أطلق العاهل المغربي محمد السادس مبادرة إفريقية للتفكير في مواجهة كورونا وآثارها الإنسانية والاقتصادية على القارة من خلال الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما يوم الإثنين 13 أبريل الجاري مع كل من رئيس جمهورية كوت ديفوار ورئيس جمهورية السنغال، إذ اقترح عليهما إطلاق مبادرة لرؤساء الدول الإفريقية تهدف إلى إرساء إطار عملياتي بهدف مواكبة البلدان الإفريقية في مختلف مراحل تدبيرها للجائحة، وقصد تعبئة طاقات القارة السمراء وشعوبها لمواجهة الخطر المحدق بها، ولتتجنب ما حدث في أوروبا وأمريكا من اكتساح شبه كامل للفيروس لبلدان هذه التكتلات الإقليمية التي كانت قبل أسابيع تعد واحدة من التكتلات السياسية والاقتصادية الأقوى عالميا، والتي تقود وتؤثر في العالم، وتصنع سياسته؛ لكنها أمام قوة الفيروس واختيار أغلب بلدانها خطة مناعة القطيع في مواجهة كورونا، أدى ذلك إلى شبه انهيار كلي للقيم التي ظلت تسوقها للعالم، قيم التضامن والتآزر الأوروبي، مقابل ما شاهدناه من اختيارات فردانية تعكس حقيقة الوضع الذي آلت إليه، من حديث عن قرصنة الأدوات الطبية، واحتجاجات لشعوب بعض الدول، خاصة الإيطالي، بسبب تركه وحيدا أمام الفيروس، وإعادة إغلاق الحدود بين الدول، وصولا إلى الانهيار الكامل لأسعار البترول والبورصة الأمريكية…هي كلها اختيارات تعكس بزوغ توجهات جديدة لن تكون عليها قارة أوروبا ولا القارة الأمريكية كما كانت عليه قبل كورونا.
في المقابل، في قارة قريبة من أوروبا، كان للملك المغربي، بدل أن ينغلق على بلده، والنجاة فقط بالمغاربة، اختيار آخر معاكس للاختيارات التي سارت عليها عدة دول وتكتلات إقليمية، أولها القارة الأوروبية.. اختار أن يمد اليد لإفريقيا، ويعلن خطة جماعية لمواجهة الفيروس، تعتمد نهج النجاة الجماعي لكل شعوب المنطقة، وهو ما تجسد عمليا في مبادرات تجاه دول إفريقية، أولها مالي التي شكرته على الدعم الطبي الميداني الذي خصصه لها باسم المغرب.
نحن لسنا أمام اختيار ملكي مناسباتي أملته الحاجة إلى مواجهة تهديدات كورونا، بل إننا أمام اختيار واضح وإستراتيجي للمغرب ملكا ومؤسسات، تجلى منذ اليوم الأول الذي اختار فيه البلد العودة إلى مقعده في الاتحاد الإفريقي، والكلمة التي ألقاها محمد السادس في القمة التي تلت طلب العودة، وكانت عبارة عن برنامج لميلاد إفريقيا جديدة، إفريقيا حرة، موحدة على قيم التعايش الجماعي، على استغلال شعوبها لخيراتها، على السلم والتنمية. فعكس ما ذهبت إليه بروبغندا الخصوم، لم تكن إفريقيا أمام إعلان نوايا، بل وجدت نفسها أمام خطاب عبارة عن برنامج يعكس رؤية ملكية مغربية لما يجب أن تكون عليه، خلافا لما كانت عليه لعقود، إذ تحولت إلى مجرد أداة للهيمنة ولاستعمال أجهزة الاتحاد الإفريقي في تقسيم شعوبها ودفعها إلى العنف والحروب الأهلية. إنه فشل لجنوب إفريقيا ولاختياراتها والمحور المتحلق حولها، وللذين أداروا ظهرهم اليوم لإفريقيا واختاروا بدل ذلك محاولة جر المغرب لمواجهة دبلوماسية بدل الانخراط معه في مواجهة الجائحة، التي حذرت مؤخرا منظمة الصحة العالمية من كونها قد تشكل خطرا وتهديدها حقيقيا لإفريقيا.
مبادرة المغرب هي مبادرة للمستقبل، للعيش المشترك، للدفاع عن حق شعوب إفريقيا في الحياة.
المبادرة الملكية الموجهة إلى القادة الأفارقة هي مبادرة للحياة، تهدف ليس فقط إلى مواجهة الجائحة، بل إلى الاستعداد لما بعدها، لمواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ستواجه القارة مستقبلا، وهي تحديات لا يمكن مواجهتها بالاختيارات الفردية، بل بالمواجهة الجماعية، وبرؤية قيادية للقارة كالتي أطلقها محمد السادس.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.