القوة الناعمة للرياضة العالمية تترنح تحت وطأة الشعبوية وخطابات الكراهية

القوة الناعمة للرياضة العالمية تترنح تحت وطأة الشعبوية وخطابات الكراهية
كاريكاتير: مبارك بوعلي
الجمعة 24 أبريل 2026 - 06:00

تقترن الرياضة عادة بالأخلاق والحوار والتواصل بين الشعوب، فقد شكّلت المناسبات الرياضية فرصة لإبراز التنوع الحضاري والثقافي العالمي، والتحسيس بقضايا إنسانية وحقوقية وبيئية عبر العالم. كما لعبت أدوارًا طلائعية على مستوى التقريب بين الأمم وتوفير المناخ الدبلوماسي السليم للحد من الأزمات والصراعات. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات منظمة ضمن ما يُعرف بـ”الألتراس”، تعطي لهذه التظاهرات زخمًا وتأثيرًا كبيرين.

وفي الوقت الذي أضحت فيه الملاعب، وخصوصًا تلك الخاصة بكرة القدم، تحظى بمتابعات ومشاهدات واسعة عبر العالم، في أوساط عدد من الفئات الاجتماعية، بفعل النقل المباشر للمقابلات الذي تقوده مجموعة من القنوات الفضائية الدولية المتخصصة، أضحت الرياضة مقومًا هامًا ضمن مقومات القوة الناعمة التي تساهم في تعزيز السلام العالمي، وتذليل الخلافات السياسية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، ودعم مشاريع التنمية.

وفي هذا السياق، أصبحت الكثير من الملاعب تعج بالشعارات واللافتات التي لا تخلو من حمولات إنسانية وسياسية وثقافية؛ وكثيرًا ما أسهمت في تحويل هذه اللحظات الرياضية إلى قنوات للترافع بشأن عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي لا تحظى باهتمام الإعلام التقليدي.

فقبل تسع سنوات شهدت مدينة دوسلدورف الألمانية مقابلة رمزية في كرة القدم، جمعت بين فريق مكوّن من أئمة مسلمين وآخر من قساوسة مسيحيين، في حين تولّى يهودي مهمة التحكيم فيها، فيما احتضنت مدرجات الملعب جمهورًا واسعًا من المسلمين والمسيحيين. وبغض النظر عن النتيجة، فقد شكّلت هذه المباراة رسالة إنسانية راقية تجسد الحوار والتسامح.

ومع ذلك، لم تخلُ الفعاليات الرياضية، في كثير من الأحيان، من انحرافات ومظاهر من العنف والشغب، جعلتها تتحول إلى ما يشبه منصات لتصريف سلوكات مشينة، وإلى لحظات لتصريف مواقف عنصرية ومتطرفة، بفعل الشحن الإعلامي الذي تقع فيه مجموعة من وسائل الإعلام، التي تتبنى مصطلحات وتعابير عسكرية، كالهجوم، والمعسكر التدريبي، والانتقام، والإصابة، والخطط الاستراتيجية، والمواجهة المصيرية…، ما يوحي للمتلقي وكأن الأمر يتعلق بمواجهة عسكرية.

ففي كثير من اللقاءات الرياضية، تتعالى بعض الهتافات التي تشكل إهانة للاعبين من جنسيات وأقليات معينة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على نفسية اللاعبين وعلى مردودهم داخل الميادين، كما لا تخفى التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن هذه السلوكات بالنسبة للجماهير.

وتتجلى مظاهر هذه السلوكات داخل الملاعب في شكل توجيه الشتائم والإهانات للطواقم الرياضية، من لاعبين وأطر فنية، بسبب العرق أو الدين أو الجنس، بغية التقليل من معنويات الخصوم. كما يمكن أيضًا لإدارة الفرق أن تسقط في هذه الانحرافات، بعدم تمكين الكفاءات الرياضية من الأقليات من الاستئثار بمواقع ريادية داخل إدارة الفرق الفنية والتقنية أو المشاركة في المنافسات الرياضية.

ويمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى الإساءات العنصرية المتعددة التي لحقت بلاعب فريق “ريال مدريد”، “فينيسيوس جونيور”، قبل أن يخوض مبادرات عديدة وجهودًا حثيثة لوقف هذه المظاهر، ما نتج عنه توقيف عدد من الضالعين في هذه الممارسات بموجب أحكام قضائية صارمة.

كما شهدت المباراة الودية في كرة القدم، التي أُقيمت خلال أواخر شهر مارس الماضي في مدينة برشلونة، بين المنتخبين الإسباني والمصري، برسم الاستعدادات لكأس العالم 2026، ترديد شعارات عنصرية ومعادية للمسلمين.

وفي الوقت الذي كان من المفروض أن تلعب فيه المناسبات الرياضية محطات لتعزيز التقارب بين الشعبين المغربي والجزائري، في ظل القطيعة السياسية، أضحت هذه المناسبات محطات لإثارة الفتن وتعميق الفرقة.

إن تصاعد هذه الخطابات، ونسفها لملتقيات رياضية وتحويلها إلى فضاءات لتكريس العداء والأحقاد والكراهية، يجد أساسه في التجييش الإعلامي، وبخاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي ترافق هذه التظاهرات، وضمن عدد من البرامج الإعلامية.

ومن جهة أخرى، يشكل انتشار هذه السلوكات في عدد من الميادين الرياضية تعبيرًا عن تصاعد العداء ضد الأجانب، وبخاصة داخل أوروبا، بفعل الخطابات التي تعتمدها الكثير من الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة إزاء المهاجرين، وهو ما يمثل خطرًا على القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة بشكل عام.

إن التطبيع مع هذه الخطابات يفتح المناسبات الرياضية، التي تحظى بمتابعات واسعة عبر العالم وبين مختلف الفئات الاجتماعية، على متاهات من تكريس رسائل عكسية متصلة بالكراهية والتعصب، لتنضاف إلى مظاهر الشغب والعنف التي لا تخفى تأثيراتها السلبية في أوساط مختلف الفئات الاجتماعية، وبخاصة الشباب منها.

حقيقة أن هناك توجهات جدية، وطنيًا وإقليميًا ودوليًا، للحد من هذه الممارسات، التي أصبحت تواجه بعقوبات جنائية، وأحيانًا بوقف المقابلات الرياضية، بعدما كان الأمر يقتصر في السابق على الغرامات المالية فقط.

ونشير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم اتخذ تدابير زجرية في مواجهة هذه السلوكات داخل الملاعب، حيث فرض غرامات مالية ضد عدد من الاتحادات الوطنية بسبب ممارسات عنصرية لبعض الجماهير، بالإضافة إلى إيقاف بعض اللاعبين بسبب تورطهم في هذه السلوكات.

وفي عام 2024، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم بإيقاف اللاعب الإيطالي “ماركو كورتو” طيلة عشر مباريات، كرد فعل على الإهانات العنصرية التي أساء بها إلى اللاعب الكوري الجنوبي “هوانغ هي تشان” في إحدى المباريات الودية.

إن مواجهة هذه المظاهر المسيئة تُسائل مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية، من إعلام ومؤسسات تعليمية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية، كما تفرض سنّ تشريعات صارمة لأجل مناهضة هذه الممارسات المقيتة، علاوة على تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري التي اعتمدت في عام 1965 ودخلت حيز التنفيذ عام 1969).

كما يمكن للأندية الرياضية، بدورها، أن تتخذ تدابير صارمة في مواجهة المتورطين في مثل هذه السلوكات، من خلال فرض غرامات على المعنيين بها من لاعبين وفرق، وتنظيم مباريات بدون جمهور، علاوة على إطلاق برامج للتوعية في هذا الشأن.

وهو ما سيسمح حتمًا بجعل الرياضة وسيلة أساسية لبناء شخصية متوازنة للشباب، كفيلة بمواجهة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب.

مدير مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، وباحث غير مقيم بمركز تريندز للبحوث والاستشارات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • Ali
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 07:27

    كرة القدم رياضة يحبها الكثيرون، من الأطفال الصغار إلى كبار السن، لذا علينا أن نسعى جاهدين لضمان خلوها من الأعمال العنصرية.

  • محبوب
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 08:01

    للأسف مازالت تلك السلوكيات منتشرة رغم ان الامم الامتحدة اصدرت قرارات وإعلانات عديده للحد من الكراهية . الحل هو التربية على المحبة وقبول الاخر والتسامح داخل الاسرة وفي المدرسة والشارع ووسائل الاعلام

  • حسين
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 10:28

    كلمة التسامح والكراهية..ومفهومها غالبا ما تستعمل عن قصد في غير مكانها خاصة عند العلمانيين والحداثيين .

  • مغربي حر
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 11:03

    فعلا الرياضة وكرة القدم ..يجب أن تكن نبيلة وان تجمع الشعوب عوض أن تفرق …لكن ما تشهده هو خلط ماهو سياسي بما هو رياضي خاصة ..عندما تكون دولتان متجاورتان ..باديولوجية مختلفة الاول . بتشحين يومي في الاعلان الرسمي والغير الرسمي…موجه للمواطن العادي …والثانية متسامح ومتحضرة وواعية

  • كمال امارير
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 13:50

    جزء1
    رغم اختلاف الألوان واللغات والعقائد، يبقى البشر جميعًا أبناء أصل واحد؛ من نفس الأب والأم، آدم وحواء، وهو ما يجعل الإنسانية أسرة واحدة مهما تفرقت بها الطرق والحدود. فنحن نحمل المشاعر ذاتها، نتألم بالطريقة نفسها، نفرح بالأمل نفسه، ونبحث جميعًا عن الطمأنينة والكرامة والمحبة. وهذا هو القاسم المشترك الأكبر بين الناس: أننا إخوة في الإنسانية قبل أي انتماء آخر.

    وفي كل المجتمعات، كما في كل الأديان والمعتقدات، يوجد الإنسان الطيب الذي يبني ويصلح، ويوجد أيضًا من يسيء ويعتدي ويزرع الفوضى. لذلك لم تُوجد القوانين عبثًا، بل جاءت لتنظيم حياة الناس، وحماية الضعيف من ظلم القوي، وردع المسيء حتى لا يتحول الشر إلى قاعدة والخير إلى استثناء.

    فمن الناس من يحتاج إلى العقوبة الرادعة حين يتجاوز الحدود، ومنهم من يحتاج إلى التوجيه والتوعية والتأطير، لأن كثيرًا من السلوكيات الخاطئة يمكن إصلاحها بالحكمة والتربية قبل العقاب. فليس كل منحرف مجرمًا بالفطرة، وليس كل مخطئ ميؤوسًا منه، بل إن الوعي قادر على إعادة كثير من الناس إلى طريق الصواب، ليصبحوا أكثر نضجًا وأبعد عن العنف والكراهية.

    ومن هنا، فإن لكل مشكلة يصنعها

  • كمال امارير
    الجمعة 24 أبريل 2026 - 13:53

    الجزء الثاني

    ومن هنا، فإن لكل مشكلة يصنعها الإنسان حلًا يستطيع الإنسان نفسه أن يبتكره إذا تحلّى بالعقل والإرادة والرحمة.
    أما الرياضة، وخصوصًا كرة القدم، فهي من أجمل الوسائل التي تقرّب الشعوب من بعضها، وتمنح الشباب متنفسًا للفرح والطاقة والانتماء الإيجابي. لكنها حين تنحرف عن رسالتها وتتحول إلى تعصب أو عنف، يصبح من الضروري إعادتها إلى مسارها الصحيح، بأسلوب حكيم ومتزن ومسؤول.
    وحين تُدار الرياضة بروح تربوية وإنسانية، فإنها تصبح مدرسة حقيقية لبناء شخصية متوازنة، قادرة على مقاومة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب. فالملاعب يمكن أن تكون ساحات صراع، لكنها قادرة أيضًا أن تصبح جسورًا للمحبة والسلام.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام