الراحل سعيد بنجبلي.. مسار "مدوّن" آمن بالتغيير وحرية التعبير و"السّلميّة"

الراحل سعيد بنجبلي.. مسار "مدوّن" آمن بالتغيير وحرية التعبير و"السّلميّة"
صورة: حساب سعيد بنجبلي
السبت 5 أبريل 2025 - 02:00

طابعُ صدمة، ومسحة جنائزية، طبعت تدوينات مغربية بعد تأكّد خبر رحيل المدون سعيد بن جبلي، الذي سبق أن قاد جمعية المدونين المغاربة لمّا كانت المدونات فضاء مؤثّرا للنقاش العمومي متعدّد المشارب والتقديرات، ورافدا من الروافد التي غذّت بعد ذلك “حركة 20 فبراير” سنة 2011 في شوارع المملكة.

وتعدّدت موضوعات النعي والتّلاوُم… فمن آثار الصدمة السياسية لمآلات حراك عشرين فبراير إلى أسئلة حرية الرأي والتعبير، وتقبّل الاختلاف الديني والسياسي، والتعامل الهزلي مع الصحة النفسية، خاصة بعد تعميم رسالة انتحار نُسِبت للفقيد، تحدّث فيها عن معاناته منذ منتصف ثلاثينيّاته من “ثنائي القطب”.

مسار حياة

سعيد بنجبلي، ذو اللكنة الدكالية التي ينظر إليها مغربيّا بأنها لكنة بدوية يمكن أن تعني في تصوّر اللّاوعي الجمعيّ “السذاجة” و”الصراحة”، وُلد سنة 1979 بإقليم الجديدة، في قرية أولاد افرج، وحصل، وفق حوار سابق لهسبريس معه على شهادة الباكالوريا في الهندسة الكيميائية والإجازة في الدراسات الإسلامية، واعتقل وحكم عليه بخمسة أشهر حبسا، و”تعرض للطرد من كلية الشريعة والقانون بفاس بسبب مواقفه النقابية ونشاطه الطلابي، حيث كان ممثلا للطلاب وقاد الاحتجاجات ضد النظام التعليمي الذي كان يهدف إلى التخلي عن مجانية التعليم”.

الكاتب الراحل بدأ تجربة التدوين الرقمي سنة 2005، وساهم في تأسيس “اتحاد المدونين العرب” الذي كان مسؤوله الإعلامي، ثم “اتحاد المدونين المغاربة” الذي ترأّسه في صيغة “جمعية المدونين المغاربة”.

وسنة 2011، بعد شهور من “الحراك” الذي كان من أسمائه المعبّرة إعلاميا، عمّم بنجبلي بيانا يقول: “أنبهكم إلى أن انفراط علاقتي بجماعة العدل والإحسان معلوم للخاص والعام، ويكفي أي مبتدئ أن يقرأ سيرتي المنشورة في وسائل الإعلام ليعرف الأمر، كما أنني ‘مسلم عادي’، ولست إسلاميا بالمعنى المعروف للكلمة، الذي يعني الانتظام في جماعة إسلامية أو ما شابه، وعليه فإنني أرفض وصفي بما ينافي قناعاتي وما يخالف توجهاتي بغرض الطعن في مصداقيتي وتشويه الحقائق من أجل أهداف غير بريئة”.

مواقف سياسية

في الشهر الأول من “حراك 20 فبراير” بالمغرب كتب سعيد بنجبلي مناديا بالتشبث بالسلمية: “ليس لدينا الوقت هنا لنتحدث عن رموز اللاعنف الذين سجلوا أسماءهم في التاريخ بفضل تحريرهم شعوبهم بأقل الخسائر الممكنة، ورسموا مسيرتهم نحو الانعتاق والتطور، ولا للحديث عن الفوائد العظيمة لهذا المنهج الذي أثبتت السنون والتجارب نجاحه وأفضليته، لكن ما يهمنا هو أن يحرص الشباب في ثورات الأيام الحاضرة على عدم الانزلاق إلى أي مظهر من مظاهر العنف، إذ إن الخصم ينتظر أبسط هفوة ليحرف مسيرتنا ويجرنا إلى طريق مظلم حالك (…) فالحذر الحذر أيها الشباب: لا ترم حجرا، ولا تحرق ورقا أو شجرا، ولا تحطم زجاجا أو خشبا، واغز قلب خصمك بالحب وطيب الكلام، وزلزل أركان الظلم بأوضح الشعارات ورزين الكلام، وارفع مطالبك عاليا واصمد بكل احترام، وواصل مسيرة التغيير وأنت تغني للسلام”.

وفي السنة اللاحقة لـ”الحَراك” صرّح بنجبلي بأن “مطالب عشرين فبراير عادلة ومشروعة، كسرت الطابوهات، لكن مطمحنا كان أكبر”، كما أورد: “زمن الإيديولوجيات ولّى، وهذا زمن الانطلاق من الهدف. من يريد الخبز يبحث عن الدقيق والماء والملح ويعجن، ولا يسأل عن أصل القمح والملح وتاريخ الخبز (…) الناس تريد عيشا كريما، وهذا زمن العمل. لا نموذج معينا ينطلق منه المشتغلون بالإيديولوجيا”.

وفي مقال أكثر تفصيلا عن أسباب عدم استمرار “الحركة” كتب الراحل: “رغم اقتناع جل هؤلاء الفاعلين (في 20 فبراير) بأن التغيير رهين بتحقيق المواطنة الحقة والديمقراطية الكاملة، عبر ربط السلطة بصناديق الانتخابات والمسؤولية بالمحاسبة، والفصل بين السلط في إطار مؤسسات غير شكلية، والفصل بين الثروة والسلطة، وحماية الدين من الاستغلال السياسي، والقطع مع إرث الماضي الاستبدادي، من طقوس الإذلال والإهانة، واقتصاد الريع والامتيازات، وأجهزة النظام المخزني (…) فإنهم ولأسباب إديولوجية أكثر منها عملية تقصمهم نقطة واحدة صفين، الأولون يصرون على إيضاح مطلبهم في عبارة الملكية البرلمانية والآخرون يرفضون هذا ‘المطلب/السقف’ لأنه لا يرقى إلى مواقفهم الجذرية”.

ورأى بنجبلي أنه “يتوجب على جميع المتدخلين في حركة التغيير أن يتجنبوا الدخول في جدالات عقيمة ليست لها أي قيمة عملية أو إستراتيجية، بقدر ما لها من تأثيرات سيئة تؤدي إلى تشرذم الحركة وتفتتها (…) وتضعف الروح المعنوية للجماهير الثائرة”.

وحول زمن “حرية الرأي والتعبير” سبق أن كتب الراحل أنه “بفضل الإنترنت صارت الرقابة على المعلومات مستحيلة، واكتسب نشطاء ‘فيسبوك’ والمدونات القدرة على المناورة والتعبئة وحشد الرأي العام، كما لعبت الشبكة دورا هاما في تنسيق جهودهم وإكسابها الزخم اللازم، خصوصا مع تداعي الحدود الجغرافية وتقارب المسافات بفضل الفضاء الافتراضي الكوني”، وزاد: “كما صار من المستحيل على أي فاعل محلي أو دولي غض بصره أو صم أذنه عن أفعال القمع والجرائم (…) أفعال قد تتحول إلى فضيحة مهما كانت محدودة إذا صادفت عين هاتف أو عدسة كاميرا، ما يجعل سكوت أي طرف محلي أو دولي تواطؤا في نظر الرأي العام”.

إيمان و”نبوة”

بنبجلي الذي كان من شباب “جماعة العدل والإحسان” الصوفية المعارضة بالجامعة مطلع الألفية الثالثة، وسبق أن صرّح بأنه كانت له في فترة سابقة مواقف “سلفية”، أثار جدلا مغربيّا وفي دول أخرى بالمنطقة ذات الأغلبية المسلمة في مرحلة لاحقة في حياته، بعد انتقاله للسكن في الولايات المتحدة الأمريكية، حين تحدّث عن فقده إيمانه بالإسلام، ثم إعلانه نبوّته، التي كانت موقفا بُني على قناعة تكوّنت لديه حول كيف تبنى الأديان، ويُؤمن، وكيف تنتشر الرسالات.

وفي كتابه “صورة الله في القرآن والسنة” الصادر عن “دار الوطن” المغربية سنة 2019 قدّم الراحل تفسيرا لمواقفه انطلاقا من أحاديث نبوية، وتصوّرات مذاهب إسلامية، وأحداث تاريخية، وتأملات.

وبعد ما أسماه “التحرر من الإيمان الذي يحجب عن فهم الإسلام” كان بنجبلي يسمّي تخصّصات في الدراسات الإسلامية، التي درسها في الجامعة، مثل “أصول الفقه” بـ”قواعد لضبط التناقض”، و”علم الحديث” بـ”نقد الرواية الشفهية”، وسبق أن كتب عن الجلسات الصوفية التي كان يحضرها في بداية شبابه بأنها كانت زمن “الوهم الجميل”.

وعبّر الراحل عن هذه المواقف أيضا في حوارات مصوّرة، وفي كلمات مباشرة، قبل أن يأخذ تلقّيها منعطفا لمّا أعلن أنه نبي، ودخل في لقاءات فردية استمرّ بثها ساعات دون توقّف، ما أثار نقاشا حول وضعه النفسي، تطرّق إليه بدوره في مرحلة لاحقة، إذ قال: “الكل أحمق، لكن نحاول ستر حمقنا (…) دعه يظهر، جلّكم ليست له شجاعة أن يدع الناس يرون الحمق الذي فيه، مع وجود بعض الشجعان. (أنت) لا تستطيع مواجهة المجتمع بعيوبك، وأنا أواجه المجتمع بعيوبي، بصلعتي، وأسناني المعوجّة، وجبهتي، ولهجتي، ولغتي، ونقائصي. لدي الشجاعة، لأنه ليس لدي ما أخسره، وحتى ولو كان لدي ما أخسره فسأخسره (…) في السنة الماضية عنّ إليّ بعدما صار لدي متابعون أرادوا أن يصيّروني مفكرا وفيلسوفا فـ(‘خرجت ليهوم من الجنب’؛ أي فاجأتهم على حين غرّة) وصرتُ نبيا، لأنكم لستم أنتم من سيصنع مني فيلسوفا أو مفكرا، ولا يهمني هذا، أريد أن أكون (‘هبيل’؛ أي مجنونا)؛ فهل من ليس مفكرا أو فيلسوفا ليس له حق العيش، والحديث، والتعبير!؟ يجب أن نتقبل الناس كما هم، بعيوبهم. لا أن تتقبلني (فقط) عندما أرتدي ربطة عنق في قناة كبيرة. إذا أردت أن تصفق لي صفّق لي وأنا (هبيل)، وأنا مجنون، وأنا نبي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

19
  • malika
    السبت 5 أبريل 2025 - 02:16

    الكثير من الناس الذين خرجوا في مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن إلحادهم او عدم تدينهم يعتقدون انهم هم الوحيدون الاذكياء الذين فهموا الحياة والواقع. في حين ان هناك ملايين من الناس سبقوهم في ذلك وربما لم يكونوا ابدا اسلاميين. بنجبلي بسبب نيته وبساطته تعرض للنصب على الانترنيت مما زاد من حدة مرضه ومشاكله ادت به الى اتخاد قراره الاخير للاسف.

  • ذئب الغابة
    السبت 5 أبريل 2025 - 02:31

    تباً للزمن الذي أصبح فيه التافهون حكماء.

  • Mohamed
    السبت 5 أبريل 2025 - 03:04

    لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون .. إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة ، وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج ، كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم ، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه ، فكان في رياسته ، والكبر في نفسه متمكن .
    اللهم أحسن خاتمتنا جميعاً اللهم أجعل آخر كلامنا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة.

  • مواطن
    السبت 5 أبريل 2025 - 04:50

    بنجبلي عبرة لمن أراد أن يعبر و سبقه الكثيرون و ماتوا نفس الموتة، تأليه العقل و الكبر أصعب ما يمكن أن يصيب المرء، فالعقل هبة من الله لتسيير الدنيا و للتفكر إن ساء استخدامه ضاع المرء.

  • واحد
    السبت 5 أبريل 2025 - 04:54

    اللهم ارزقنا حسن الخاتمة العمر قصير و لي دار شي حاجا مزيانا يلقاها

  • قارئ
    السبت 5 أبريل 2025 - 04:57

    كل نفس بما كسبت رهينة……………. …………

  • زينب
    السبت 5 أبريل 2025 - 05:13

    مات منتحرا في امريكا و هو ملحد و كانت له مواقف عديدة و متباينة و قبل انتحاره اشتكى من بعض الضغوط النفسية التى لازمته.

  • التمسماني
    السبت 5 أبريل 2025 - 05:36

    بدأ مسلما و إنتهى ملحدا منتحرا. اللهم نسألك حسن الخاتمة.

  • عبد الله تامسنا
    السبت 5 أبريل 2025 - 05:54

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من زمان قرأت لكتابته واستمعت لحوارته واستنتجت أن هذا الرجل أكيد يعاني من الاكتئاب والهوس لأنه كان ينتقبل من مجال الى مجال حتى انتهى به الامر دخوله عالم العملات الرقمية وغيرها، كما أنه ربما في 2019 أصيب بهلوسة في الدين و افتحوا النت لتروا ترهاته التي سبقه فيها من كان قبله.

  • حميد
    السبت 5 أبريل 2025 - 05:56

    بنجبلي كان يعيش السعادة والمجد لما كان مسلما.. لكنه بعد ارتداده عن الإسلام اصبحنا نسمع منه العجب العجاب .. مثل إدعاءه النبوة .. او ربما الإلهية .. حتى انتهى به الأمر إلى الانتحار.

  • عبدو
    السبت 5 أبريل 2025 - 06:18

    اللهم ارزقنا حسن الخاتمة
    الإلحاد تكون دائما عاقبته وخيمة مثل الإنتحار
    نسأل العفو والعافية

  • سعيد حداد
    السبت 5 أبريل 2025 - 06:52

    ما كان يتفوه به بعيدا جدا عن حرية التعبير..كان يسب و يهين الاسلام و النبي محمد و يقول اوصافا في حق الله لا ينطق بها ا عاقل و لو كان ملحدا..الحمد لله انه تبين لنا بأنه كان مجنونا ..و مات منتحرا غير مالوف عليه

  • الصادق
    السبت 5 أبريل 2025 - 07:51

    هذه الجملة تُلَخِص كل شيء:” بعد انتقاله للسكن في الولايات المتحدة الأمريكية، حين تحدّث عن فقده إيمانه بالإسلام، ثم إعلانه نبوّته..” !!!

  • Sami frero
    السبت 5 أبريل 2025 - 09:06

    سعيد بن جبلي شخص طيب، شخص عزيز واخا عمري تلاقيتو، المسكين عانى ف دنيا ب سباب المواقف الشجاعة ديالو، للأسف المرض تسلط عليه و ما خلاهش يعيش الحياة لي بغا، و لي يتشفى ما تنساش راه دنية دوارة، يلا ما طليتيش نتا يطلاو ولادك و هلك، شوية ديال لحنانة و رأفة.

  • لا حدود للجنس .
    السبت 5 أبريل 2025 - 09:35

    له مواقف راديكالية وصادمة هو يعتقد انها تتماشى مع المنطق ولكن الكثيرين يرون انها مغرقة في الإباحية فقد كان منفتحا في الجنس بشكل صادم لايتبناه إلا واحد الى ألف من كل الناس .

  • مهتم
    السبت 5 أبريل 2025 - 10:14

    يا مقلب القلوب تبت قلبي على دينك

  • مجهول الهويه
    السبت 5 أبريل 2025 - 10:31

    اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يارب وتوفنا مسلمين.

  • جلال
    السبت 5 أبريل 2025 - 15:29

    حين يصبح التفكير مرضا معديا يقاد صاحبه للطرد. فلا هو يستطيع كلاما و لا يطيق صمتا

  • ايوب
    السبت 5 أبريل 2025 - 20:28

    بسم الله الرحمان الرحيم
    و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.
    صدق الله العظيم

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام