سياق الحكم الذاتي بإسبانيا

سياق الحكم الذاتي بإسبانيا
الإثنين 19 يناير 2026 - 20:13

يستند تجسيد مفهوم الدولة في وقتنا المعاصر على اعتماد نظام إداري عام يحدد كيفية تسيير السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية داخل فضائها الجغرافي وخارجه لأجل تحقيق المصلحة العامة للمجتمع أو المجتمعات التي تمثلها، وفي هذا الإطار يعتبر الدستور (أسمى قانون وطني) هو المحدد الأساس لنظام الحكم في الدولة الذي يعبّر عن اختياراتها الاستراتيجية وطريقة تشكيل مؤسساتها الإدارية والمنتخبة الوطنية منها والترابية. وبطبيعة الحال فإن تلك الاختيارات تنبع وتتأصل من سياقات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تصاحب أو تحيط بمسير نشأة الدولة وتطورها.

في هذا المنحى، كانت هناك بعض الدول في العالم _جلّها معروفة بنهجها الديمقراطي في الحكم_ التي تبنت خيار اللامركزية الترابية في تشكيل بنيتها السياسية والإدارية باعتبارها وسيلة لتحديث الدولة على أساس توزيع السلطات والصلاحيات والموارد بين الدولة المركزية والجهات أو المناطق التي تشكلّها دون المساس بسيادة الدولة المركزية وتملّكها لأهم مفاتيح القرارات الاستراتيجية الكبرى للبلاد كالأمن والدفاع والخارجية والوحدة الوطنية والإنعاش الاقتصادي … والجدير بالذكر أن اللامركزية الترابية تجمع بين اللاتمركز الإداري والجهوية السياسية لذلك فإن المدخل الدستوري يعتبر هو الوسيلة الأساسية والمبدئية لتطبيقه.

من بين تلك الدول التي اختارت اعتماد اللامركزية الترابية في بنيتها السياسية والإدارية، هناك دول تبنّت نظام الحكم الفدرالي باعتباره أعلى مستوى من مستوياتها، لكونه يعطي صلاحيات وسلطات اقتصادية وسياسية وحتى قضائية واسعة لأنظمة المناطق أو الفدراليات التي تشكل الفضاء الجغرافي للدولة، نذكر من ضمنها مثلا سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا…،

بينما هناك دول أخرى تبنّت نظام الحكم المبني على مفهوم الجهوية الموسعة الذي يعطي بعض الصلاحيات والسلطات لأنظمة الجهات أو المناطق التي تشكل الفضاء الجغرافي للدولة، لكنه يمنح سلطات وصلاحيات أوسع للدولة المركزية مقارنة مع أنظمة الحكم الفدرالي، نذكر من بين هذا الصنف الثاني من الدول مثلا جمهورية إيطاليا التي تتشكل من 20 جهة والمعروفة بدولة الجهات ومملكة إسبانيا التي تتشكّل من 17 جهة والموسومة بدولة مجتمعات الحكم الذاتي (El Estado de las autonomias). في هذه الورقة، سوف نركّز على محاولة فهم وقراءة نظام مجتمعات الحكم الذاتي المعمول بها في إسبانيا انطلاقا من السياق التاريخي لنشأته وتطوره.

السياق التاريخي لنظام مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا: النشأة والتطور

يمكن تعريف الحكم الذاتي في القانون العام باعتباره نظاما قانونيا وسياسيا يرتكز على اللامركزية الترابية بناء على قواعد القانون الدستوري كما يمكن اعتباره انطلاقا من أدبيات التشريع الأممي (جمعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن) إحدى آليات تقرير المصير بالنسبة للشعوب، فهو يعطي للجهات أو الأقاليم التي تتميز بالخصوصية القومية أو العرقية أو الثقافية داخل الدولة استقلالا ذاتيا في إدارة شؤونها من خلال هيئات الحكم الذاتي في إطار الوحدة القانونية والسيادية للدولة المركزية. وتعتبر الدولة الإسبانية المعاصرة واحدة من الدول العالمية المعروفة بتطبيقها لهذا النظام إذ أنها تتشكل حاليا من 17 جهة أو منطقة للحكم الذاتي، وهو ما تم ترسيمه فعليا في إسبانيا منذ المصادقة على الدستور الاسباني في البرلمان الإسباني في السادس من دجنبر 1978 واعتماده بناء على استفتاء شعبي في 29 دجنبر من نفس السنة، ومن المعروف أن الدولة الإسبانية كانت تعيش مخاضا سياسيا عسيرا في تلك الفترة التاريخية الملتهبة من تاريخها، إذ أنها، ومنذ وفاة الجنرال القوي فرانكو (El Genralisimo Franco) في أواخر سنة 1975، دخلت في مرحلة جديدة من الحياة السياسية تختلف جذريا عن المرحلة السابقة التي كانت تتميّز بفترة طويلة من الحكم الفردي في ظل دكتاتورية فرانكو ومن قبله بريمو دلا فيرا، ألا وهي مرحلة الانتقال الديمقراطي أو التحوّل من الديكتاتورية والحكم العسكري إلى الديمقراطية في ظل نظام ملكي ديمقراطي برلماني لا رجعة فيه، وبطبيعة الحال، فإن هذا التحوّل ولو أنه لم يتأخر كثيرا (فترة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا استمرت لمدة لم تتجاوز خمس أو ست سنوات على الأكثر) لم يكن هيّنا على الإطلاق خصوصا وأن القيادات العسكرية والمنظومة الاقتصادية الأوليغارشية آنذاك كانت لها مصالح متشعّبة في نظام الحكم وقد نتج عن ذلك الاتجاه الانتقالي للدولة ضرب لمصالحها مما ترتب عنه وقوع أحداث خطيرة في البلاد ما بين سنتي 1976 و1982، نذكر من ضمنها مثلا: مذبحة أتوشا التي وقعت في مدريد سنة 1977 حيث قامت بعض القوات المتطرفة اليمينية باغتيال أعضاء من نقابة اللجان العمالية (Comisiones obreras) القريبة من الحزب الشيوعي الاسباني، ثم، محاولة انقلاب بعض عناصر الجيش الإسباني إثر هجوم مسلح بالرشاشات على البرلمان الاسباني (El Cortes) سنة 1981 في مشهد دراماتيكي نقلته قنوات التلفزة الاسبانية المحلية آنذاك، ناهيك عن استفحال ظاهرة الإرهاب تحت قيادة منظمة “إيطا” في تلك الفترة وما بعدها، بيد أن تلك الأحداث في الحقيقة كان لها أثر معاكس بالنسبة للرأي العام الاسباني الذي عجّل بإضفاء الشرعية للاختيار الديمقراطي، ذلك الاختيار الذي تعزّز وتعضّد بما يشبه التحالف السياسي الذي وقع بين الملك الشاب خوان كارلوس _بعد وفاة فرانكو_ والنخبة السياسية الديمقراطية في البلاد، وفي ذات السياق تم سنة 1977 إجراء أول انتخابات تشريعية ديمقراطية في إسبانيا منذ فترة الحرب الأهلية الإسبانية حيث احتل حزب اتحاد الوسط الديمقراطي المرتبة الأولى دون بلوغه الأغلبية، وتم تكليفه بتشكيل الحكومة برئاسة أدولفو سواريس، وفي نفس السنة تم تشكيل لجنة صياغة أول دستور ديمقراطي إسباني ليتم في ما بعد المصادقة عليه ودخوله حيز التنفيذ بداية من 29 دجنبر 1978 كما ذكرنا سلفا وهو نفس الدستور الذي وضع اللبنات الأساسية لمفهوم نظام مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا وطريقة تنفيذه خصوصا في ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات والاختصاصات والسلط والموارد بين الإدارة المركزية للدولة والجهات أو المناطق الترابية التي تشكل فضاءها الجغرافي، بيد أن تنفيذ ذلك المخطط على أرض الواقع لم يكن لحظيا أو دفعة واحدة وإنما وقع بشكل تدريجي وغير متماثل بين الجهات المختلفة للمملكة الإسبانية، إذ أن بعض الجهات مثل كاتالونيا (ِCatalunya) وإقليم الباسك (Pais vasco) وغاليسيا (Galicia) والأندلس (Andalusia) كان لها وضع خاص حيث تم اعتبارها جهات ذات مكانة تاريخية خاصة (Vias historicas) لكونها تتوفر على خصائص تاريخية وثقافية مشتركة، لذلك كانت تلك المناطق بالتحديد هي الأسرع في التمتع بصلاحيات الحكم الذاتي بناء على خصوصياتها التاريخية واللغوية كما تنص عليه المادة 143 من الدستور الإسباني، وبذلك أمكن لمنطقتي كتالونيا والباسك اعتماد نظاميهما الخاصين في إطار الحكم الذاتي سنة 1979 لتلتحق بهما منطقتي غاليسيا والأندلس سنة 1981 وأما باقي الجهات والمناطق التي اختارت اعتماد نظام الحكم الذاتي بشكل عادي وتلقائي (Via Lenta) مثل قشتالة لامانشا (Castilla la mancha) وليون (Castilla leon) وأستورياس (Asturias) وأراغون (Aragon) وغيرها فقد بدأت تنفيذ تلك العملية بشكل متأخر لتكتمل الخريطة الإدارية لإسبانيا بحلول مايو 1983 حيث تم تقسيم البلاد بالكامل إلى 17 مجتمعًا ذاتيًا وكل منها اعتمد نظامه الخاص عبر “النظام الأساسي للحكم الذاتي” (El Estatuto de Autonomía).

باحث في المجال القانوني والتاريخي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 2

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 6

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 8

أزمة الكراء في سلا