السردية الصهيونية تنهار في غزة .. والغرب يعيد تعريف إسرائيل

السردية الصهيونية تنهار في غزة .. والغرب يعيد تعريف إسرائيل
صورة: أ.ف.ب
الخميس 31 يوليوز 2025 - 20:31

تتجه عقارب الموقف الغربي بعيدًا عن مركز الثقل التقليدي الذي شكّل، لعقود، حصنًا دبلوماسيًا منيعًا لإسرائيل. ليست هذه مجرّد تقلبات ظرفية تمليها ضرورات العدوان الوحشي على غزة، بل هي ملامح تحوّل عميق ومتراكم، تتقاطع فيه اعتبارات الأخلاق العامة، وضغوط الرأي العام، وتآكل سردية التفوق الأخلاقي الإسرائيلي التي طالما كانت ورقة العبور إلى عواصم القرار الغربية.

لم يعد ممكنًا، حتى في أروقة العواصم التي شكّلت المظلة الدائمة لإسرائيل، تجاهل فداحة المجاعة في غزة، وقسوة المشاهد المتكررة لأطفال يتساقطون جوعًا، أو لمتظاهرين في شوارع غربية يطالبون بوقف المجازر بلغة لا لبس فيها.

فحكومات مثل فرنسا وبريطانيا وكندا تتحدث اليوم بلغة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لا كمكافأة نهائية لاتفاق سلام، بل كخطوة ضرورية لتصحيح ميزان أخلاقي مضطرب بات يحمل كلفة سياسية داخلية متصاعدة.

في غضون أشهر قليلة، انهارت الركيزة الأساسية لسياسة “الاعتراف المشروط”، وانقلبت بوصلة “التحفّظ العقلاني” لدى أوروبا إلى تبنٍّ متسارع لموقف يرى في الاحتلال والعدوان عقبة أمام استقرار الشرق الأوسط لا ضامنًا له.

هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، فالمجتمعات الغربية التي شجّعت لعقود على حلول التسوية، تواجه اليوم جيلًا جديدًا، أكثر وعيًا، وأكثر جرأة في طرح الأسئلة الكبرى، وأكثر ميلًا لفهم الحق الفلسطيني خارج رواية الصدمة التي أسست للكيان الإسرائيلي.

التحول لا يقف عند حدود الحكومات. من الجامعات إلى مسارح الأوبرا، ومن ساحات الاحتجاج إلى استطلاعات الرأي، يتكشّف مزاج غربي جديد يرفض الإملاء الأخلاقي الإسرائيلي، ويضع المسألة الفلسطينية في قلب الضمير العالمي. فلم تعد تهمة “معاداة السامية” سلاحًا ناجعًا لردع النقد، ولا الخطاب الأمني مبررًا كافيًا لتبرير المجاعات الممنهجة أو الإبادة البطيئة.

لكن العزلة التي تزداد وطأتها على إسرائيل ليست وليدة اللحظة. إنها نتيجة مباشرة لسلوك سياسي توسّعي قاوم طيلة عقود كل فرص السلام الحقيقي، وراكم سجلًا مثقلاً بالانتهاكات، واستثمر في حكومات يمينية لم تُخفِ عداءها لحل الدولتين، بل سارعت إلى تقويضه عمليًا على الأرض.

في هذا السياق، يبدو من السذاجة اعتبار الاعتراف الغربي بدولة فلسطينية مجرد ردّ فعل آني، بل هو في جوهره حكم متأخر على إخفاقات استراتيجية إسرائيلية مزمنة.

الأهم من كل ذلك، أن الغرب لم يغيّر موقفه فقط، بل غيّر زاوية نظره الأخلاقية. ولأول مرة منذ عقود، لا يُنظر إلى إسرائيل كضحية دائمة لعدوان خارجي، بل كفاعل مسؤول عن أزمة إنسانية شاملة.

هذه المراجعة الأخلاقية، وإن جاءت متأخرة، تفتح الباب لمرحلة جديدة من التعامل مع الصراع، عنوانها فقدان الحصانة السياسية التي لطالما تمتعت بها تل أبيب.

ولئن ظلّت واشنطن، حتى الآن، على موقفها الحذر، فإنها تجد نفسها معزولة بدورها عن المزاج الدولي الآخذ في التبلور. عزلة إسرائيل، في هذا المعنى، ليست عزلة سياسية فقط، بل هي أيضًا عزلة سردية، وعزلة قيم، وعزلة في الاتجاه نحو المستقبل.

السردية الصهيونية انهارت في غزة لأن الحقيقة خرجت من تحت الركام، وتكفّلت المجاعة بالباقي. لم يعد الصمت الغربي كافيًا، ولا الذرائع القديمة صالحة. والعالم، وإن تأخر، بدأ يتحدث بلغة لم تعتد إسرائيل سماعها، لغة المحاسبة.

لم يعد التحول الغربي تجاه إسرائيل مجرد تعديل في السياسات أو إعادة تموضع دبلوماسي، بل هو أقرب إلى إعادة تعريف جذرية لموقع إسرائيل في الوعي السياسي والأخلاقي الغربي. لقد اعتادت العواصم الكبرى التعامل مع إسرائيل كحليف استثنائي، محصّن من النقد، ومدعوم في السرد وفي الفعل.

لكن ما بعد غزة ليس كما قبلها. فالغرب، الذي صمت طويلًا على انتهاكات الاحتلال، بات يُعيد نظره في الأساس الذي بُنيت عليه العلاقة: من هي إسرائيل؟ وما مسؤوليتها عن الكارثة الإنسانية التي تتكشّف أمام العيون؟ ولماذا تستمر في ادعاء دور الضحية بينما تُمارس فعل القوة المتوحشة؟

هذا التحوّل لا يعني فقط إدانة سلوك ميداني في حرب واحدة، بل سحب الامتياز الأخلاقي الذي منح إسرائيل لعقود موقعًا خاصًا خارج القانون والمساءلة.

الاعتراف المتزايد بفلسطين ليس حدثًا رمزيًا معزولًا، بل علامة على سقوط التحفظات الغربية التقليدية، وتقدّم وعي جديد يتجلى في توسّع حملات المقاطعة، وتضامن ثقافي وأكاديمي متنامٍ، وانتفاضات طلابية تُعيد تعريف علاقة الأجيال الجديدة بإسرائيل ككيان احتلال لا كشريك ديمقراطي.

إن منطق الهيمنة، الذي صاغ معادلة العلاقة الغربية مع إسرائيل منذ النكبة، يدخل اليوم في اختبار عسير.

ولعل ما نشهده ليس نهاية الحصانة فحسب، بل بداية حساب لم يكن يومًا في الحسبان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • محمد فكيكي
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:02

    و لكن انطروا بكامل عقولكم ان الطاغية ترامب امر مبعوثه ويتكوف بالدخول الى غزة غدا بمعية وزير خارجية الاحتلال و الاطلاع عن كثب على معانات الغزيين ، و في الاخير سنسمع كلاما كأن النتن ياهو. يوزع المساعدات بطريقة نزيهة و ان حماس هي من يسرقها و هي من يتسبب في الفوضى و المجاعة. لماذا ؟؟؟ من اجل حث الاوربيين على عدم الاعتراف بدولة فلسطين لا غير ، لو اراد ترامب فعلا انهاء الحرب و توزيع المساعدات فسيتم ذلك في رمشة عين ،لكن الكفرة الفجرة اتفقوا على تدمير كل شيء يتحرك في غزة

  • كمال .
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:09

    لقد سبق لي أن قلت لكم أن 07 أكتوبر كانت بداية نهاية اسرائيل ، العالم كله اصبح يتعاطف مع فلسطين ضد الهمجية الصهيونية للابرياء العزل من اطفال و شيوخ و نساء تنكيل و تجويع ، ها هي فلسطين تجني الثمار الآن ، إذ سيتم الاعتراف بها دوليا ، تحيى المقاومة الابية ، تحيى حماس الغالية .

  • حنظلة والعلقم
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:14

    أكبر خطر يتهدد البشرية منذ خلقها الله هم اليهود: قاتلوا أنبياءهم وكذبوهم وجاحدوهم، أخرجوا فريقا منهم من ديارهم، أسروهم وفادوهم… خلقوا الفتنة أينما حلّوا وارتحلوا….
    اليهود جحيييييم لا يطاق… لهذا غضب عليهم رب العزة من فوق سبع سماوات…
    أليس كذلك حنظلة ؟؟؟؟!!!!

  • nizaar
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:15

    اين الموقف المغربي من هذا التحول الجذري في التعاطي مع الإبادة الجماعية

  • مغربي
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:15

    الغرب يكدب لن يكون هناك اي اعتراف بالطريقة الصحيحة

  • abou
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 21:23

    تجه عقارب الموقف الغربي
    أين الموقف العربي والاسلامي ؟؟؟

  • Md bihi
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 22:23

    هل ستتحقق إتفاقيات أوسلو لسنة 1992 التي بصم عليها ياسر عرفات و إسحاق رابين و العروفة بغزة أولا و بعدها الضفة الغربية؟ إن كان الغربيون يريدون إحياءها فإنها لم تعد صالحة الآن. فحدود الدولة الفلسطينية معروفة حتى قبل النكبة الإولى لسنة 1948 تاريخ تأسيس الدولة الصهيونية، أمّا حدود نكبةحرب الستة أيام ليوم خامس يونيو 1967 و التي قسّمت مدينة القدس الشريف إلى شطرين غربي و شرقي فهي ليس معترفا بها من طرف الفلسطينيين و معهم العرب، نعم لحل الدولتين شريطة أن يغادر جميعُ المستوطنين الغزاة الأراضي التي إحتلّوها سواء في الضفة الغربية وغزة التين جعلوا بينها حدودا.

  • مغربي
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 23:01

    سبحان الله الغرب سيعترف بفلسطين،انه نفاق وخداع،أليس الغرب هو الذي خلق هذا السرطان الذي يسمونه إسرائيل ؟وهدفه هو تمزيق الدول العربية!وهذا الغرب الصهيوني هو الذي يقفل أعينه على الجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين منذ خمسة وسبعون سنة!لا ثقة في هذا الغرب الإستعماري!

  • ملخص
    الخميس 31 يوليوز 2025 - 23:02

    إن ملخص الكلام هو أن أمريكا هي التي تقتل الفلسطينيين وتجوعهم وتدمر بيوتهم وتريد اخرجهم من أرضهم لأن الكيان الصهيوني المجرم يستقوي بأمريكا التي تدعمه بالمال والسلاح طيلة عقود من الزمن مع أنهما لايريدان السلام في إطار حل الدولتين وإنما يريدان السلام بابتلاع كل الأراضي الفلسطينية والتوسع في بلدان أخرى وهذا حلم الطغاة المعتدين

  • ľautomne
    الجمعة 1 غشت 2025 - 22:40

    Hamas et Netanyahu sont des assassins, sont des criminels. Ce qui se passe à Gaza est comme un cauchemar, c’est ľenfer.

  • عنترة
    السبت 2 غشت 2025 - 13:30

    متى يقطع المغرب العلاقات مع هذا الكيان الصهيوني المجرم؟ لن يجني المغرب مع المغضوب عليهم إلا التآمر و الاختراق تحت شعارات رنانة من قبيل الاستفادة من التطور التكنولوجي لهذه الدويلة المارقة ..يجب قطع العلاقات قبل فوات الأوان

صوت وصورة
فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:37 5

فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية

صوت وصورة
لقجع يقدم مشروع قانون المالية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:15 3

لقجع يقدم مشروع قانون المالية

صوت وصورة
منع الأطفال من السوشل ميديا
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 12:49 2

منع الأطفال من السوشل ميديا

صوت وصورة
منحة الزواج  بين الترحيب والتحفظ
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 10:27 20

منحة الزواج بين الترحيب والتحفظ

صوت وصورة
أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 08:41 4

أساتذة يطالبون بتفعيل الترقية

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 4

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد