العفاريت وعفاريت السياسة

العفاريت وعفاريت السياسة
الإثنين 28 يناير 2019 - 01:04

– كانت أول مرة أسمع فيها كلمة عفريت في طور الصبا، وأنا تلميذ في مرحلة التعليم الابتدائي، لا أذكر اليوم وقد تقدم بي العمر، ووهنت الذاكرة في أية سنة دراسية على وجه التحديد كان ذلك؛ كل ما أذكره هو أن الكلمة تسللت إلى قاموسي القرائي من نص ذائع من نصوص سلسلة اقرأ الشهيرة لرائد تأليف الكتب المدرسية أحمد بوكماخ رحمه الله، يحمل عنوان “أحمد والعفريت”. لم أنس هذا العنوان المثير، كما لم أنس غيره من قبيل “زوزو يصطاد السمك”، و”سعاد في المكتبة”، و”يوسف يمثل” وما إلى ذلك من العناوين التي تتأبى حقيقة على النسيان؛ والطريف في الأمر هو أن الرسم المرفق الذي يحاكي شخصية أحمد احترق تماما في ذاكرتي، فيما لازال رسم العفريت واضح المعالم وكأنه وقع تحت نظري بالأمس؛ أما بالنسبة لمشهد هذه التمثيلية الوحيد فلا تسعفني ذاكرتي سوى في استرجاع مقاطعه الحوارية الأولى:

. “دخول العفريت وهو يردد أو أو أو …

. سؤال أحمد: ماذا هذا هذا ماذا؟

. جواب العفريت: أنا عفريت أنا نفريت

– ألفيت بعدما كبرت، وكبرت مقدرتي على القراءة والكتابة، وهما قاعدتان أساسيتان للتعلم، كلمة عفريت في كتاب الله عز وجل: “قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين” الآية 39 من سورة النمل، وعلمت من كتاب التفسير الذي تيسرت لي حيازته أن العفريت هو مارد قوي شديد من مردة الجن، الجن الذين خلقهم الله عز وجل والإنس لعبادته: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” الآية 56 من سورة الذاريات.

– صادفت كلمة عفريت غير ما مرة في الحكايات التي شغفت بقراءتها، ومنها حكاية الصياد والعفريت، وهي إحدى الحكايات العجيبة التي وردت في كتاب الحكي الفريد ألف ليلة وليلة.

– طبعا، سمعت كلمة عفريت وما زلت أسمعها لحد الآن، سمعتها مذكرة، ومؤنثة، ومفردة وجمعا، ومصغرة، تجري على ألسنة أهل بلدي، وهم يستعملونها في الغالب لنعت شخص ذكي، أو حاذق ماهر، أو داهية خبيث ماكر.

– ومضت السنون، وجاءت لحظة تسربت فيها كلمة العفاريت إلى القاموس السياسي في بلادنا؛ حيث كان رئيس الحكومة الأسبق الذي لم تنته بعد خرجاته المثيرة للجدل، سباقا إلى هذا الأمر؛ فقد استعمل في إحدى خطاباته الطريفة العفاريت إلى جانب التماسيح لوسم المتنفذين من المسؤولين، ولست أدري ما إذا كان ذلك بوعي أو بدون وعي منه فكلمة عفريت تعني من ضمن ما تعنيه في معاجم اللغة النافذين في الأمر من الدهاة، حينئذ تاه البعض في متاهات التخمين والتأويل، واعتبر البعض وفي طليعتهم الأتباع الأمر جراءة غير مسبوقة لا تصدر إلا عن شجاع مقدام ملأ دنيا السياسة وشغل الناس المهتمين بأمورها.

مرت أحداث، وتوالت على الرجل حوادث معلومة لا طائل من التذكير بها في هذا المقام، وتوارى الرجل قليلا، ليعاود الظهور بعد ذلك كثيرا، وتتواصل إثارة الجدل، والذهول والعجب؛ فقد علم بأن الرجل ساءت أحواله بعد أن غادر كراسي المسؤولية، وبات خاوي الوفاض يشكو قلة ذات اليد، ولذلك كان من الإنصاف أن يستفيد من معاش استثنائي؛ وهكذا تأكد بالواضح المكشوف بأن الرجل لم يكن استثنائيا كما توهم المتوهمون اللهم في طلاقة اللسان، والضحك على الأذقان، فقد صنع ما صنع كثيرون من عفاريت السياسة الذين بذلوا ما في وسعهم لدخول عوالمها والخروج بغنائمها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • زينون الرواقي
    الإثنين 28 يناير 2019 - 08:14

    بل ينطبق عليه وصف التمساح أكثر من وصف العفريت .. فالتمساح يذكر بالتمسّح والتمسّح نوع من لحيس الكابّة وذلك ما أجاده وهو يردد كلمة " سيدنا .. سيدنا " أكثر مما يردد الشهادتين والخاصية الثانية للتمساح هي دموعه التي تكشف بهتانه وكذبه وهذا ما برع فيه أيضاً صاحبنا وهو يبكي حاله ويتسول كذلك الذي يعرض عاهته على المارّة في الاسواق لاستدرار العطف مع فارق ان صاحب العاهة قد يغنم بعض دريهمات بينما تمساحنا بدموعه الزائفة جابها فلوردر ليغنم الملايين شهريا الى ما لا نهاية ويفقد معها مقابل ذلك ماء وجهه الى الأبد ….

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام