الذكرى المائوية لمسجد باريس الكبير .. قراءة في الجذور المغربية للمؤسسة

الذكرى المائوية لمسجد باريس الكبير .. قراءة في الجذور المغربية للمؤسسة
صورة: أرشيف
الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:00

تابعت يوم 16 يوليوز الجاري الاحتفال بالذكرى المئوية لمسجد باريس الكبير، الذي أشرف عليه العميد الحالي شمس الدين حفيظ، وشارك في تقديم فقراته الإعلامي المغربي عبد الرحيم حافظي، مقدم برنامج الإسلام على القناة الثانية الفرنسية. وامتد الحفل قرابة ثلاث ساعات، كان من المفترض أن تشكل مناسبة لاستحضار الذاكرة التاريخية لهذه المؤسسة الإسلامية العريقة، غير أن ما طُرح خلالها يدعو إلى وقفة تأمل، لأن الاحتفاء بالمؤسسات لا يكتمل إلا بالوفاء لتاريخها الحقيقي.

لم تكن ملاحظاتي مرتبطة بتنظيم الحفل أو عدد ضيوفه، وإنما بالسردية التاريخية التي قُدمت حول نشأة المسجد؛ فقد بدا، في أكثر من محطة، أن تاريخ التأسيس أُعيدت صياغته بما يهمش أدوارًا موثقة في الأرشيف الفرنسي والمغربي، ويقدم رواية لا تنسجم مع الوثائق المؤسسة للمسجد.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تقديم السلطان المغربي مولاي يوسف وكأنه أحد المدعوين إلى حفل الافتتاح إلى جانب رئيس الجمهورية الفرنسية. والواقع أن السلطان لم يكن ضيفًا على المشروع، بل كان يمثل المرجعية الروحية التي ارتبط بها المسجد منذ نشأته؛ فقد أصدر سنة 1917 ظهيرًا شريفًا عيّن بموجبه قدور بن غبريط، الجزائري الأصل والمتجنس بالجنسية المغربية، على رأس شركة الأحباس والأماكن المقدسة، وهي المؤسسة التي أوكل إليها الإشراف على مسجد باريس، إلى جانب إدارة مؤسسات وقفية أخرى، منها فنادق الحجاج المغاربة بمكة المكرمة والمدينة المنورة. ومن ثم فإن علاقة السلطان بالمسجد كانت علاقة تأسيس وإشراف، لا مجرد حضور بروتوكولي.

كما أن الحديث عن مساهمة “حرفيين من شمال إفريقيا” في بناء المسجد يتجاوز حقيقة توثقها وثائق محفوظة بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية في لا كورنوف، تفيد بأن الصناع التقليديين الذين أنجزوا الزخارف المغربية قدموا من المغرب، وبأن مواد البناء التقليدية، من الزليج الفاسي والخشب المنقوش والجبس، نُقلت عبر ميناء الدار البيضاء إلى باريس خصيصًا لإنجاز المسجد وفق العمارة المغربية الأصيلة.

وتشير الوثائق كذلك إلى أن لجنة من المؤقتين المغاربة أشرفت على تحديد اتجاه القبلة عند وضع الحجر الأساس للمسجد، اعتمادًا على الخبرة المغربية في علم المواقيت والفلك، وهي الخبرة التي اشتهرت بها مدرسة فاس ودار المؤقت، واستندت إلى تراث علمي راكمه علماء كبار، من بينهم ابن البناء المراكشي.

ومن الجوانب التي تستحق إعادة الاعتبار أيضًا شخصية الإمام محمد بن العربي السكيرج، أول إمام وخطيب للمسجد؛ فقد تضمنت خطبته الأولى وصايا جامعة للمسلمين المقيمين في فرنسا، دعاهم فيها إلى حسن الجوار، واحترام القوانين، والإحسان إلى الناس، وتربية الأبناء على الأخلاق، والمحافظة على الدين مع الاندماج الإيجابي في المجتمع؛ وهي وثيقة تأسيسية جديرة بأن تُدرج ضمن النصوص المرجعية لتاريخ الإسلام في فرنسا.

وخلال الاحتفال عُرض شريط وثائقي حول طباعة المصحف المئوي بالجزائر، وأُعلن عن توزيعه على مساجد فرنسا، في مشهد قد يفهم منه أن لمسجد باريس سلطة دينية على عموم المساجد الفرنسية، بينما الواقع القانوني والتنظيمي للإسلام في فرنسا أكثر تعقيدًا وتعددًا. كما جرى التأكيد على أن سبعة من عمداء المسجد كانوا من أصول جزائرية، دون توضيح أن الجزائر، بصفتها دولة مستقلة، لم يكن لها دور في تعيينهم، باستثناء العميد الحالي، وأن تاريخ المسجد سابق على استقلال الجزائر بسنوات طويلة.

إن الإدارة الحالية لأي مؤسسة لا تمنحها حق إعادة كتابة تاريخها؛ فالذاكرة التاريخية لا تؤسسها موازين القوى الآنية، وإنما تؤسسها الوثائق والأرشيفات والوقائع الثابتة. وفي حالة مسجد باريس الكبير فإن عناصر التأسيس واضحة: الظهير السلطاني، والمؤسسة الوقفية المغربية، والحرفيون المغاربة، والمواد المعمارية المغربية، والمؤقتون المغاربة، وأول إمام وخطيب، والمرجعية الروحية للسلطان المغربي.

وتبرز في هذا السياق شخصية الجنرال هوبير ليوطي، الذي كان من أبرز الداعمين لمشروع المسجد، وكان يرى أن نجاحه يقتضي أن يستند إلى الشرعية الدينية التي يمثلها السلطان المغربي بصفته أمير المؤمنين، حتى يحظى بثقة المسلمين ولا يُنظر إليه باعتباره مجرد مشروع استعماري. وتؤكد مراسلات تلك المرحلة أهمية هذا البعد في التصور الفرنسي لتأسيس المسجد.

ومن اللافت أيضًا أن الأبيات الشعرية المنقوشة على جدران المسجد اختيرت من قصيدة نظمها الإمام محمد بن العربي السكيرج احتفاءً بهذه المناسبة، وهو معطى آخر يبرز الحضور المغربي في الهوية الرمزية للمسجد، إلى جانب الهوية المعمارية والعلمية والروحية.

أما من حيث الحضور فبدا أن الاحتفال اقتصر على شخصيات رسمية فرنسية وبعض المقربين من إدارة المسجد، في حين غابت شخصيات دبلوماسية وثقافية ودينية كان حضورها سيمنح المناسبة بعدها التمثيلي الحقيقي، ومن بينها سفيرة المملكة المغربية، وعدد من سفراء الدول العربية والإفريقية؛ إضافة إلى غياب معظم النخب الإسلامية الفاعلة في فرنسا. ولم ترد الإشارة إلى الدور المغربي إلا في كلمة وزير الداخلية الفرنسي، الذي ذكّر بأن الزليج الذي يزين المسجد قدم من مدينة فاس.

إن مرور مائة سنة على افتتاح مسجد باريس الكبير يفرض اليوم إعادة فتح ملف تاريخه في ضوء الوثائق الأصلية، بعيدًا عن السرديات السياسية المتغيرة؛ فالاعتراف بالدور المغربي في تأسيس المسجد لا ينتقص من مكانة أحد، بل يعيد لكل طرف مكانه الطبيعي في كتابة تاريخ مؤسسة أصبحت جزءًا من تاريخ الإسلام في أوروبا.

ولعل الخطوة المناسبة اليوم هي إطلاق مبادرة علمية وقانونية فرنسية، يشارك فيها مؤرخون وأرشيفيون وقانونيون، لإعادة جمع الوثائق المؤسسة للمسجد، ونشرها في طبعة نقدية محققة، حتى يصبح تاريخ هذه المؤسسة ملكًا للبحث العلمي لا رهينًا للروايات المتغيرة؛ فالمؤسسات الكبرى لا يحفظها الخطاب السياسي، وإنما يحفظها الأرشيف، والوثيقة، والوفاء للحقيقة التاريخية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

16
  • العايق الفايق
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:13

    اعتقد ان كرغوليا تسيطر عليه بدليل ان الامام داءما يكون جزاءريا

  • مسجد باريس
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:17

    نعم دائمًا المغاربة هم السابقون في هاذا المسجد وبدون مجاملة مند سنة 1917 وبشهادة الفرنسين والمملكة المغربية الشريفة هي من ترأس امام المسجد لانه في حد داتها هي التي بنته وعمرته من الجهات بالمعمار المغربي التقليدي والكل يشهد عليه ام الامامة المملكة المغربية الشريفة هي من ترأس الامام لان المسجد موكل اها وليس لغيرها ونشكر من سرح لنا كل التفاصيل عن مسجد باريس اكي تسكت الافواه المحنشر في كل مكان

  • مسجد باريس
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:33

    مسجد باريس ساهمت فيه فرنسا والمغرب والجزائر وتونس وتركيا ومصر وفي 1916 قررت فرنسا بناءه تكريماللجنود المسلمين الذين شاركو في الحرب العالمية الأولى ,بدء بناءه في 19 أكتوبر 1922 واكتمل في 15 جويي 1926 ,حضر إفتتاحه رئيس فرنسا غاستون دوميرج وسلطان المغرب يوسف بن الحسن وممثلين عن الجزائر وتونس وتركيا ومصر ……..قال الله تعالى :إن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا

  • عبدالكريم بوشيخي
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:48

    لولى المغاربة و السلطان مولاي يوسف لما بني مسجد باريس بشكله الحالي بفن العمارة المغربية الأصيلة و زخارفها التي تبهر الناظرين، الجزائر الحالية لم تكن موجودة و منذ استقلالها لم تستطع بناء مسجد يحاكي مسجد باريس او مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء أو مسجد دكار و أبيدجان لأن المغاربة هم الأصل و هم من يملكون أسرار الهندسة و أصول و جمالية فن العمارة المغربية الممتدة لمئات القرون، الأرشيف لا يرحم مهما حاول النظام الجزائري طمس معالم الحضارة المغربية و فن عمارتها التي يجسدها مسجد باريس و مسجد الحسن الثاني و مساجد جنوب اسبانيا و الكتبية و القرويين، المسجد الوحيد الذي يفتخر به النظام الجزائري هو مسجد الجزائر الذي شيده الصينيون للتخفيف من عقدة مسجد الحسن الثاني الذي يختزل فنون العمارة المغربية من نقش على الخزف و الجبس و الزليج الفاسي.

  • المعلق الاول
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:57

    الى المعلق الاول لا يهمنى الامامة ان كان جزائري المهم من هو المسؤول عليه ومن شيده هل قرات الموصوع كامله الفرنسيين همى الاولى به هو مكتوب عندهم في التاريخ والأمة الجزائرين هم منصوبين من المملكة المغربية الشريفة مند زمان وفيهم من متجنس وأطن المملكة المغربية الشريفة هي من تادي لهم الرواتب

  • كان يا ما كان
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 00:59

    عندما كان مسجدا / دار عبادة كان مغربيا
    وبعدما اصبحت مؤسسة ظهرت الجزائر وظهرت جدالات اسلام فرنسي وتخربيقات اخرى اساءت للاسلام واللائكية معا

  • Mosquée
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 01:10

    شكرا لفرنسا العلمانية لي قبلت بناء جامع وعطات الأرض والمال فزمن كان فيه التسامح الديني قليل ,شكرا لكل من ساهم في البناء ماديا أو حرفيا من جميع الجنسيات وللمهندسين الفرنسيين Charles Heubès, Robert Fournez et Mantout

  • خلدون
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 02:13

    تشير بعض الدراسات والوثائق إلى أن المغرب قدّم

    مساهمات مالية كبيرة، وأن السلطان مولاي

    يوسف حضر بنفسه افتتاح المسجد في باريس عام

    1926، كما شارك حرفيون مغاربة في إنجاز الزليج

    والزخارف ذات الطراز المغربي.

    على اي جزاء الله خيرا لكل من ساهم في بناء هذا

    المسجد و الله يحفظ من يسهر على صيانته.

  • اللطف
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 02:25

    من المفروض على المسؤولين المغاربة إستحضار هذه التفاصيل التاريخية خلال توقيعهم معاهدة الصداقة مع فرنسا كما عليهم إجبارها أن تعترف بالصحراء الشرقية المغربية المحتلة التي ضمتها الى مقاطعتها في شمال إفريقيا خلال حقبة الإستعمار و تقديم شهادتها معززة بالوثائق و الخرائط حتى تساعد و تمكن المغرب من تقديم ملف متكامل الى الأمم المتحدة للدفاع و استرجاع صحراءه الشرقية المحتلة من طرف عسكر الجزائر.

  • عادل ولد اروامزين
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 05:49

    لا أفهم كيف يفكرون فاقدي التاريخ والهوية يكذبون على شعبهم التواق للحرية والكرامة والعدالة والمساواة والحليب والسكر والماء والكهرباء والحرية والعدالة في جمهورية أين أبي ، يقولون لشعبهم المهلوك أن مسجد باريس هم الذين بنوه مع العلم نحن في سنة 2026 والكراغلة لا يعرفون حتى قلي بيضة فكيف لهم بنوا مسجد بالمعمار المغربي ، الغريب في الأمر يكذبون على أنفسهم ويصدقون كذبهم على أنفسهم ليومنا هذا لم أفهم نفسيتهم المريضة كيف يفكرون

  • الرأي المستقل
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 08:48

    الإسلام دين عباده وسلوك.
    وما نراه من تناحر وتطاحن بين من يدعون انهم مسلمون. مغاربه وجزاىريين ياكد ان الجانبين لا علاقه لهم بالاسلام لا من قريب ولا من بعيد..
    والدلائل كثيره

  • Ahm Ben
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 09:16

    ماذا ترجو من اناس(اريد حكام الجزاءر) لا يعرفون للوفاء ولا الصدق ولا الامانة طريقا بل رصيدهم الاخلاقي في خانة “قطاع طرق”.
    ماذا تترجى ممن استولى على الصحراء الشرقية وفرق الأزواج والاباء عن الأبناء واستولى على أموالهم بالباطل يوم عيد الاضحى. اعتقد ان حتى الارض فستضجر من رفاتهم.
    يكفي ان اشعار الفقيه سكيرج القاضي المغربي هي التي مازالت تزين جدران مسجد باريس.

  • فرنسي مسلم
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 09:47

    كاتب المقال وفى و كفى تحليل رصين أكاديمي المسجد في قلب باريس الدائرة الخامسة أيقونة معمارية مغربية أصيلة بأيادي مغربية محترفة أتى بهم السلطان المغربي من أمهر الصناع من مدينة مكناس و فاس معروفين بعلو كعبهم فطوبى لمن بناه و الشكر لدولة الفرنسية التي ساعدت ببناءه اعترافاً بالجالية المسلمة في فرنسا و دورها و احترامها لسلطان الغربي و دوره الروحي و زعامته لجالية المغرب الكبير

  • Adfel Hassan
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 10:52

    المسجد تمت خنشلته والسيطرة عليه من طرف الكبرانات منذ مدة ويلعب ادوار سياسية واستخباراتية لصالحهم

  • مغربي
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 14:58

    للمعلق رقم 7 ولما كل هاد الشكر لفرنسا. كم من كنيسة مسيحية و َيهودية بنيت فوق أرض المغرب. هل تعرف عددهم؟

  • مواطن
    الثلاثاء 21 يوليوز 2026 - 21:27

    يا رقم 3 “مسجد باريس” عن أي جزائر تتحدث في سنة 1917

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 7

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات