يأتي الإصدار الجماعي الموسوم بـ “الأدب والمدرسة: رؤى وتقاطعات” ليتوج مساراً من التعاون العلمي الإستراتيجي بين فريق البحث في تدريسية اللغات والآداب والعلوم الإنسانية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين -فرع مكناس-، وبين مؤسسة باحثون للدراسات والأبحاث والنشر والإستراتيجيات الثقافية. يعكس هذا المؤلف، الذي يوثق أشغال الندوة الوطنية العلمية المنعقدة بتاريخ 24 دجنبر 2025 برحاب المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس-مكناس (فرع مكناس)، إرادة مؤسساتية جادة لربط الممارسة التربوية بالبحث الأكاديمي الرصين. إن الغاية الأسمى من هذا العمل التربوي تتجاوز مجرد التجميع السكوني للمداخلات، نحو طرح وثيقة تربوية توجيهية تهدف إلى استعادة الدور المحوري للأدب في الفضاء المدرسي، وتجعل منه منطلقاً لمساءلة السياسات التعليمية في ظل التحديات المعاصرة، مما يمهد الطريق إلى مراجعة الفلسفة التربوية الناظمة لهذا التقاطع.
ينبني هذا العمل على أطروحة فلسفية ترى في الأدب ركيزة وجودية وحضارية تتجاوز كونه مادة دراسية تقنية. ويحلل الكتاب التناقض القائم بين اعتبار الأدب نسقاً رمزياً لتهذيب الوجدان وتربية الذوق، وبين تراجعه الملحوظ أمام هيمنة الرؤية العلموية والمعايير التقنية. هذه التحولات، المحكومة بـالمنطق النفعي الأداتي، أدت إلى اختزال الفعل التربوي فيما هو قابل للقياس الكمي والتوظيف المادي، مما نتج عنه تداعيات سلبية عميقة رصدها الباحثون في ثنايا الكتاب، وتتمثل في:
إضعاف الكفايات التواصلية والثقافية لدى المتعلمين نتيجة تغييب العمق الجمالي للنصوص.
تضييق الأفق التأويلي، مما يحول المتعلم إلى أداة للتنفيذ بدلاً من كونه ذاتاً قارئة ومنتجة.
إهدار الطاقات النقدية والوجدانية والتخيلية التي يشكل النص الأدبي محركها الأساسي.
تقويض بناء الذات الباحثة عن المعنى، وإحلال الذات المنتجة مادياً محلها.
وقد صُممت هيكلة الكتاب لتعكس استجابة علمية لهذه الأزمات، حيث سعى الباحثون إلى استرداد وظيفة الأدب كأداة للتحرر الفكري وبناء القيم الإنسانية الكونية. فقد توزعت مساهمات الباحثين بين محاور تُمثل الانتقال من المراجعة النظرية إلى مواجهة الإكراهات الميدانية والرقمية. وضعت المساهمات العلمية للباحثين الأصبع على جرح غائر في جسد المنظومة التربوية، مقدمةً تشخيصاً نقدياً للمسافة الآخذة في الاتساع بين الأدب والمدرسة. تتمثل الرسالة الجوهرية لهذا المؤلف في ضرورة الانتقال بالدرس الأدبي من مرحلة التلقي السكوني إلى مرحلة بناء الذات الباحثة عن المعنى. إن هذا العمل ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو وثيقة تضع صُنّاع القرار التربوي أمام مسؤولية إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية لضمان بقاء المدرسة فضاءً لبناء الفكر النقدي والهوية الجمالية، بعيداً عن ضجيج التقنو-علموية.
وتعكس محاور الكتاب المشروع العلمي عبر مستويات متكاملة: فمن جهة، ركز المساهمون على إعادة التفكير في الأسس الفلسفية والتربوية التي تحكم علاقة الأدب بالمدرسة في المنظومة الحديثة. واستهدفت هذه المداخلات تحليل مبررات تراجع مكانة النص الأدبي تحت وطأة المنطق النفعي الأداتي. فلقد كان المقصد الأساسي هو الانتقال من مجرد تعديل التمثلات التقليدية حول الأدب إلى تجديد المقاربات الديدكتيكية التي تعيد الاعتبار للأدب.
ومن جهة أخرى، انصبت مجموعة أخرى من المساهمات على الأبعاد الأنثروبولوجية والقيمية للنص الأدبي، مستهدفةً رصد التقاطعات الحيوية بين الدرس الأدبي والهوية الثقافية في المدرسة المغربية. وسعى الباحثون من خلالها إلى تبيان دور الأدب كركيزة أساسية في تأسيس ثقافة الذوق الأدبي المشترك، مع معالجة سؤال القيم والرهانات المرتبطة ببناء شخصية المتعلم، فضلا عن تسليط الضوء على إكراهات التلقي المدرسي للنص الأدبي في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية الراهنة.
كما شمِل الكتابات مساهمات جادة تستشرف مستقبل تدريس الأدب في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مناقشاً التحديات التي يفرضها عصر المنصات والوسائط الحديثة على المقررات الدراسية. وهدفت هذه المداخلات إلى البحث عن آفاق جديدة لدمج الأشكال الرقمية للأدب في المناهج المغربية، واستثمار التكنولوجيا لخدمة النص الأدبي بدلاً من تهميشه، وذلك لضمان مواكبة الدرس الأدبي للتحولات المتسارعة في طرق إنتاج المعرفة واستهلاكها.
وفي الختام، تتجلى القيمة العلمية والتربوية لهذا المؤلف الجماعي في كونه لا يقف عند حدود التوصيف النظري، بل يمثل وثيقة مرجعية تؤسس لمصالحة حقيقية بين النص الإبداعي والمؤسسة التعليمية. وتنبثق قيمته الجوهرية من قدرته على تقديم بدائل ديدكتيكية تتجاوز النظرة النفعية الضيقة، لتعيد للأدب هَيْبته كأداة لبناء الذات الباحثة عن المعنى وصقل وجدان المتعلم.
“If you want your children to be intelligent, read them fairy tales. If you want them to be more intelligent, read them more fairy tales”
“إذا كنتم تريدون لأطفالكم أن يكونوا أذكياء، فاقرؤوا لهم الحكايات الخرافية (الأدب). وإذا كنتم تريدون لهم أن يكونوا أكثر ذكاءً، فاقرؤوا لهم المزيد منها.”
Albert Einstein
(يُؤكد أن الأدب والخيال هما الوقود الأساسي لتنمية التفكير النقدي والذكاء العلمي لدى الإنسان)
“We read to know we are not alone”
“نحن نقرأ لنعرف أننا لسنا وحدنا”
(C Lewis)
أستاذي،
أحييك على هذا التشخيص الصائب،
فالنص الأدبي، بجماله الآسر وسحره الخاص، يظل نافذتنا الأسمى لتهذيب الوجدان. ولا شيء يفوق روعة نصٍّ أدبي رفيع يهز أعماقنا ويجعلنا “نشعر” بإنسانيتنا وسط جفاف المادة. إن فكرتك حول تراجع الأدب أمام النظرة النفعية الضيقة تلخص أزمة جيل كامل يُساق نحو الآلية، وأود أن أضيف هنا أن التاريخ يُعلمنا بأن الأمم حينما تنهض وتزدهر، لا تفعل ذلك في المعامل والمختبرات وحدها، بل تتقدم على جميع المستويات علميًا وأدبيًا وفكريًا في آن واحد، فالعلم يمنحنا القوة بينما الأدب يمنحنا المعنى.
ALHOCEIMA