الدور المحدود للجان الفيلم

الدور المحدود للجان الفيلم
الأربعاء 10 يونيو 2026 - 22:05

الدور المحدود للجان الفيلم: إشكالية الفاعلية في السياسات السينمائية الترابية

أنشئت لجان الفيلم باعتبارها آلية لتشجيع الاستثمار السينمائي بالجهات، وتحويل المؤهلات الطبيعية والثقافية إلى رافعة للإنتاج السمعي البصري. وقد راهنت السياسات العمومية على هذه البنيات لتقريب الخدمات من المنتجين، وتعزيز الجاذبية الترابية، والمساهمة في خلق قيمة اقتصادية وثقافية محلية. غير أن التجربة العملية تكشف أن مساهمة عدد من لجان الفيلم ما تزال محدودة مقارنة بحجم الانتظارات والموارد المعبأة لها، مما يطرح سؤال الفاعلية أكثر من سؤال الوجود.

أولا غياب التأثير الفعلي على قرار الاستثمار السينمائي

في التجارب الدولية الناجحة، تلعب لجان الفيلم دوراً حاسماً في استقطاب الإنتاجات من خلال الحوافز والتسهيلات الإدارية والترويج الاحترافي للوجهات. أما في السياق المغربي، فإن قرار اختيار مواقع التصوير يبقى مرتبطاً أساساً بعوامل أخرى أكثر تأثيراً، مثل نظام الدعم الوطني، وتكلفة الإنتاج، والبنية التحتية المتخصصة، وشبكات العلاقات المهنية.

وبالتالي، يصعب إثبات أن وجود لجنة الفيلم وحده كان عاملاً حاسماً في استقطاب عدد مهم من المشاريع، مما يجعل أثرها الفعلي على الاستثمار السينمائي محدوداً.

ثانياً: اختزال الوظيفة في الوساطة الإدارية

يفترض أن تشكل لجان الفيلم منصة متكاملة للتنمية السينمائية، غير أن نشاطها غالباً ما ينحصر في تسهيل التواصل بين المنتجين والإدارات المحلية.

ورغم أهمية هذا الدور، فإنه يبقى وظيفة تقنية لا ترقى إلى مستوى التدخل الاستراتيجي القادر على تطوير الصناعة السينمائية الجهوية. فاللجنة تصبح مجرد وسيط إداري بدل أن تكون فاعلاً تنموياً ينتج المبادرات ويقود المشاريع.

ثالثا ضعف المردودية الاقتصادية على المستوى الترابي

من أبرز المبررات التي تقدم لإنشاء لجان الفيلم مساهمتها في التنمية الاقتصادية المحلية. لكن عند تقييم النتائج، يتبين أن الأثر الاقتصادي غالباً ما يكون ظرفياً وموسمياً، مرتبطاً بفترة التصوير فقط.

فمعظم النفقات الكبرى للإنتاجات السينمائية تستفيد منها شركات وطنية أو أجنبية متخصصة، بينما يظل نصيب الاقتصاد المحلي محدوداً في خدمات الإيواء والنقل وبعض الخدمات اللوجستيكية. كما أن فرص العمل التي توفرها هذه المشاريع تكون مؤقتة ولا تؤدي بالضرورة إلى خلق نسيج اقتصادي مستدام.

رابعا ضعف مساهمة اللجان في بناء صناعة سينمائية جهوية

لا يقاس نجاح لجان الفيلم بعدد الإنتاجات المستقبلة فقط، بل بقدرتها على تطوير منظومة مهنية محلية. وفي هذا الجانب، تبدو النتائج متواضعة.

فعدد محدود من اللجان يساهم فعلياً في تكوين التقنيين، أو دعم الشركات المحلية، أو خلق قواعد بيانات مهنية محدثة، أو تشجيع الاستثمار في البنيات التحتية السينمائية. ونتيجة لذلك، تبقى الجهات فضاءات للتصوير أكثر منها مراكز للإنتاج السينمائي.

خامسا هشاشة الحكامة وغياب مؤشرات الأداء

تعاني العديد من لجان الفيلم من غياب مؤشرات دقيقة تسمح بقياس أدائها. فلا توجد في كثير من الأحيان معطيات منشورة حول حجم الاستثمارات المستقطبة، أو عدد أيام التصوير، أو فرص الشغل المحدثة، أو العائد الاقتصادي المباشر وغير المباشر.

ويؤدي هذا النقص في التقييم إلى صعوبة قياس الأثر الحقيقي للموارد العمومية المخصصة لهذه البنيات، كما يحد من إمكانية محاسبتها على النتائج المحققة.

سادسا التداخل مع اختصاصات مؤسسات أخرى

تواجه لجان الفيلم تحدياً آخر يتمثل في تداخل أدوارها مع اختصاصات المركز السينمائي المغربي، والمجالس الجهوية، والمؤسسات السياحية والثقافية.

وفي غياب توزيع واضح للأدوار، تصبح بعض تدخلاتها تكراراً لجهود قائمة بدل أن تشكل قيمة مضافة مستقلة، وهو ما يضعف فعاليتها ويؤثر على وضوح موقعها داخل المنظومة السينمائية.

من لجان للترويج إلى وكالات للتنمية السينمائية

إذا أريد للجان الفيلم أن تتحول إلى فاعل مؤثر، فإن مستقبلها يمر عبر إصلاحات جوهرية الانتقال من منطق المواكبة إلى منطق الاستثمار
أي جعل اللجنة فاعلاً قادراً على جذب المشاريع ومواكبتها وتمويل جزء من تكاليفها بشراكة مع الجهات.

ربط التمويل بالنتائج

اعتماد مؤشرات أداء واضحة تشمل حجم الإنفاق المحلي، وعدد فرص الشغل، والاستثمارات المستقطبة، وليس فقط عدد الملفات المعالجة.

تطوير قاعدة صناعية محلية

الاستثمار في التكوين، ودعم المقاولات الثقافية والسمعية البصرية المحلية، بما يسمح بتحويل الجهات إلى أقطاب إنتاج حقيقية.

تعزيز الحكامة والشفافية

نشر تقارير سنوية تتضمن حصيلة مالية واقتصادية مفصلة تسمح بتقييم الأثر العمومي لهذه اللجان.

بناء نموذج جهوي متكامل

ربط عمل لجان الفيلم بالاستراتيجيات الجهوية للسياحة والثقافة والاستثمار، بما يجعل السينما جزءاً من مشروع تنموي شامل وليس نشاطاً معزولاً.

بعد أكثر من عقد على إحداث عدد من لجان الفيلم، يبدو أن الإشكال لا يتعلق بغيابها بقدر ما يتعلق بضعف قدرتها على التحول إلى أدوات حقيقية للتنمية السينمائية والترابية. فبين الوظيفة الترويجية المحدودة والطموح التنموي الكبير، ما زالت الحاجة قائمة إلى إعادة تعريف أدوارها وصلاحياتها ومؤشرات نجاحها، حتى تصبح فاعلاً منتجاً للقيمة المضافة لا مجرد هيئة مواكبة للإنتاجات السينمائية.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
موقف "اليسار" من الانتخابات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 14:32 1

موقف "اليسار" من الانتخابات

صوت وصورة
العسري والتحالف مع "البيجيدي"
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 13:51 6

العسري والتحالف مع "البيجيدي"

صوت وصورة
بركة والتحالف مع الأصالة والمعاصرة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 13:43 4

بركة والتحالف مع الأصالة والمعاصرة

صوت وصورة
شوكي: تعيين المنصوري لحظة تاريخية
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 12:31 6

شوكي: تعيين المنصوري لحظة تاريخية

صوت وصورة
العسري يعلّق على تعيين المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:35 3

العسري يعلّق على تعيين المنصوري

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟