القصة القصيرة بناء سردي متنافذ؛ فهي تطل على ساحة الرواية الفسيحة، وتنفتح على حدائق الشعر الغناء، وتشرف على دروب المسرح المتشعبة، وتشرئب إلى شجون المقالة المديدة، وما إلى ذلك من واجهات التعبير المختلفة.
ومن المعلوم أن القصة القصيرة تستنفذ مظاهر تعبيرية خارجية مختلفة؛ وهذا ما حذا ببعض المتحاملين من المشتغلين بالإبداع والنقد إلى الحط من شأنها؛ حيث اعتبروها جنسا أدبيا هجينا، فاقدا لكيانه الذاتي الأصيل؛ ولذلك تراهم يستكثرون عليه ما يلقاه اليوم من زائد العناية، وما يحظى به من واسع الحضور؛ والحال أن القصة القصيرة تستمد من كل فن من فنون الكتابة ما يستقوي به من العناصر، ثم تعمد إلى صهر هذه العناصر كلها في بوتقة صغيرة، لتفرغ بين يدي القارئ منتجا سرديا جديدا ومتجددا، دقيق الحبكة، محكم العبارة، مثير البداية، مجهول النهاية.
إن القصة القصيرة بما تتميز به من قوة التركيز، وشدة التكثيف، وكثرة الحذف، وحدة التوتر، وعمق الإيحاء، تنفرد بطاقة عجيبة على احتواء مادة حكائية متناسقة تغرف عناصرها من بحر الذاكرة الزخار، وتمتح مجرياتها من أرض الواقع الموار، وتستوحى مادتها من الخيال المجنح؛ على أن هذه المادة الحكائية الشائقة تأتي مشذبة الزوائد، متخففة من الاستطرادات، خالية من كل حشو، عارية من كل فضل؛ وهذا لا يعني إطلاقا أن القصة القصيرة ثابتة البناء، وأن القبض على تشكلها الجمالي أمر هين في غاية اليسر؛ إنها، بخلاف ذلك تماما، لا تستقر على حال راكدة، ولا تثبت على وضعية جامدة، إن تشكلها الجمالي يتحرك كما تتحرك الرمال في الصحراء، ويتجدد كما تتجدد المياه المتدفقة في المجاري والقنوات.
في الحقيقة القصة القصيرة فسحة سردية رحيبة بما ضاقت، وتشكل هذه المفارقة في تقديرنا؛ أي مفارقة الضيق والرحابة أهم الخصائص التي تنفرد بها. وإمعانا في إيضاح هذه المفارقة المثيرة، لا بأس من أن نلوذ بهذه الصور التشبيهية.
ـ القصة القصيرة يمكن تشبيهها بدُوَيْرَة، بالرغم من مساحة أرضها المحدودة، اجهتد صاحبها في هندسة التصميم، وأبدع في البناء والتشييد، فجاءت فضاء جذابا يستوقف الرائحين والغادين، فيبهرهم بمدخله الصغير المثير، ونوافذه القليلة التي ينفذ منها الضياء والهواء، ويدهش الأضياف ببراعة التوزيع والتنسيق التي حولت ضيق داخله إلى سعة غير متوقعة، ولسان حالهم يقول لم نكن نحسبها كذلك، هي فعلا دار فيحاء.
ـ ويمكن تمثيل القصة القصيرة أيضا بغرفة صغيرة، استغل قاطنها كل أبعادها من طول وعرض وعلو فأثثها بما يكفي الحاجة ولا يزيد من قطع الأثاث القابلة للتفكيك والتركيب، والإظهار عند اللزوم، والإخفاء عند الاقتضاء، تاركا مع ذلك مسالك للمرور في فضائها الصغير الجميل بمنتهى السلاسة والرشاقة.
ـ وإذا ما شئنا أن نذهب بعيدا في التضييق، يجوز لنا أن نشبهها بحقيبة صغيرة، أنيقة، اتسعت لأشياء عديدة مختلفة قد تكون العلاقة بينها غير واضحة بالضرورة؛ بل باعثة على التساؤل والتحير؛ حقيبة عجيبة إذا ما فتحها فاتح، وأفرغ ما أودع فيها من المحتويات اندهش لقدرة صاحبها على الطي، والتصغير، والضغط، والدس، والتنضيد، وقد يجد في جيب من جيوبها مفاجآت غير منتظرة، وقد تخطئ يده شيئا ثمينا أخفي تماما في موضع سري بمنتهى الذكاء والدهاء، حقا القصة القصيرة حقيبة سردية صغيرة عجيبة.
لا شك أن إحكام صنعة مفارقة الضيق والرحابة في القصة القصيرة يتطلب من جملة ما يتطلب من القاص تشبعا فكريا عميقا، ومقدرة على الإمساك بالعابر المثير، واجتراء على إثارة الأسئلة الشائكة، ومناجزة القضايا الراهنة والمتجددة، ومخاطرة واعية في التجريب بدون إسراف طائش ولا تزييف كاذب؛ كل ذلك باشتغال جمالي متناه في الدقة، ويراهن على التفرد والكثافة والإيحاء، وإلا ستأتي القصة، ككثير من القصص الشاردة، مثقلة مترهلة، كثيرة الدسم، ظاهرة التكديس، بادية النتوءات، محدودة الدلالات، غير متراحبة الأبعاد؛ قصة مخيبة، بلا أفق، فارغة غير ماتعة؛ بل شديدة الفجاجة والابتذال.
تقبلوا النقد الهادف
قبل إصدار الأحكام
علي اليوسف