطي نصيبا من الزكاة لمن كانوا يسمون بالمؤلفة قلوبهم، وهم أعيان ورؤساء قبائل أسلموا حديثا وكان الرسول يعطيهم هذا النصيب ليحبب الإسلام لهم وليأمن خصوصا من شرهم وتقلبهم. رغم أن تلك الفئة مذكورة في القرآن عند تخصيص مستحقي الزكاة إلا أن عمر أعمل رأيه واجتهد (…) حينها لم يهتف أحد في وجه عمر بأن لا اجتهاد مع وجود النص، ولم يعتبروه مبتدعا أو مارقا من الدين كما يفعل البعض في وقتنا هذا”.

تدور المقالتان على فكرة أساسية فحواها ” المتغيرات الزمانية و المكانية و التاريخية والاجتماعية وأثرها في تغيير أحكام التشريع”، غير أن كل كاتب يقترح فكرة؛ فالأول يدعو إلى تأسيس فقه مدني، و الثاني يدعو إلى تعطيل الأحكام القطعية بمبرر تغير الزمان و المكان.

بعد هذه الملاحظة الإجمالية يمكن أن أسجل الملاحظات الآتية على:

– المقالة الأولى: تدعو إلى تأسيس فقه مرتبط بالزمان و المكان غير مقيد بالقطعيات. هذه الفكرة تستبطن ضَعفا شديدا في تصورها لمنهجية الاجتهاد و الفتوى في الفقه الإسلامي، فالفقه كالحبل المفتول، هو جمع بين خيطي النص و الواقع، فالنص بما يتضمنه من أحكام شرعية “الإيجاب و الندب، التحريم و الكراهة، الإباحة” لا تعرف التبديل و لا التحريف، فالحكم لا يتغير فهو باق إلى أن ينتهي زمن التكليف، لكن الذي يتغير هو الفتوى، فاجتهاد الفقيه كما يقول الإمام الشاطبي يفتقر إلى نظرين: نظر في الحكم، ونظر في مناطه، أي نظر في علة الحكم، فعلة التحريم مثلا في الخمر، ليس لونه الأحمر، لأن الخمر قد يكون بلون آخر، وليس باعتباره سائلا لأنه قد يكون مخْمِرا وهو من نوع صلب..، إذن؛ يحقق الفقيه المناط، فيصل إلى أن علة التحريم هي الإسكار وهي علة ثابتة منضبطة..، ولذلك عند تنزيل هذا الحكم في الواقع، يبذل مجهودا في تعيين محل الحكم في النازلة، فهذا التعيين هو الذي يتغير من نازلة إلى أخرى، أما الحكم فهو ثابت لا يتغير، وفي هذا يميز الشاطبي بين الأحكام قبل طروء الطوارئ، بمعنى الحكم مجرد من التوابع و الإضافات كسَنِّ الزواج مثلا، وبين الأحكام مع اعتبار التوابع و الإضافات، فقد يكون الزواج في حق شخص ما حراما، في حق آخر واجبا..، بسبب اختلاف وضعية كل واحد منهم.

– المقالة الثانية: استدل صاحب المقال بفقه عمر رضي الله عنه، ليؤكد تغير الأحكام، وهذا غير صحيح، الحكم ثابت مستقر، وإنما الذي تغير هو الفتوى، فلو كانت جماعة المؤلفة قلوبهم موجودة في زمن عمر، لأعطاهم نصيبهم، لأنه لن يعطل حكم الله تعالى، وما كان لصحابيا أن يفعل ذلك، و الكثيرون يستثمرون فقه عمر بمقاصد غير صائبة، كأن يتحدثوا عن أنه “أوقف” حكم حد السرقة في عام الرمادة، العام الذي اشتد فيه الجوع على الناس، حيث سرق رجل، ولم يطبق عليه عمر رضي الله عنه الحد، فيقولون إن عمر بن الخطاب عطل حكم شرعيا قطعيا مراعاة للواقع، و هذا كذب على عمر، لأن هؤلاء لا يميزون بين فهم الحكم الشرعي في أدلته التفصيلية، وبين تنزيل هذا الحكم على نازلة محددة، ينطبق عليها المفهوم الشرعي للسرقة، فالرجل قد يبدو لنا أنه سرق لكن شبهة تحوم حول سرقته، وهي شبهة الضرورة، ومعلوم أن القاضي ملزم بدفع الشبهات عند الحدود، ولذلك فما فعله الرجل ليست سرقة مكتملة الأركان، وعلى هذا الأساس قام عمر رضي الله عنه “فعلق” الحكم ولم “يبطل” الحكم، و شتان بين الإبطال و التعليق.

كما أن صاحب المقالة وقع في خطإ شنيع، لم يفهم بدقة معنى “النص”، فهو يظن أن النص هو الدليل من القرآن و السنة، لكن قاعدة “لا اجتهاد مع وجود النص” تقصد معنى آخر، فلو أعدنا صياغة القاعدة بما يظنه صاحب المقالة فسنقول مثلا ” لا اجتهاد مع وجود الدليل” وهذا غير صحيح، لأن الأدلة تفتقر دائما إلى الاجتهاد في الاستنباط و التنزيل، ولذلك فالمقصود بالنص، هو أحد قسمي واضح الدلالة عند المتكلمين، وهو الذي لا يحتمل إلا معنى واحد، ولذلك لا يقبل الاجتهاد و التأويل، وإنما الذي يؤول هو الظاهر.

إن المقالتين تعبران عن أفكار منتشرة في العالم العربي، وهي عبارة عن سرديات تحلم بفقه يؤطر حياة الفرد و المجتمع، لكن مشكلة هؤلاء الذين يتبنون مثل هذه الأفكار، أنهم لا يمتلكون الجرأة الكافية لإبداع “منطق في الاستدلال” مؤسس لما يريدونه من أحكام فقهية، لأن الفقه أكان إسلاميا أم وضعيا..، يستند على أدلة تشكل فلسفته، ولذلك؛ فالباحثون في فلسفة التشريع لا تخيفهم دعوات تأسيس فقه مدني، بل يرفعون تحديا أمام هؤلاء الدعاة بأن قدموا فلسفة هذا الفقه، لأن النقاش ينصب على الاستدلال وليس على الأحكام، غير أن ما نلاحظه أن هؤلاء يعجزون في المحاولة الأولى، وكل ما يفعلونه هو أنهم يستغلون بعض الفتوى من التراث لتبرير طروحاتهم الإيديولوجية، وتحوير الكثير من المفاهيم الشرعية، فيريدون الاجتهاد من الداخل لكن بما يتعارض مع هذا المجال الدلالي و التداولي، فيثيرون اللغط و الشغب الإعلامي..، فتنطبق عليهم صفة المقلد الذي يدّعي الاجتهاد بدون دليل. فقبل أن تدعو هذه الأصوات إلى فقه مدني، عليها أن تؤسس لأصول فقه مدني، بمرجعية واضحة غير ملفقة.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • الطنجاااوي
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 15:05

    أوضح الكاتب فكرة مهمة قد تبين اللغط الذي يجرنا له العلمانيون دائما فيقول الكاتب بأن :"النقاش ينصب على الاستدلال وليس على الأحكام".
    هذا أصل المشكل، لأن العلمانيين لا يناقشون الأدلة، بل يناقشون الحكم دون الاتيان بالدليل الذي يعطي مصداقية "لاجتهادهم". فالعلمانيون لم يكونوا أبدا عبر التاريخ مجتهدين في الدين لأنهم يرفضونه أصلا كتشريع.
    هنا ينتهي الكاتب بتوضيح أن الأصوات الداعية لفقه مدني: "عليها أن تؤسس لأصول فقه مدني، بمرجعية واضحة غير ملفقة". فالاجتهاد في الدين يكون بمناقشة الدلائل بمرجعية اسلامية. أما الضرب في الأحكام دون دليل أو بمرجعية لادينية فلا يسمى اجتهادا.

    لهذا عبر التاريخ الاجتهاد في الاستدلال و بالدليل كان من انتاج فقهاء الدين. وكذلك عبر التاريخ الهجوم على الأحكام وإغفال الاستدلال من انتاج العلمانيين.

    فما يريده العلمانيون هو تطويع الأحكام المبنية على الاستدلال لتتماشى مع المواثيق الدولية التي يقلدونها من الغرب.

    على أي قاعدة أنه من اجتهد واخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران، هي من صميم الاسلام وهي أصل الفقه ولم يأت بها العلمانيون.

  • alia
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 15:38

    الفقه كالحبل المفتول، هو جمع بين خيطي النص و الواقع، مقولة جميلة لنسقطها على الوقت الراهن هل الاجتهاد مساير للواقع الحالي ام ان الفقهاء ما زالوا يجترون الاحكام , ويحاولون فرض الفتاوى و الفهم التي انتجه المجتهدون قبل 1400 سنة والذي كان حتما متماشيا مع واقعهم و المستوى المعرفي لديهم لكنه و في كثير من جوانبه لم يعد صالحا نظرا لتغير الواقع و تحوله .تعميم الفهم المستنبط على كل الازمنة اضاف اشكالية جديدة عند الشباب المسلم حين وجد نفسه ملزما ان يختار بين امرين احلاهما مر فاما ان يستسلم و هو غير مقتنع للجمود و اعتبار الموروث الديني من المسلمات ,او يصبح محل الاتهام و التجريح.

  • tharbat
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 17:52

    est ce que les generation s de facebook , twitter , Ipad , les portables , instagram vont appliquer vos lois stagnantes ? c est ca la question changer ces lois est inevitable ila mabghitouche had religion tn9ared khess ijtihad ou bien bye bye , les societes ont change dans tous les domaines appliquer des lois moyen ageuses sur une societe de Hi tech est impossible , faut evoluer, evoluer , evoluer ………….la verite blesse

  • درع الامة
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 18:50

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الاحكام الثابتة بنصوص قطعية من القران الكريم و السنة النبوية الشريفة لا تقبل الاجتهاد فهي واضحة وضوح الشمس فمن الاجدر للمؤمن ان يقول سمعنا و اطعنا
    اما الدخول تراهات لا فائدة منها سوى كثرة الجدل و القيل و القال لن يغني من الحق شيئا لان سمة العلمانيين هي المراوغة حتى لو اثبت ادعائهم يحاولون جر الاخر الى مواضيع متشابكة لعل وعسى يخلطون عليه الحابل بالنابل ولاكk يظل السؤال قائما الى متى !!!!!!!!!

  • arsa
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 21:31

    لا مقارنة بين الصحابة المتسابفين للكراسي..
    هناك دائما امور يجتمع عليها الجمع فيقرها ولي الامر اما قصرا او لضروف ما ولا يحق لاحد الاعتراض عليها جهرا تجنبا للفتن .
    ما نحن في صدد مناقشته لا يتعلق بعمر او خالد ولا بامير المؤمنين هناك اناس يستغلون الدين لاجندات حزبية وهم لايفقهون في الدين شيئا وهناك تيار محافظ يرد عليهم في ضاهر الصورة النقاش هو فكري اديولوجي وفي الباطن هو صراع من اجل المصلحة الخاصة وليس في القنافد املس الكل يسيئ الى الدين لغياب اهل الصدق والشرف والامانة على الساحة التنضيمية وتسيير شؤون الدولة ومؤسساتها .

  • SIFAO
    الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 23:31

    الدين خطاب مغلق مبني على ثنائية لا تسمح بأخرى ، حلال او حرام ، كافر اومؤمن ، مثل شرطي المرور لا يعرف الا قف او مر ، اسلوب التقسيم والتجزيئ الذي ينتهجه المدافعون على التقليد ليس تقسيما علميا ولا فنيا وانما تمويهيا وتضليليا ، اظهار الوجه المشرق للظلام ، لا فرق بين الفتوى والحكم الا في اللغة ، الفتوى تحدد طبيعة الحكم وتقوم مقام الآية او الحديث ، هي التي تحدد نوعه ، سيئ او جيد ، مستحب او مكروه ….، وهذا التمييز في حقيقة الامر هو سبب تعدد التيارات والحركات الاسلامية ، كل فرقة تعزف على الوتر الذي يطربها ، حول كل نازلة هناك الف رأي ورأي ، الفقهاء هم من اغرقوا الخطاب الديني في وحل التشظي ، يسايرون العصر بعقلية الماضي فينتجون المهازل والمآسي ويروجون للخرفات على انها علوما شرعية ، يقولون ان الاسلام دين التوحيد ، ولا اعرف ماذا يوحدون ، منذ 15 قرنا وهم يتحدثون عن توحيد الصف ولا يزيدون الا تشظيا .
    الدين خطاب لا زمكاني ، يعني ليس خطابا تاريخيا يؤرخ للعقل البشري وانما
    يطالب العقل ان يؤرخ له على انه حقيقة تتجاوز حدود الزمان والمكان وهذا ما ليس من اختصاصه .الاعتراف سيد الادلة

  • Hilal
    الأربعاء 5 فبراير 2014 - 03:13

    نعم التحليل ونعم الرد . كلام رصين وراي سديد وحجج دامغة . لكن اقول للطرفين : كفاكم الرمي من بعيد , والنقد والنقد المضاد. وتعالوا اعقدوا.مناضرة , او تعالوا تحاكموا الى لجنة مختلطة فيها علمانيون وفيها فقهاء شرعيون وليكونوا من اعلى مستوى علما ونفوذا . ليضعوا شرعا وسطا يرضاه الجميع ويخلصوا الشعب من هذه الحيرة و هذا القلق المؤرق والمفزع الذي اصبح شبحامخيفا لا يبشر بخير .فهلموا بادروا .

صوت وصورة
احتجاج سائقي طاكسيات الرباط
الأحد 8 نونبر 2026 - 16:22 4

احتجاج سائقي طاكسيات الرباط

صوت وصورة
حقوقيون يحتجون في تيفلت
الأحد 8 نونبر 2026 - 14:35 1

حقوقيون يحتجون في تيفلت

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10 2

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 16

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 24

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل