الذكاء الصناعي وضرورة التدخل التشريعي العاجل

الذكاء الصناعي وضرورة التدخل التشريعي العاجل
الثلاثاء 28 مارس 2023 - 07:45

الذكاء الصناعي هو مصطلح واسع جدا يهدف إلى وضع برامج ومجموعة من الأنظمة التي يمكنها أن تفكر أو لنقل بشكل أكثر دقة تحاكي تفكير الإنسان، واتخاذ القرارات، والجواب عن كل سؤال أو طلب يطلب منها، وهو كنظام لا يكتفي بالجواب، بل يمكنه أن بيدع ويرسم لوحات بناء على طلب معين أو يكتب قصصا أو بحوثا بناء على طلب، فهو عالم سحري قد تجد لديه كم من المعلومات ويعمل على مجموعة من الخوازميات، للجواب على كل ما يطلب منه، والذكاء الصناعي بفعل الانتشار الذي نجح فيه بسرعة واعتماد مجموعة كبيرة من رواد النت على العمل به وبتقنياته والتمتع بعروضها غير المحدودة والمبهرة، ستكون له آثار وأضرار على بعض المتعاملين به أو ممن ستنهك حياتهم أو ملكياتهم الفكرية أو الصناعية بفعل هذه التقنية الجديدة، وهنا لا بد أن يظهر أو يكون جسم القانون الذي يحدد العمل والتعامل به ويحمي الجميع من سلبياته أو جرائمه أو تصرفاته غير القانونية، لكن تعريف القانون بالشكل التقليدي، الذي عرفه الخاص والعام، طيلة قرون، متمثلا في مجموعة من القواعد والنصوص التي قد تكون آمرة أو مكملة أو محددة لتصرفات الإنسان ومعاملاته الحياتية والمالية، وكانت تحدد الحقوق والواجبات على كل إنسان وعلى الشركات والمؤسسات والكيانات قانون كان يحتاج في كل مرة وحين إلى إدخال تعديلات عليه، بعدما تؤكد الممارسة العملية له، ضرورة تعديله أو إغنائه لتحقيق العدل والمساواة بين الأفراد والكيانات القانونية المنظمة، وكان المشرع يتدخل بقانون لتنظيم قطاع أو تصرفات جديدة لم يحددها القانون من قبل، وكان التعديل أو التأسيس للقانون الجديد يُبنى على قواعد ومبادئ تكون أُس أغلب القوانين، هذا القانون بتعريف الكلاسيكي سيصبح ناقصا مع تطور الحياة واعتماد الإنسان وكل الكيانات القانونية وغير القانونية على التقنية التي تمرح في العالم الأزرق، وطغيانها في التعاملات بين كل الأطراف في معاملاتهم وتصرفاتهم اليومية بعد أن أصبح الفضاء الأزرق هو ساحة المعاملات واللقاءات، التي قد تكون بين من يعرفون بعضهم البعض وأحيانا كثيرة بين مجرد كيانات لها أسماء قد لا تعبر حقيقة عن كينونتها في العالم الحقيقي، كل ما يجري أمام أعيننا ويدق أسماعنا كل يوم بأصوات مفزعة مخيفة غير مصدقة لما نسير نحوه، يجعلنا نطرح مجموعة من الأسئلة، من مثل: هل القانون المغربي بقوانينه ومرجعياته الحالية قادر على ضبط كل ما يجري بعالم الإنترنت؟ وهل ثورة الذكاء الصناعي يمكن لقوانين المغرب أن تحكمها وتربط زمامها حتى لا تأتي على الأخضر واليابس من مدخراتنا المالية والمعنوية وسمعتنا، وتترك بيننا ضحايا كُثر بسبب عملياتها غير القانونية أو الإجرامية الاحترافية؟ وهل المغرب استعد أو يعمل على الاستعداد للتعامل بشكل قانوني منظم مع هذه التحديات التي أفرزتها التقنية والذكاء الصناعي وعوالم الإنترنت؟ وهل كل ما يجري في هذه العوالم يمكن أن يدفع بالمشرع المغربي إلى تحريك العجلة القانونية بسرعة، وتغييرها وجعلها تنضبط مع المتغيرات في هذا العالم الذي أصبحت تحكمه التقنية والذكاء الصناعي؟ وهل هذه التغيرات ستصبح معها القواعد القانونية والمبادئ والتشريعات والمفاهيم المحددة لها قديمة لا يستوعبها فيض التقدم الحاصل، وستصبح بعد حين متجاوزة؟ وهل بجب على المشرع المغربي أن يسارع بالتدخل حتى لا يُضعف الذكاء الصناعي سيادة القانون ويُشوش على العدالة؟

الأكيد أن هناك أسئلة يجب أن نستعد لطرحها أولا في شكل أسئلة وإشكاليات، تم ننتقل من الطرح والجواب إلى التقنيين والتنظيم للإشكالات الحديثة والأجوبة عنها بقواعد مستجدة تراعي الخصوصية الجديدة، بقوانين جديدة، تُحاول أن تحل المشاكل المنتظرة من تسونامي التقنية الذي سيسابق الريح في الطرق السيارة للمعلومات، وبعد أن غرقت بسببه أقدامنا فيه منذ عدة سنوات، سنكون في مواجهة العالم الخفي والخيالي للذكاء الصناعي الذي بدأت أقدامنا فيه تبتل وتغوص بسرعة وبدون محددات ومقومات وبدون وقاية أو حماية، دون أن نعلم أو نخمن هل في نغرق في براثنه أم نبتل بنعمه، والذكاء الصناعي كفكرة لم يبدأ العمل عليها حديثا كما نعتقد، بل إن الدراسات والأبحاث حوله قديمة قد تجعلنا نفتح أفواهنا من الدهشة حين نعلم أنها بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي بالولايات المتحدة الأمريكية، وحتى نكون منصفين، فإن أسئلة الذكاء الصناعي وكيفية وقف زحفه الجامح وتنظيمه وجعله تحت سلطان القانون ومطرقة العدالة، هو موضوع بدأ يطرح بأمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي قبل سنين قليلة، وتعريف وتحديد مصطلح الذكاء الصناعي في صورته القانونية بات يعتبر من الأمور التي لا يريد أن يستعجل فيها رجال الفقه وفلسفة القانون، لأن كل تحديد له غير مضبوط ودقيق قد يؤدي إلى وقف التطور الذي يعرفه الذكاء الصناعي، ويؤدي إلى شله ووقف انسيابيته وتطوره المستمر، وقد يُصبح إيقافا وضربا غير مطلوب لقطاعات قد تكون لها فائدة كبيرة على أمن وأمان الناس وصحتهم وغناهم ورفاهيتهم، وحسب العديد من المهتمين من رجال القانون في أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي من المنتظر أن تظهر في أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي البوادر الأولى لتنظيم الذكاء الصناعي في قالب قانوني خلال السنتين المقبلتين، وهذا لا يعني أن المغرب غير معني بتنظيم هذه القطاعات وانتظار مرور عقود بعد خروج القوانين المنظمة كما كان يجري الأمر في قطاعات كانت جديدة في فرنسا، تم تنظيمها وخرجت قوانينها للوجود والعمل، قبل أن يتباطأ المغرب في تنظيم قوانين مماثلة بعد عقد أو عقدين لتلك القوانين التي أخرجتها فرنسا قبله في غضون أعوام قليلة، لأن الظروف التي كانت تخرج فيها القوانين المنظمة لقطاع مُستجد مُعين ليست هي الظروف نفسها التي نعرفها اليوم، لأننا في العالم الأزرق كما قيل أكثر من عشرين سنة، نعيش في غرفة واحدة ونتواصل بين بعضنا البعض في اللحظة والآن وليست هناك حدود بعيدة بين المتواصلين أو فارق زمني للتواصل والتعامل، أما الآن فنحن بتنا نعيش في غرفة واحدة، لذلك فالمغرب عليه أن يبدأ في التفكير في اللحظة نفسها، التي تفكر فيها هذه الدول في تنظيم هذه القطاعات، لأن كل ما يحدث من مشاكل في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وإفريقيا مترتبة عن الأنترنت والتقنية والذكاء الصناعي تحدث في اللحظة نفسها وتمس مواطني كل دول العالم بدون استثناء، لذلك يجب على المغرب أن يسارع إلى العمل والبحث والتنسيق مع الدول المتقدمة لإقرار قوانين ومبادئ جديدة تنظم هذه القطاعات وتحددها، لكي يتفادى مواطنو المغرب كل المطبات التي يمكن أن تؤدي بهم إلى الانزلاق والضرر بسبب عدم التقنين أو يفقدوا توازنهم المالي بسببها.

فعالم الأنترنت بفضاء بدون حدود تحده وبدون قوانين وقواعد تحكمه وبيئة قانونية تحضنه وتُحصنه وتحمي رواده، قد يرسم علامات سوداء على مستقبل القوانين والعدالة بشكل عام على بلادنا لذلك فنحن مدعوون إلى وضع تعريفات جديدة قد تكون مخالفة أو متطورة لتلك المفاهيم القانونية التي عهدناها في السابق، ولا يجب أن ننسى أن علينا جعل التعليم في الجامعات المهتمة بالقوانين تعليما حديثا، يراعي ما يُستجد على الساحة الدولية من تقنيات جديدة ويؤسس لفروع قوانين متخصصة في القوانين التي تهتم بالتقنية والإنترنت والذكاء الصناعي وكل المعاملات التي تتم عن بعد بأطراف متعددة الجنسيات، وتجعل الطلاب يتعرفون على الإجرام الجديد الذي يختلف عن الإجرام التقليدي الذي كان يعتمد على القوة وهو إجرام يتم عن بعد بالأدوات التقنية واستعمال التزييف والاحتيال والنصب الإلكتروني، فرسم صورة وردية عن مستقبل القوانين التي ستكون مفيدة وملائمة ومنصفة، يتطلب منا الإسراع في تنظيم مجموعة من القطاعات التي ستؤثر عليها التقنية والذكاء الصناعي في الفضاء الأزرق، كقوانين الملكية الفكرية والبيئية والشركات والعمل عن بعد، والإجرام السيبرياني بكل أنواعه وأصنافه وغيرها من القوانين، ولن يكون من السهولة بما كان معرفة المشاكل القانونية وإيجاد الحلول القانونية في القوانين التي ستنظم هذه القطاعات المستجدة لأن التنبؤ بالمشاكل التي يمكن أن يفرزها العمل في هذه القطاعات واستعمالها، أمر ستفرزه التجربة العملية والممارسة الفعلية، ولكن هذا لا يعني أن نظل مكتوفي الأيدي ننتظر تجميع هذه المشاكل كلها، قبل أن نقف لتنظيمها، بل يجب أن نعمل بسرعة على تنظيمها وفق ما سيطرحه المختصون في كل دول العالم من مشاكل وحلول، وبعد إخراج النص للوجود والعمل به، يمكن أن نقوم بإجراء تعديلات سريعة عليه كلما ظهرت مكامن الخطأ والاحتيال والظلم في بعض بنوده أو في تصرفات بعض المقيدين بمواده.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية