للأوطان أصوات تشبه أرواحها، وللأمم لغات تختزن ذاكرتها وتروي تاريخها وتعلن حضورها في العالم. وحين ترتقي دولة إلى منبر دولي، فإنها تحمل معها أكثر من موقف سياسي، وأكثر من خطاب دبلوماسي؛ تحمل تاريخًا من الكفاح، ورصيدًا من الحضارة، وإرثًا من الفكر، وكرامة شعب يتطلع إلى أن يرى صورته فيمَنْ يتحدّث باسمه.
في ذلك المقام الرفيع، حيث تتجاور أعلام الدول، وتتقاطع المصالح، وتتنافس الرؤى، وتتشكل ملامح العلاقات الدولية، تكتسب اللغة معنى يتجاوز حدود التعبير، وتتحول إلى مظهر من مظاهر السّيادة، وعلامة من علامات الاستقلال، وشاهد على مِقدار الثقة التي تحملها الأمة في نفسها.
للأوطان ألسنةٌ… وللسيادة صوت
إذا كانت السيادة السياسية تقوم على استقلال القرار، فإن السيادة اللغوية تمنح هذا الاستقلال صوته وهيبته. وحين يعتلي ممثل دولة منبرًا دوليًا متحدثًا بلغته الوطنية، فإنه يعلن موقفًا سياسيًا ويؤكد حضور أمّة تعتز بهويتها، وتثق في رصيدها الحضاري، وترفض أن تجعل من لغة غيرها شرطًا للاعتراف بمكانتها بين الأمم.
وقد أدركتْ الدول الواثقة من هويتها أن المكانة الدولية لا تُكتسب بالتنازل عن الخصوصية اللغوية، وأن الانفتاح على العالم لا يستوجب التخلي عن اللّسان الوطني.
لذلك تتمسّك أمم عديدة بلغاتها في المحافل الرسمية والمؤتمرات الكبرى، وتستعين بالترجمة الفورية لإيصال مواقفها إلى العالم، إيمانًا منها بأن التواصل الفعال لا يقتضي التضحية بالأصالة، وأن إتقان لغات الآخرين لا يبرِّر تهميش لغة الوطن.
فالاستقلال الذي تعلنه الدولة في قراراتها ينبغي أن يتجلى في خطابها، والسيادة التي تدافع عنها في مواقفها تستحق أن تصونها في لسانها؛ وما قيمة الاعتزاز بالهوية إن غاب صوتها عن المنابر التي تتجلى فيها هيبة الدول ومكانتها؟
سيادة القرار وسيادة اللّسان
يثير اختيار مسؤول إلقاء خطاب رسمي بلغة أجنبية في محفل دولي يتيحُ له التحدث بالعربية تساؤلات تتجاوز مقتضيات التّواصل الدبلوماسي إلى دلالات السيادة والهوية.
فأيُّ رسالة يحملها هذا الاختيار إلى الوعي الجماعي؟ وأي صورة يرسخها في أذهان الأجيال حين تقتصر مكانة لغتها الوطنية على المحافل الداخلية، ويتراجع حضورها على المنابر الدولية؟ وكيف نغرس الاعتزاز باللغة في نفوس الناشئة إذا غاب تجسيده عن أرفع مستويات التمثيل الرسمي؟ تكشف هذه الأسئلة أهمية الانسجام بين ما تعلنه الدولة من اعتزاز بهويتها وما تعتمده من ممارسات تعكس مكانة لغتها في مؤسساتها وعلاقاتها الدولية.
ولا يتعارض الاعتزاز باللغة الوطنية مع إتقان اللغات الأجنبية، فالتعدد اللغوي ثراء حضاري، وأداة للتفاوض والتعاون وتبادل المعارف والخبرات. وتزداد الدبلوماسية فاعلية حين تجمع الانفتاح على لغات العالم والثقة في لغة الوطن، فتجعل من الأولى جسورًا للتواصل، ومن الثانية تعبيرًا أصيلًا عن هويتها وسيادتها.
من هنا تبرزُ مسؤولية المؤسسات في ترسيخ حضور العربية على المنابر الدولية، عبر تأهيل الكفاءات الدبلوماسية، وإحكام الصياغة، وضبط المصطلحات، وإتقان الإلقاء، وتطوير خدمات الترجمة، حتى تتكامل قوة الخطاب مع أصالة اللسان وهيبة التمثيل.
أيُّ سيادةٍ لوطنٍ يستعيرُ لسانه؟
تتطلب فاعلية الخطاب الرسمي دقَّة في التعبير، وإحكامًا في الصياغة، وكفاءة في الإلقاء، وإعدادًا دبلوماسيًا يضمن وضوح الرسالة وقوة تأثيرها. ويعزز الاستثمار في التأهيل اللغوي والترجمة المتخصِّصة وتطوير المصطلحات السّياسية والاقتصادية والقانونية قُدرة الدولة على الدفاع عن مواقفها بلغتها وإيصال صوتها إلى العالم بثقة واقتدار.
وتكتسب السيادة اللغوية في المغرب دلالة تستمد عمقها من عراقة تاريخه وتعدد روافد هويته الحضارية. فالعربية والأمازيغية لغتان رسميتان بنصّ الدستور، وتشكلان ركيزتين أساسيتين في الهوية الوطنية، بما تحمله كل منهما من رصيد ثقافي وتاريخي يعكس ثراء الشخصية المغربية.
وقد اضطلعت العربية عبر القرون بدور محوري في حفظ الذاكرة المغربية وإغناء إنتاجها الفكري والعلمي والأدبي وصياغة خطابها الثقافي والسياسي.
وهي اليوم جديرة بأن تواصل هذا الدور على المنابر الدولية، وأن تحمل صوت المغرب في القمم السياسية والمنتديات الاقتصادية والمؤتمرات الثقافية، بلِسَانٍ يجمع أصالة الانتماء ودقّة التعبير وقوّة الحُجّة؛ فحين يخاطب المغرب العالم بالعربية، فإنه يمنح حضوره الدبلوماسي امتداده الحضاري، ويجسِّد اعتزازه بهويته في أرفع مستويات التمثيل الدولي.
للمغرب لسانٌ من عمق حضارته
تمنح الدول القوية بلغاتها شعوبَها سببًا إضافيًا للثِّقة، وتمنحُ العالمَ فرصة التعرف إليها من خلال صوتها الأصيل. كما تبلغ السّيادة اللغوية أسمى معانيها حين يتطابق ما تعلنه الدولة عن مكانة لغتها مع ما تمارسه في فضاءات القرار. تُولد المصداقية من هذا الانسجام، وتتعزّز هيْبة المؤسسات كلّما حمل سُلوكها العملي المعاني التي تؤكدها في خطاباتها.
ومن الطبيعي أن تبدأ هذه المسؤولية من أعلى مستويات التمثيل الرسمي، حيث تكتسب الكلمة وزنًا مضاعفًا، ويصبح لكل اختيار لغوي أثر رمزي وثقافي يتجاوز المناسبة التي احتضنته. بهذا المعنى، تمنح المنابر الدّولية الدّول فرصة التعبير عن سياساتها، وتمنحها كذلك فرصة إظهار شخصيتها الحضارية.
وحين تتحدث الأمة بلغتها، فإنها تضيف إلى حضورها السياسي حضورًا ثقافيًا، وإلى حُجّتها الدبلوماسية امتدادًا تاريخيًا، وإلى صورتها الدولية ملمحًا أصيلًا من هويتها.
الوطن الذي لا يستعير صوته
ما من شكّ في أنّ الأوطان التي صنعت استقلالها بتضحيات أبنائها، وصانت هويتها عبر تعاقب الأجيال، جديرة بأن تحمل إلى العالم صوتًا يعبّر عن أصالتها ويليقُ بمكانتها. فليس الاعتزاز باللغة حنينًا إلى الماضي، إنه بالأحرى ثقة بالحاضر، وإيمان بالمستقبل، ووعي بأن السيادة لا تكتمل بقوة القرار ما لم تجد في لسان الوطن تعبيرها الأصيل.
وما أجمل أن يرتفع صوت المغرب بالعربية من فوق المنابر الدّولية رصينًا في بَيانه، شامخًا بانتمائه، واثقًا بقدرته على مخاطبة العالم من موقع النِّدّية والاقْتدار!
ليست عظمة الأمم في أن تتحدّث بلِسَانِ الآخرين، وإنما في أن تجعل الآخرين يصغون إلى لسانها. وحين يرفع المغرب صوته بالعربية في محافل العالم، فإنه يمنح لغته مكانتها المستحقة، ويؤكد أن الوطن الذي يعتزُّ باستقلال قراره لا يستعير صوتًا ليُعْلن حُضوره، وأن الأمّة الواثقة من تاريخها وحضارتها لا تحتاجُ إلى التَّخلي عن لِسانها حتى يسمعَ العالمُ كلمتَها.
فكَما أنَّ للسِّيادة رايةً تُرفرف، فإن لها لسانًا ينبغي أن يعْلُوَ، وصوتًا يستحقُّ أن يُسمعَ.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديثٍ آخر.
عندما يصعد إلى المنابر الدولية و من يمثل الدولة المغربية من يتحدث بخطاب بغير اللغة الرسمية للدولة التي يمثلها فلا بد أن نعيد النظر في مفهوم الاستقلال و الادهى والأمر حين يستضيف البلد مؤتمرا ما ثم تجد مسؤولوه يتحدثون بغير اللغة الرسمية للبلد الذي يمثلونه فماذا ترى تكون ردة فعل الضيوف و هم يسمعون الضيف يتحدث بلغة موليير في بلده العربي
السيادة اللغوية ليست ترفًا ثقافيًا ولا حنينًا عاطفيًا إلى الماضي، إنها أحد أعمق تجليات استقلال الأمم وقدرتها على امتلاك مصيرها. فالأمة التي لا تنتج المعرفة بلغتها تظل، مهما راكمت من مظاهر التقدم، مستهلكةً لأفكار الآخرين، تستعير مفاهيمهم لتفسير واقعها، وتستجدي لغاتهم لتسمية مستقبلها. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، إنها وعاء الفكر، ومصدر الوعي، والفضاء الذي تتشكل فيه شخصية المجتمع ورؤيته للعالم. وحين تتراجع لغة وطنية عن ميادين العلم والاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا، فإن الخسارة تتجاوز حدود الألفاظ إلى تآكل القدرة على إنتاج المعنى وصناعة القرار. ولا تتحقق السيادة اللغوية بإغلاق الأبواب أمام اللغات الأجنبية، وإنما بامتلاك القدرة على الانفتاح عليها من موقع الندية لا التبعية، وعلى استيعاب المعرفة العالمية وإعادة إنتاجها بلغة المجتمع. فتعلم لغات العالم قوة، أما الارتهان إليها فاختلال في موازين القوة. وأخطر أشكال التبعية أن تبلغ أمة من التقدم ما يجعلها قادرة على صناعة الأشياء، ثم تعجز عن التفكير في ما تصنع بلغتها؛ عندها لا تفقد اللغة مكانتها وحدها، وإنما يفقد المجتمع شيئًا من سلطته على المعرفة،
مقال مهم حول السيادة اللغوية وهي سيادة تبدأ حين تكف الأمة عن النظر إلى لغتها باعتبارها إرثًا ينبغي حمايته، وتتعامل معها بوصفها قوة ينبغي استثمارها. فاللغة التي تغيب عن مختبرات العلم ومراكز القرار وفضاءات الابتكار تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في صناعة المستقبل. ولا تكمن خطورة التبعية اللغوية في استعمال لغات الآخرين، وإنما في ترسيخ الاعتقاد بأن المعرفة لا تكتسب قيمتها إلا حين تنطق بلسانهم. فالأمم لا تحقق سيادتها بمجرد امتلاك الحق في الكلام بلغتها، وإنما بامتلاك القدرة على إنتاج ما يستحق أن يقوله العالم بهذه اللغة.
شكرا هسبريس