الغديري .. الإنسان، المربّي، المؤرخ

الغديري .. الإنسان، المربّي، المؤرخ
صورة: هسبريس
السبت 6 مارس 2021 - 19:16

استضاف الإذاعي المقتدر مصطفى البوزياني في حلقة يوم السبت 27.02.2021 من برنامجه الثقافي الشيق المفيد ضيفا من طينة خاصة، أعطى تجربة الاستماع نكهة متميزة امتزجت فيها ظلال الذاكرة وأصداؤها بمشاعر الإكبار والعرفان، وكل ذلك بشعور الإعجاب بروح المقاومة والإصرار على تخطي العراقيل في سعي حثيث الى صناعة الذات صنعا: إنه الأستاذ الدكتور مصطفى الغديري.

وأنا أستمع إلى صوته الجهوري المهيمن، سافرت بي الذاكرة الى أواخر سبعينيات القرن الماضي (1976 – 1978) وإلى إعدادية “الكندي” وحجراتها المفككة وداخليتها-السقيفة (hangar) التي تعبث بنوافذها المهلهلة الرياح…

كان الأستاذ مصطفى الغديري يعمل أستاذا للغة العربية وإطارا تربويا ملحقا بداخلية المؤسسة. وحيث إني كنت من نزلاء هذه الأخيرة فقد كانت “صِلتي” بالأستاذ من الاستمرار بحيث أمكنني التعرف على مختلف فضائله.

كانت إعدادية “الكندي” وداخليتها ملتقى لتلاميذ قدِموا من جميع القبائل التابعة لعمالة الناظور وقتئذ. وكان في هؤلاء محرومون لا سَنَدَ لهم سوى الإرادةِ الرعناءِ لأولياء أمورهم الفقراء في أن ينال أبناؤهم حظا من التعليم يكون لهم عوضا عمّا حُرِموا هم منه. وهؤلاء التلاميذ المعدمون هم الذين كانوا، خلافا لأطر ومدرسين آخرين، مناط عناية الأستاذ الغديري ورعايته. فلا تزال ذاكرتي تحتفظ بهيئته الفارعة وهو يتنقل بين موائد العشاء في مقصف الداخلية، وبين صفوف المقاعد في حجرات المطالعة ليلا، يستفسر هذا التلميذ المنكفئ على نفسه عما يشغله، ويشد من عضد ذاك إذا بدا منه ضعف أو حل به مكروه، ويُذَكِّر ذلك المتلاعب بتضحيات أبويه من أجل تعليمه… أما حصص المطالعة الليلية التي كان يشرف عليها فقد كانت تتحول إلى حصص درس “نهارية” بما يبثه فيها من حيوية وحماس لا يتركان للتعب أو التهاون مكانا. أما دروسه النهارية فقد كانت رياضة جماعية أم ماراثونا حقيقيين: فلا مكان في القسم للانزواء أو التشاغل أو الشرود. كيف يكون ذلك والأستاذ يَذْرَعُ الحجرة في كل اتجاه جيئةً وذهوبا وعيناه ترصدان، عند كل سؤال يطرحه، الغافلين وقليلي الثقة بالنفس والخجولين؟ ليحملهم على المشاركة بحزم لا عنف لفظيا فيه، وإنما تحفيز ودفع الى اكتشاف الطاقات التي قد تكون عوامل خارجية لا يد للتلميذ فيها أخمدتها… وقد كانت للأستاذ، كما أسلفت، عناية خاصة بالتلاميذ الذين تبدو عليهم علامات العسر: من فقر أو مرض أو يُتْم… فتكون تلك العناية الأبوية سببا في تجاوز المثبطات، بل وفي النجاح والامتياز.

لقد خبر الأستاذُ اليتمَ والجفاءَ صغيرا، وغالَبَهما فانتصر؛ فهو يريد إعادة انتاج الانتصار مع كل تلميذ يعرقل خطاه وجه من وجوه النقص أو الحرمان. أقول هذا ولست أؤمن إيمانا مطلقا بالحتمية (déterminisme) عندما يتعلق الأمر بالإنسان…

وبقدر ما كان الأستاذ يناضل عمليا من أجل تحرير تلاميذه المعدمين من الحتمية الاجتماعية، كان يواصل، من جهته، تحديه للقدر الاجتماعي: فلا يكتفي بوظيفة أستاذ التعليم الثانوي (وكانت وقتها ذات شأن)، بل يستأنف تكوينه الأكاديمي متخصصا في تاريخ “الغرب الإسلامي”؛ فيعد أطروحة ينال بها درجة الدكتوراه، ويصبح أستاذا للتعليم العالي، مواصلا عطاءه فيه بنفس الهمة والسخاء.

عودةً إلى موضوع البرنامج الذي دُعِيَ إليه الأستاذ بصفته مؤرِّخا، وهو: الوظيفة التأريخية للشعر الشفهي، يُشْهَد للأستاذ إخراجُه نصيبا وافرا من الشعر الأمازيغي الريفي من العدم الدلالي الذي آلَ إليه بعد تواري سياقات إنتاجه و”أسباب نزوله” التاريخية. فقد احتفظت ببعضه ذاكرة المعمِّرين ونُقِل الى الجيل الذي تلاهم مقطوعا عن إحالاته الأحداثية ومضامينه الوقائعية وحمولاته النفسية. فعمد الأستاذ الغديري الى تدوينه وإعادة ربطه بسياقات إنتاجه؛ فإذا هو ينطق بالتاريخ حيّا كما انعكس على وُجدان الشواعر الأمازيغيات الريفيات اللاّئي كُنّ لسان حال الجماعة.

يستظهر الأستاذ البيتَ من الشعر ويضعه في سياقه فيتمثَّل لك المشهدُ التاريخيُّ بزمانه ومكانه وشخوصه وفعله حيّا وكأنك تراه رأي العين. والحقُّ أن لِلأستاذ معرفةً موسوعية بالأَعلام البشرية والجغرافية والطوبوغرافية: فلا شيءَ من أسماء الأشخاص وأنسابهم وانتماءاتهم القبلية ولا من المواقع والمواضع يَنِدُّ عن علمه.

وبقدر ما يُعْجَبُ القارئ والمستمع بقدرة الأستاذ على استنطاق الأبيات الشعرية المتناثرة في الذاكرات فإذا هي وثائق تاريخية لا تسجل أحداث التاريخ كما انعكست على مرآة الضمير الجمعي المتمثل في الشاعر/ة فحسب، بل وتعري المسكوت عنه أو المزيف أو المحَوَّر في الخطاب الأيديولوجي “العالم” – أقول: بقدر ما يُعْجب بتلك القدرة لدى الأستاذ فإنه ينبهر أمام بلاغة الايجاز في ذلك الشعر: بلاغة يُغني بها البيتُ عن القصيدة، والصورةُ الشعرية عن الملحمة. إن الشعر الريفي الأمازيغي يقوم على مبدإ غير مصرّح به هو أن المتلقّي شاعر مشارك (co-auteur) يتقاسم فيه منتجُ الشعر ومتلقيه ذاتَ العوالم الدلالية والمرجعية، فيشتغل القولُ الشعري بالتلميح والتعريض والإيحاء والتذكير، بدون حاجة الى التفصيل الذي من طبيعته أنه يقتل الكثافة ويُضْعِف التوتر فيَضْعُف الأثرُ الجمالي الذي مناط الشعر وعلة وجوده.

وإذْ عُنِيَ الأستاذ مصطفى الغديري بهذا التراث الشعري باعتباره وثائقَ تاريخيةً، فإنه، من نحو آخر، وضع بين يدي الأجيال الجديدة ذخيرة أدبية ولغوية لا تُقدَّر بثمن. وما على باحثيها وكتابها وشعرائها إلا الانكباب عليها بحثا وترصيدا واستثمارا واستلهاما.

ذلك بأن شعبا بدون ذاكرة شعب يتيم مهما انتسب.

فشكرا لأستاذ الأجيال وحافظ الذاكرة ومُنْطِقِها: الدكتور مصطفى الغديري على ما أسدى – إنسانا ومربيا وباحثا مؤرخا.

وشكرا للإذاعي الملهَم الأستاذ مصطفى البوزياني الذي أتاح لي النطقَ بهذه الشهادة في حق رجل لم يكن في حاجة اليها. وشكرا له على جهده الصادق المتصل في تقريب ثقافتنا الى عموم المستمعين وتحبيبها إليهم بحماسه وعشقه وكفاءاته التواصلية التي يضارع بها الصحافة الثقافية في البلدان التي لها تقاليد عريقة في الاعلام الثقافي.

تنبيه: لا تربطني بالرجلين أية علاقة ما عدا ما ذكرت من تتلمذي عن الأول قبل ما يزيد عن أربعين عاما، وما خلا مواضبتي على الاستماع الى البرنامجين الثقافيين اللذين يقدمها الثاني في الإذاعة الأمازيغية نهايةَ الأسبوع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Me again
    الأحد 7 مارس 2021 - 13:19

    انا لم الج ابدا مدرسة وطأت فيه قدماي لتعلم القراءة و الكتابة!ولم اقرأ أبدا كتابا في حياتي.و شاهدت عدد قليل من الافلام و لم أتابع أبدا مسلسلا تليفزيونيا.انا اوطوديداكت! تعلمت بنفسي! تعلمت الكثير من امي و ابي و اجدادي و اهلي و اصدقائي و معارفي و معلقي هسبريس و اكلت الكسكس كل جمعة تقريبا و سافرت في جميع انحاء بلادي و لبست الجلابة و البلغة كثيرا و رقصت و غنيت الأهازيج و ناقشت و تحاورت كثيرا حول هويتي و هذا ما ساعدني ان افتخر بلغتي و هويتي و بلدي و وطني و أرضي،
    انا لم ألج ابدا مدرسة تعلمت فيها لغتي او تعلمت بلغتي أو اتيحت لي فرصة لقراءة كتب محضورة حول هويتي الحقيقية و لم تتح لي الفرصة لمشاهدة مسلسلات و مسرحيات امازيغية في صغري و شبابي، حتى حلقات السوق الاسبوعي منعت فيها الامازيغية كما منعت في الادارات و التلفزة و المساجد و المسارح و الملاعب و الشواطيء و داخل الحافلات و خارجها. حيث ان كل تعليمي في المدرسة ينصب حول تحويلي من مسلم من الابرار البررة الى عربي مزور! و رغم ذلك، لم تفلح القومجية العروبية التي انتهى عهدها بسقوط اصنامها بسرعة فائقة واحد تلو الاخر، لم تفلح في اكون عربيا مزورا!

  • Amaghrabi
    الأحد 7 مارس 2021 - 21:46

    اسمح لي سيدي امسبريذ المحترم ابن مدينتي الناظور ان اعلق على المعلق رقم1 لان مقالك كما فهمت عبارة عن شعور جميل تحمله لاستاذك المحترم الذي ترك اثرا طيبا على شخصك الكريم وبالتالي فكلنا نفتخر باساتذتنا ومثقفينا الذي تأثرنا بهم في حياتنا واصبحوا يسكنون في ذاكرتنا ويحضرون في ذكرانا,فالمعلق الاول شغفني حبا وشغل ذهني كيف يكتب بلغة جميلة راقية متمكن بالتعبير بها معنى ومبنى وبالتالي حيرني حينما قال انه لم يلج الى المدرسة مما جعلني اشك في تعليقه هل هو رواية مزج فيها الخيال بالحقيقة ام هي فعلا قصة واقعية من بدايتها الى نهايتها ؟فان كان حقا ما يقول وتعليقه سردا لتاريخ تعلمه وكيف امتسب اللغة شفويا وكتابيا فانني اقول لك سيدي انك اعجوبة زماننا او جاحظ زماننا او ربما تفوقه واعجوبة مغربنا.فانا اخي الكريم لا اشك في ما قلت ولكني متعجب جدا رغم انني اعرف مغاربة تعلموا القراءة والكتابة دون ان يدخلوا الى المدرسة وهناك بعض اخر دخل الى المدرسة وتعلم سنتي او اكثر وبقي اميا طول حياته.فشكرا سيدي امسبريد واتمنى ان لا تبخل عنا بمقالاتك واشعارك الجميلة واتمنى كذلك ان يكون المعلق الاول قدوة لاخواني المغاربة الاميون ان

  • Me again
    الأحد 7 مارس 2021 - 22:54

    Amaghrabi
    فقط للتوضيح، انا ولجت المدرسة لسنين كثيرة، بل ولجت الجامعة في المغرب و كذلك الجامعة في ارقى دول العالم! لكن، ما أريد ان أؤكد اني لم تتح لي فرصة لتعلم لغتي الأم في المدرسة و لم اقرأ التاريخ الحقيقي لبلدي و الشعر الامازيغي و تلقنت ان جميع ابطال بلادي اما هم عرب او هونك. لكن، تعلمت قراءة و كتابة تيفيناغ في بداية التسعينيات بالصدفة حينما كنت في تونس و تعرفت هناك على مغربي من جمعية تماينوت يتلقى رسائل بريدية مكتوبة بتيفيناغ من الدشيرة بالمغرب، حيث كانت محضورة و ممنوعة! كانت روعة لي للاهتمام بلغتي و بثقافتي و هويتي و كذلك فهم ما يجري!
    تخيل لو استثمرت فقط شيئا قليلا من الوقت الذي كنت مجبرا عليه في حفظ الشعر الجاهلي و المحفوظات و التي جلها لم افهمها لحد الآن،و سنين من تعلم الفرنسية التي لم استعملها قط في حياتي اليومية سوى للتباهي كالببغاء لو استثمرتها في قراءة و حفظ الشعر الامازيغي و الاغاني الامازيغية او كتابة تيفيناغ، لساهمت في تطويرها و نشرها و الابداع بها و فيها…
    الحمد لله ان هناك جيل صاعد يفعل ما كنت اتمنى!

  • ما هذا التخربيق!؟
    الثلاثاء 9 مارس 2021 - 13:44

    1- 3 : Me again

    أهذا كل منطق الكائن القبلي؟

    في التعليق الأول:
    انا لم الج ابدا مدرسة
    ولم اقرأ أبدا كتابا في حياتي
    انا اوطوديداكت! تعلمت بنفسي

    في التعليق اللاحق:
    انا ولجت المدرسة لسنين كثيرة، بل ولجت الجامعة في المغرب و كذلك الجامعة في ارقى دول العالم
    ما أريد ان أؤكد اني لم تتح لي فرصة لتعلم لغتي الأم في المدرسة
    لو استثمرتها في قراءة و حفظ الشعر الامازيغي و الاغاني الامازيغية او كتابة تيفيناغ، لساهمت في تطويرها و نشرها و الابداع بها و فيها…
    الحمد لله ان هناك جيل صاعد يفعل ما كنت اتمنى!

    والسؤال:
    “انا اوطوديداكت! تعلمت بنفسي”، في ماذا إذن؟ هل في الشلحة التي تؤكد أنك لم تتعلمها ولم تقرأ بها كتابا؟ هل أفهم أنك علمت نفسك أن لا تقرأ كتابا في حياتك بلهجتك؟ أهذا هو مفهومك ل”انا اوطوديداكت! تعلمت بنفسي”؟

    هذا ما يسمى في علم النفس المرضي بالكذاب الپاثولوجي، ذلك الشخص الذي لا يتوقف عن الكذب استدرارا للعطف أومن أجل إثارة انتباه الآخرين لأنه فقد احترام نفسه. ، بينما في الواقع لا يوجد شيء يمكن كسبه من هذه الأكاذيب.
    شافاك الله وعافاك من كل الأسقام، ما بدا منها وما بطن!

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''