"السير" هوبكنز في فيلم "الأب" .. عندما تنثر رياح الخريف أوراق الذاكرة

"السير" هوبكنز في فيلم "الأب" .. عندما تنثر رياح الخريف أوراق الذاكرة
صورة: أرشيف
الإثنين 24 ماي 2021 - 02:00

منذ فيلم “صمت الحملان”، 1992 للمخرج جونتان ديم، الذي يلعب فيه دور الوحش الآدمي الدموي المؤمن بعقيدة القتل، إلى فيلمه الأخير “الأب” «The Father» 2020، الذي يتحدث عن الشيخوخة وفقدان الذاكرة والضعف الإنساني، ما فتئ يدهشنا سير أنتوني هوبكنز بأدائه الراقي والبديع لمختلف الشخصيات المركبة والمتنوعة التي طبعت مساره السينمائي.

فكرت في هذا الأمر وأنا أتابع فيلم “الأب”، وهو إنتاج مشترك بريطاني فرنسي للعام 2020 نال عنه أنتوني هوبكنز جائزة الأوسكار كأحسن ممثل، فيما فاز الفيلم أيضا بجائزة إضافية عن أفضل سيناريو مقتبس عن عمل مسرحي تحت العنوان نفسه.

تدور أحداث الفيلم، الذي يعد التجربة الأولى في السينما لمخرجه الكاتب الروائي والمسرحي الفرنسي فلوريان زيلر، حول أب عجوز يعاني ينحدر بالتدريج نحو مرض الخرف.

ومثل شجرة تفقد أوراقها، تفقد ذاكرة العجوز أنتوني، وهو اسم الشخصية الرئيسية في الفيلم، قدرة التركيز على الأشخاص والأحداث، الزمان والأمكنة، ولعل الكتابة المتقطعة للسيناريو التي مزجت لحظات الصحو مع لحظات الاستيهام لدى العجوز أنتوني فرضت على المتلقي أن لا يكون محض متفرج، بل مرافقا للمعاناة النفسية القاسية التي ينحدر إليها بطل الفيلم بالتدريج، والتمييز في انفعالات هذه الذاكرة المنفلتة، بين الواقعي وغير الواقعي من الذكريات والمواقف واللحظات التي تتفاعل داخلها شخصية بطل الفيلم، بوجهيه الجميل أحيانا والقبيح أيضا وداخل دوامة من أحاسيس متناقضة تراوحت بين الغضب والخوف واليأس.

لا يمكن بأي حال أن نعتبر هذا الفيلم من الأعمال السينمائية الجميلة، بالنظر إلى حساسية الموضوع الذي يتناوله، وما يميزه من سوداوية، ومن إقحام للمشاهد في عمق معاناة الرجل العجوز أنتوني وهو يغرق في نسيان كل شيء، والإحساس بالضعف الإنساني الشديد والمعاناة مع تجربة الخَرَف في الشوط الأخير من الحياة، وانكسار العلاقة الإنسانية مع المحيط الاجتماعي ومع المقربين.

لا يستطيع المتفرج أن يكبح عواطفه وهو يتنقل بين مشاهد الفيلم، ويتابع العجوز أنتوني وهو يفقد ارتباطه بالواقع ويفقد القدرة على التواصل أو التذكر، بل لم يعد يملك حتى قدرة التعبير عما بدواخله من ألم ومن رغبات.

فيلم قوي، تجري أحداثه داخل فضاء مغلق، عبارة عن شقة صغيرة، سيناريو بكتابة محبوكة وعميقة، بل ودقيقة تلجأ إلى العديد من التقنيات المسرحية التي تم توظيفها سينمائيا بشكل بديع لمعالجة هذه التجربة الإنسانية ومقاربة الألم الذي يرافقها، وقد كان اختيارا موفقا للتعامل مع موضوع سيء وقاس، نادرا ما لا يتم الحديث عنه.

الفيلم ليس جميلا، بالمعنى الممتع للسينما، لكنه فيلم قوي وأغلب عناصر الجمال فيه، تتجلى في الأداء الباهر للمبدع أنتوني هوبكنز الذي رغم بلوغه الثمانين من العمر ظل يؤكد بالملموس ومنذ ستين سنة من الممارسة، أنه واحد من الممثلين الكبار الخالدين، وأحد السحرة الماهرين القادمين إلى الفن السابع من خشبة المسرح بسجله الحافل في التعامل مع العديد من الشخصيات الشكسبيرية على خشبة المسرح الإنجليزي، أسس بالاستناد إليها تجربة سينمائية قدم خلالها العديد من الشخصيات المختلفة، بل الغريبة في بنياتها النفسية والسلوكية، باقتدار كبير. ولعل أنتوني هوبكنز في هذا الفيلم بدا في ذروة تجربته، بل ذروة طاقته التعبيرية التي يتمكن من خلالها من السيطرة على حواس المتلقي.

تلعب دور ابنة العجوز إلى جانب هوبكنز، اوليفيا كولمان، وهي إحدى النجمات الإنجليزيات الكبيرات، حائزة على جائزة الأوسكار، وقد شكلت مشاركتها إضافة نوعية حقيقية لهذا الشريط الجدير بالمشاهدة والتأمل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • ربيع
    الإثنين 24 ماي 2021 - 02:56

    الصهيوني الذي يصلي معنا العشاء!

    الصهيوني الوظيفي ذو اللسان العربي يطنطن حول فرية ضلوع الفلسطينيين في التمكين لليهود بفلسطين، وأنهم باعوهم أرضهم، ويسعى إلى تشويه صورتهم في وجدان الشعوب العربية، وكثيرا ما يُضفي على الفلسطينيين نعوتاً بشعة، ويتهمهم بالعمالة والتسوّل والمتاجرة بالقضية، للحصول على دعم الدول ومساعداتها، ويصور شبابها الصامد الأبيّ على أنهم منحرفون متميعون، يريد بذلك أن يزهدنا في الاهتمام بالقضية الفلسطينية حتى لا تبقى قضية مركزية في الأمة.

    احسان الفقيه

  • reanime
    الإثنين 24 ماي 2021 - 03:05

    merci cher monsieur pour la critique de ce film ça donne réellement envie de le voir. vivement la réouverture des cinémas…

  • البيضاوي
    الإثنين 24 ماي 2021 - 07:31

    هذه السينما الراقية التي تدخل في دهاليز النفس البشرية و تأثيرها و تأثرها و هناك فيلم آخر تقريبا في نفس الاتجاه “الادلة الدامغة” preuves irrefutables لعب فيه انتوني هوبكينز دور استاذ رياضيات مصاب بمرض نفسي يتوفى و تعدّ له ابنته مراسيم الجنازة و يأخذنا المخرج بطريقة فلاش باك للتعرف اكثر عن هذه الشخصية المعقدة التي اتقنها هوبكينز

  • yasser
    الإثنين 24 ماي 2021 - 10:12

    très beau film à voir bravo à l’acteur

  • واحد من الرعية
    الإثنين 24 ماي 2021 - 12:19

    فيلم رائع جدا يتطلب من المشاهد التركيز جيدا و متابعة الأحداث دون إعفال أية لقطة لأن مجرد لحظة سهو تجعل سيرورة الأحداث تنفلت منك و أنت تشاهد . فيلم الأب في نظري الخاص أروع ما قدم أنتوني بل أعتبر أروع حتى من فيلم صمت الحملان الشهير . تحليل الأستاذ سعيد كاتب المقال ينم عن التمكن و الرؤية النقدية القوية و أنصح قبل مشاهدة الفيلم بقراءة المقال أعلاه و أيضا بتتبع تحليل الناقد السياسي و الفني المصري أحمد البحيري على اليوتوب لهذا الفيلم .

  • يستحق المشاهدة
    الإثنين 24 ماي 2021 - 15:09

    السينمائيون المغاربة اولاد لبلاد للأسف عودونا على التباكي والشكوى أمام لكاميرة بدعوى طلب الدعم المادي … ههه بالله عليكم هل وصل التسول حتى في السينما ؟؟؟ عندما تشاهد فيلم الأب تلاحظ أن الأحداث تدور في أغلبها في شقة و عمارة … إذن المسألة لا تحتاج دائما إلى الملايير من الدراهم . كل ماهناك أن النص مكتوب بذكاء و الممثلين في المستوى !

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية