تحول الاهتمام المتزايد بتنظيم”الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى حجاب سميك يخفي تنظيم القاعدة؛ كلما زاد التركيز على تنظيم”داعش” كلما خفت الاهتمام الذي يولَى إلى التنظيم الذي شغل الناس والعالم لمدة تزيد على عشر سنوات، إلى حد أن بعض الأبحاث الأمريكية بدأت تطرح مثل هذا السؤال: هل ما يزال ممكنا الحديث عن تنظيم القاعدة باعتباره”تنظيما”؟.
تنطلق تلك الأبحاث من مجريات الصراع بين التنظيمين على التموقع الاستراتيجي فوق هرم الفكر الجهادي العالمي، والزحف المضطرد لتنظيم”داعش” في العراق وسوريا، ونجاحه في استقطاب الآلاف من المقاتلين الفرادى أو المنضوين تحت تنظيمات جهادية، من خلال بيعة الأمراء المحليين لأبي بكر البغدادي، الذي بات الجهاديون ينظرون إليه كخليفة، انطلاقا من المنظومة الفكرية التي تجمعهم، وفي إطار التصور العام الذي يملكونه لمفهوم الخلافة.
الكثير من الدراسات في الفكر الجهادي تنظر إلى التنظيمين من منطلق القطيعة بينهما، لكن مكمن الخلط يوجد في عدم التمييز بين القطيعة التنظيمية والقطيعة التنظيرية، بينما واقع الحال أن القطيعة بين التنظيمين هي قطيعة على المستوى التنظيمي لا على المستوى التنظيري. ذلك أن تنظيم داعش يعتبر نفسه امتدادا لمشروعية تنظيم القاعدة على الصعيد الفكري والعقدي، وتجربة تنطلق مما أنجزه التنظيم في مرحلة مؤسسه أسامة بن لادن لكي يبني عليه مشروعه الجديد، ومن هنا فهو استمرار للأسس النظرية التي أرساها التنظيم السابق. أما على المستوى التنظيمي فهو يعتبر بأن تنظيم القاعدة لم يعد هناك ما يبرر وجوده، بعد إعلان”الخلافة”، وعليه إذا أراد البقاء ضمن المشروع الجهادي العالمي أن يلتحق بركب المبايعين للبغدادي، وإلا فعليه حل نفسه.
يعكس الاختلاف بين التنظيمين اختلافا في الباراديغم ـ أي الإطار النظري ـ الذي يحرك الفكر الجهادي العالمي خلال الثلاثين سنة الأخيرة. ويمكن تقسيم هذا الإطار النظري إلى قسمين، الأول هو الذي سيطر على الفكر الجهادي من نهاية حرب أفغانستان مرورا بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلى مرحلة الربيع العربي، والقسم الثاني هو الذي بدأ مع هذا الأخير وما يزال مستمرا إلى اليوم، وهو مرشح للتطور التلقائي في حال لم يتم التصدي له بكل العدة الفكرية والدينية والعسكرية.
وقد شكل تنظيم القاعدة الشكل التنظيمي الأنسب للمرحلة الأولى. فقد تكون فكر التنظيم في سياق الحرب مع الاتحاد السوفياتي، أي مع العدو البعيد بالمفهوم السائد في الأدبيات الجهادية، ومن ثم تطور ونما في ظل فكرة القتال ضد الأجنبي، ومن هنا تركيزه على اختطاف الأجانب واستهداف النصارى وتنفيذ هجمات ضد الدول الأوروبية في عمقها الترابي. وبالموازاة مع ذلك، لم يكن التنظيم يشغل نفسه بإنشاء دولة أو إعلان خلافة أو احتلال مواقع والمكوث فيها، بل كان يتسم بطابع متحرك، ويتبع استراتيجيات متباينة وفق ساحات العمليات التي ينفذها.
مع اندلاع أحداث الربيع العربي في سنة 2011 تغير الباراديغم الذي يسند النزعة الجهادية العالمية، إذ لم يعد تنظيم القاعدة الشكل التنظيمي الأنسب للمرحلة الجديدة، بالنظر إلى أن تلك الأحداث شهدت رواج مطالب سياسية مختلفة عن تلك التي كان يحاول التنظيم الإجابة عليها في السابق. فهتافات الشوارع العربية لم تكن تطالب بطرد المحتل مثلا أو قتال الأوروبيين أو حتى تحرير فلسطين، بل ببناء الديمقراطية وإرساء العدالة الاجتماعية والمساواة، أي أن الهدف أصبح يتمثل في بناء أنظمة سياسية جديدة.
تلقف الفكر الجهادي هذه النقطة وبنى عليها استراتيجية جديدة، تتمثل في التسلل عبر حالة الفوضى في العالم العربي وطرح نفسه كبديل. وقد سعى عدد من الجماعات السلفية المتطرفة إلى الركوب على تلك الأحداث، لكنه اصطدم بحالة الرفض من لدن الشارع، وبالأخص من الجماعات الإسلامية المنتمية إلى التيار الإخواني، التي كانت تريد قطف ثمار الأحداث وتحييد السلفيين الجهاديين. وكان طموح الفكر الجهادي الجديد بناء دولة على النمط الحديث، بعد مراجعة إرث تنظيم القاعدة من ناحية، وإعادة زيارة الفكر الوهابي الذي انطلق في القرن الثامن عشر بهدف بناء دولة في شبه الجزيرة العربية، من جهة ثانية، وقد تمثل هذا النموذج الجديد في تنظيم”داعش”، الذي يطرح نفسه وريثا لتركة القاعدة وتراث محمد بن عبد الوهاب في ذات الوقت.
بيد أنه ربما كان محض مصادفة أن يتزامن مقتل أسامة بن لادن، في ماي 2011، مع اندلاع شرارة الربيع العربي في نفس الفترة؛ فكأن مقتله كان بمثابة إغلاق قوس تنظيم القاعدة وفتح قوس جديد في الفكر الجهادي التكفيري العالمي، هو الذي حصل مع تنظيم”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ولكن التاريخ في جملته غالبا ما يسير بالمصادفات التي تبدو في ظاهرها نوعا من العبث، إلا أنها تؤسس لتحولات جذرية تصبح وقائع تنسي المصادفة.
تحليل متميز أستاذ الكنبوري، أعجبتني جدا طريقتك في تحليل القضية، كتاباتك قوية وعميقة، شكرا لك.
بسم الله الرحمان الرحيم
قال الإمام التابعي وهب بن منبه – رحمه الله :
" إني قد أدركت صدر الإسلام فوالله ما كانت الخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم
وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه
ولو مكن الله لهم من رأيهم لفسدت الأرض وقطعت السبل والحج ولعاد أمر الإسلام جاهلية
وإذا لقام جماعة كل منهم يدعو إلى نفسه الخلافة مع كل واحد منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا
ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري مع من يكون " .
[ سير أعلام النبلاء ( ترجمة وهب بن منبه ) ]
ألى من جاء بأقوال وهب بن منبه ,, بالله عليك ؟
لو جاء رسول الله اليوم لزيارتنا … مادا سيقول ؟ مع من سيكون ؟
هل سينظم لأناس جعلوا بلدانهم مرتع لكل لوطي وعاهر باسم السياحة الجنسية .؟ وأقاموا حفلات اللمس والرقص باسم (الموازين) وأكرموا أصوات الشياطين (الغناء) وأقمعوا أصوات الموحدين , والقراء والدعاة المخلصين
أم سينظم لفئة أحيت فريضة غائبة (الجهاد) وتطبق شريعة ربها . رغم كيد الكائدين … واتهمتموها زورا وبهتانا خوارج
نعم أنهم خوارج على جاهليتكم المقيتة , خوارج على جامعتكم العربية المنثنة . جوارج على الكفر العالمي الملحد
اللهم أن كان الخوارج هؤلاء فاجعلني من جنودهم . فلأن أموت بأرض يطبق فيها شريعتك أفضل لي أن أموت بأرض يعبد فيها الطاغوت
في البداية نقدم التحية للكاتب الفاضل على تحليله التسلسلي والتدريجي التجريبي العميق للأحداث ولتطور الإطار النظري للجهاد العالمي،ونؤكد على أن مثل هذه التنظيمات بغض النظر إن كانت مصنوعة كما يقول بعض الواهمون أنها لن تموت أو تضمحل بحيث صارت فكرة وحتى إن كنا مختلفين معها أو لا تبقى لها أتباع مستعدين لدفاع عنها في قلب النجوم بالدم والحديد بعد أن تمسكوا بها في صخور جبال أفغانستان ومن هنا يبقى السبيل الوحيد لتوقيف هذا النزيف الدموي هو توحيد جهود الكل لأجل الحوار يثمر كرامة الإنسان المسلم ويمنح له ثرواته المنهوبة وإعادة الهوية الدينية بشكل جذري لا رمزي ولأن كان الإصرار كبير لدحر التنظيمات بالسلاح فعلى الجميع إنتظار الطوفان والمجهول ،