الرايس الحاج بلعيد .. أيقونة فنية أمازيغية بسوس

الرايس الحاج بلعيد .. أيقونة فنية أمازيغية بسوس
الجمعة 1 أبريل 2016 - 08:05

يلقب بـ”زرياب الأغنية الأمازيغية”، وتخلع عليه كذلك صفة “عنوان الشعر الأمازيغي”، هو الفنان الكبير الراحل الرايس الحاج محمد بلعيد الذي يعد من أبرز الأسماء الفنية التي تلألأت في سماء الأغنية الأمازيغية في منطقة سوس، ومن شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية، التي ينسب إليه تأسيسها ووضع لبناتها الأولى.

مرّت 71 سنة على رحيل هذا الهرم الفني المغربي، الأب الروحي للأغنية الأمازيغية السوسيّة، الذي نحت اسمه في سجل الخالدين من الفنانين المغاربة الرواد والكبار، رمز فني وثقافي قل أن يجود الزمان بمثله، فالزمان بأمثاله لبخيل، صاحب الكلمة الهادفة واللحن الرائع والحنجرة القوية، هو إرث جماعي لكل المغاربة قمين بالعناية والتأريخ، بما ترك من رصيد فني وأدبي وطني تظل الحاجة ماسة إلى دراسته واستكناه أسراره واستجلاء درره.

وتجمع مجمل الدراسات الجامعية والأبحاث التي أنجزت عن الرايس الحاج محمد بلعيد أنه أسطورة من أساطير الفن الأمازيغي، ومرجعية بالنسبة لكل المجموعات الغنائية والفنانين الروايس الذين أتوا من بعده، يرددون، بشكل كبير، أغانيه التي كلها حكم ومواعيظ، نظرا لوقعها الجميل في الوجدان والذاكرة.

وتفيد كتب التاريخ والتراجم بأن الرايس الحاج محمد بلعيد يتحدر من أسرة فقيرة استقرت منذ تاريخ غير معروف في مدشر “ءانو ن عدو” بجماعة “ويجان”، الواقعة شرق إقليم تزنيت، وهناك ولد في سنة غير محددة ، إذ لم يستطع كل الذين كتبوا عنه تحديد سنة ميلاده إلا على وجه التقدير والاحتمال. والمعطيات المتوفرة في الموضوع ترجح أن يكون ميلاده أواخر الربع الثالث من القرن الـ19، وولادته بالتحديد ما بين 1870 و1875، فيما يرجح، حسب الباحثين، أن تكون وفاته في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، مابين 1943 و1948، والمرجح أنه توفي سنة 1945.

ويعد الحاج محمد بلعيد مدرسة فنية وأدبية تاريخية قائمة الذات، تحمل العديد من الرسائل الرمزية التي تؤكد أن التشبث بكل ما يرسخ الهوية المغربية واجب حضاري وطني من أجل جعل المغرب يتطور، بشكل إيجابي، دون التفريط ونسيان التقاليد المغربية المرعية.

وفي بحث خص به الفنان الراحل، قال الأستاذ شفيق الزوكاري إن الحاج بلعيد تفوق على مجايليه من الروايس، الذين كان لهم السبق في التسجيل ما بين 1930 و1936 نظرا لتألقه وبراعته وتفرده في طريقة وحسن الإلقاء الخارج عن الرتابة والابتذال، والعزف الذي لم يتقنه إلا القليل من الفنانين الذين عاصروه، مضيفا أن عددا من الدارسين اهتموا بمنتوج هذا المبدع الكبير، بتقديم بحوثهم الجامعية لنيل الإجازة والماستر من بينها “شعر الشهادة عند الحاج بلعيد” و”شعر الرايس الحاج محمد بلعيد ” لابن يحيى الحسين الوجاني.

ويضيف باحث آخر أن عشق الحاج محمد بلعيد للتجوال والترحال جعله يتنسم أنسام الآفاق التي زارها، وينبض بها قلبه الخفاق، وتمتلئ بمشاهدها الأصداء فيضج الرباب، ويصدح لسانه بالغناء، راسما المشاعر والأحاسيس التي تنتابه في ذلك الواقع، فكان بحق شاهدا صادقا على عصره، ومؤرخا أمينا لأحداثه وقيمه وأفكاره وعواطفه، فكان رايسا مثقفا، لا ككل الروايس في غزله ووصفه، وفي نقده لمساوئ مجتمعه، واضح الحجة، حكيما في خطابه، قوي الدليل في العتاب والشكوى، صادق القول والدعوى في مدارج العشق والنجوى، عارفا بأصول التراث الفني الأمازيغي السوسي وقواعده، من قصص دينية وعاطفية، وأمثال وحكم، متمرسا في أساليب الإلقاء الشعري والغنائي المتوارثة عن شيوخ مدرسة تارايست بسوس.

وأضاف أنه “كان بارعا في التلوين الصوتي، خفضا ورفعا، سرعة وبطئا على أوتاره الصوتية الحادة المنغومة، ما ينم عن غنى محفوظه من الألحان والإيقاعات الأصلية المتواترة عن الأسلاف، والتي أعاد صياغتها من روحه، وطبعها بطابع عصره، وعلى طريقته في الإنشاد، فكان له فضل تدوينها، والسبق إلى تجديد روايتها في الناس، وتخليدها فيهم على الاسطوانات، لتحكي عن ملامح الخلق والإبداع، وتبقى رمزا تاريخيا فنيا يجسد الحد الفاصل بين ألوال الطبائع الأمازيغية السوسية وألوانها الزاهية الأصيلة، وبين الفجاجة والنعيق والإسفاف المتفاحش مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتزايد المؤثرات الجديدة لبريق التمدن الصناعي وأخلاقه وقيمه المزيفة في الفكر، والفن، والسلوك، وسبل الكسب والعيش مما كان له انعكاس قوي في مدرسة تارايست بعد جيل الحاج بلعيد”.

ولعل من مظاهر العناية بأيقونة الغناء الأمازيغي، هو التكريم الذي خصصته له مدينة تزنيت سنة 1914 بنصب تمثال من حديد له يوجد عند مدخل الفضاء الأخضر لدار الثقافة بتزنيت بجوار المكتبة، ويتضمن منحوتا حديديا يصل طوله إلى مترين وتبلغ قاعدته حوالي نصف متر استخدم في إنجازه خليط من المواد الصلبة مثل الحصى والإسمنت المقوى والحديد، فضلا عن الجبس.

توفي الرايس محمد بلعيد في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، في صمت وغفلة من الناس عن أمثاله، وفي ظروف تحكمها أهوال الكوارث الطبيعية من أوبئة ومجاعات، وتسودها الصراعات السياسية العالمية المتتالية قبيل الحرب الكونية الثانية، بعد مسار حافل من العطاء ما يزال إلى حدود الآن يشكل معينا لا ينضب لفن الروايس، حيث استطاع، بحسه الفني ونبوغه وعبقريته المتفردة، أن يطبع المشهد الغنائي الأمازيغي ماضيا وحاضرا.

وما تزال أشعار وأغاني الرايس الحاج محمد بلعيد خالدة يتغنى بها الأمازيغ، شاهدة على روعة وعبقرية مبدعها الأول، حيث قامت مجموعة من الفرق الغنائية المعاصرة بإعادة غناء ميراث الحاج بلعيد بلمسة عصرية، وبآلات موسيقية حديثة متطورة، دون تغيير للحنها الأول، ولا تبديل لكلماتها التي ألفها شاعر استحق عن جدارة لقب “عبقري ومعجزة الشعر الأمازيغي” إنه الرايس الحاج محمد بلعيد.

* و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • للاسف
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 08:24

    ليثه غنى وانشد بالعربية، سيكون من دون شك اشهر من علم،وستكون شهرته توازي شهرة،محمد عبد الوهاب وعبد الحليم،او على الاقل في شهرة سعد المجرد ،لكن المرحوم بسبب لهجته ظل حبيس مجال تداولها ،القبيلة. الدوار، في سوس ،بل ان حتى باقي الامازيغ ريافا وفكيك وزايان لم يسمعوا به،لانهم لايفهمونه،

  • yassine
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 10:44

    فعلا الحاج بلعيد فنان بمعنى الكلمة مثل الفنانين القدامى مأجمل أن أتذكر جدي رحمه الله وهو يستمع إلى هذه الأغاني في الألة القديمة ونحن نحتسي الشاي وتسمع إلى زقزقة الطيور إنه الزمن الجميل وكما قال الحاج بلعيد إذا مات الناس الصالحين فإن لن يبقى إلا أصحاب الكبر والتكبر وياأسفاه على الزمان .

  • باحث جمعوي
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 12:24

    والله لم اسمع به قط،واذا سمعته لن افهمه،فلا يعقل ان اتعلم ثلاث لهجات المتداولة في الجبال واتعلم اللهجة الرابعة المخترعة حديثا في المختبر ،لكي افهم،والواقع ارى ان كل مايمكن ان تقدمه هاته اللهجات ،هي احواش واحدوس ،فلم اصادف في حياتي،مؤلفات او مجلدات او مراجع او موسوعات او بحث علمي او ،او ،او ،باللهجات

  • محب
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 12:54

    مازالت بسمته حاضرة في اغنية السوسية
    فعلا كان هرم

  • ahmed andad
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 17:43

    إستمعت إلى الأغاني الغربية فوجدتها فارغة من أي محتوى و إستمعت إلى الشرقية فوجدت أغلبها يتناول تيمة واحدة وهي تيمة الحب والعشق و إستمعت للأغنية المغربية فوجدتها بضع كلمات تتكرر طوال مدة الأعنية و إستمعت لأغاني الحاج بلعيد فأدركت أن كل ما تقدم في كفة و هذا الرايس وحده في كافة أخرى.أما بخصوص القائلين بأنه لو كانت أغانيه باللغة العربية لبلغت شهرته ربوع الوطن العربي أقول لهم لو بلغت شهرته كل بقاع الوطن العربي ما كانت لتبلغ منطقة سوس لذلك فأبناء لهجته أولى به.رحمة الله عليك يا فخر كل السوسين

  • حمزة الداودي
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 18:27

    صوت يسيل في الأذن مثل العسل ، هرم أمازيغي عجز الشعر والنثر عن وصفه وعجزت كل الكلمات عن التعبير عنه .

  • أمينة امريكا
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 18:46

    اني أريد الرد على صاحب التعليق 1 انه كان فنان محبوب عند الأمازيغ ولازالت أغانيه تتغنى إلى اليوم وأنه مشهورا جدا لا يحتاج أن يغني بالعربية انه كان يغني بلغته الذي عاش يفتخر بها ونحن نفتخر به ولو لم نعش في زمانه فإن كل اهل السوس يفتخرون به اكتر من عبد الوهاب وأنه مغربي وشكرنا

  • ولد الشلحة رحمها الله
    الجمعة 1 أبريل 2016 - 23:58

    كان رحمه الله مغني سوسي ولا علاقة له بماتسمونها الامزيغية .في عهده كانت الامزيغية تعني البادية .

  • حلا
    السبت 2 أبريل 2016 - 07:36

    كان فن الحاج بلعيد موثقا لكل ما هو اجتماعي.عندما وصلت السيارة للمغرب او الى منطقته كتب اغنية يصف فيها كيف اثرت في حياة الناس وقربت المسافات.اشكر فرقة العربي امغران على المجهود الذي قامت به لتجديد بعض اغانيه وتقديمها بحلة عصرية رغم ان لي تحفظات بسيطة عليها.

  • معلق
    الإثنين 4 أبريل 2016 - 13:08

    إلى صاحب التعليق الأول، أنا بيضاوي وأقسم بالله أن هذين الشخصين عبد الرحيم وعبد الوهاب لم أسمع بهم قط، ما رأيك؟

  • nor
    الثلاثاء 5 أبريل 2016 - 12:46

    لا يلتفت الاعلام الى الفنانين الامازيغ (سمعي بصري) الا بعد فوات الاوان
    كل شيئ حاقد على الامازيغ!!!
    ولن يزيد دالك الا اكتر تشبتا و افتخارا بهويتهم الامازيغية
    كفى من العنصرية والبغظاء فستهلككم

  • ALI
    الثلاثاء 5 أبريل 2016 - 13:04

    إلى للاسف
    لو كان غنى محمد عبد الوهاب وعبد الحليم بالإنجليزية لعرفهم العالم بأسره ولكانو مليارديرات, لكن ظلوا حبيسي العال العربي .

    إلى باحث جمعوي
    قد تكون جمعويا لكنك لست بباحث لأن أي باحث مبتدئ في الثراث الثقافي المغربي لا يمكنه ألا يصادف إسم هرم الشعر السوسي الرايس الحاج بلعيد رحمه الله.
    رجاءا لا تبخسوا الناس أشيائهم, فلكل لغة مثقفيها وشعراءها وروادها.

  • ALI
    الثلاثاء 5 أبريل 2016 - 13:26

    El Hajj Belaïd (vers 1873 – vers 1945) est un poète marocain de culture berbèrechleuh.
    Originaire d'un village de la région de Tiznit (Anou N Addou des Ida Oubaaqil), tôt orphelin, il doit exercer plusieurs métiers afin de subvenir à ses besoins et à ceux de sa famille. Belaïd s'installe au Tazeroualt où il s'initie à la poésie et la musiqueberbères. Il acquiert un grand prestige avec sa troupe de troubadours chez les Berbères et les Aït Souss en particulier.
    Il fut par la suite le premier Raïss :Poète chanteur chleuh à enregistrer un disque, chezPathé Marconi à Paris, en 1937.
    Il est, de nos jours encore, connu et respecté dans la communauté chleuh. (source Wikipedia Mr باحث جمعوي )

  • براك عبدالرحمن
    الثلاثاء 5 أبريل 2016 - 19:18

    رحم الله الحاج بلعيد أول مغربي يسجل على الأسطوانة في فرنسا. باقي ماتزادوش ناس الغيوان

  • Tehiya
    السبت 9 أبريل 2016 - 15:29

    CE qui est frappant est que
    L haj belhaid ne parlait pas
    L arabe n a recu aucune cent du
    ppuvoir jacobiniste du makhzen,
    et pourtant ses chefs d oeuvre
    ont trouve un echos enorme au
    pres du peuple amazighe.ll est devenu une icone grace a son
    talent,et ses chant l ont rendu
    immortel.Mais comme d hab il
    fait face a un deni au sein des
    Medias monopolises par le lobby
    arabe,qui preferential nous crever la cervelle avec des
    ordures importees de l arabie.
    Neanmoins le peuple amazighe
    engender ces icones Dans tous Ls domains a l instar de matoub
    Amouri zidane tinariwine igout
    Med chkri med khair edine etc
    Condolence au peuple noble des
    amazighes
    Tanmirt et amazighe and proud

  • رد على 5 ahmed andad
    الأحد 10 أبريل 2016 - 14:35

    لو استمعت الى اغاني سواسة المسجلة على اسطوانات 45rpm القديمة والتي تعزف على اطارات العجلات الحديدية ( جانطا) ك لتبين لك ان محتواها يدور حول معانات الزمن و مفارقت الاهل و الاولاد و ابناء الدوار لدهاب لشغل عند الفرنسين بالمدن ايام الاستعمار او لاتحاق بإ حدى مقاهي او ملبنات ابناء العم لعمل و العيش بداخلها . ahmed andad لما تجوب شوارع الدارالبيضاء و الرباط تسمع الاطفال داخل محلات تجارية يملكها البربر يتغنون باغني تشبه اغاني الرايس الحاج بلعيد يرددونها لتعبير عن مآسي عمالة الأطفال و استغلال الضعفاء

  • Abde
    الجمعة 24 ماي 2019 - 01:41

    القناة الأمازيغية دارت واحد مسلسل درامي رمضاني مكون من 30 حلقة..تحكي فيه عن حياة الأسطورة الرايس الحاج بلعيد …وقد استغرق التخطيط والبحث وجمع الوثائق لإنتاج هذا العمل 3 سنوات و 3 شهور من التصوير…

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27

السوق والغلاء