مازال الاحتقان سيد الموقف بين وزارة التربية والأساتذة بمختلف أسلاكهم في طول المغرب وعرضه. رجال التعليم ونساؤه مستمرون في إضراب شل المؤسسات التعليمية على الرغم من دعوة ثلاث نقابات إلى ضرورة العودة إلى الأقسام، داعية المنتسبين إليها “يديرو النية” على أمل أن تتفاعل الجهات المسؤولة مع مطالبهم بشكل إيجابي.
أغلب الأساتذة رفضوا الاستجابة لدعوة النقابات، وأعلنت التنسيقيات عن إضراب آخر لمدة ثلاثة أيام (14-15-16- من الشهر الجاري) ويظل الباب مفتوحا على أيام أخرى من الاحتجاجات مما يندر بسنة بيضاء، إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.
لم يسبق لنظام أساس في المغرب أن ووجه بالرفض كما ووجه نظام وزير التربية الحالي السيد شكيب بن موسى. لم تفلح الاقتطاعات من الأجور، ولا وعود عزيز أخنوش بتجويد النقط الخلافية الواردة في النظام الأساسي في إقناع رجال التعليم ونسائه بوضع حد لخروجهم بالآلاف إلى الشارع، والعودة إلى الأقسام.
ما الذي جعل الأساتذة ينتفضون ضد هذا النظام، بينما تم تنزيل الأنظمة السابقة منذ الاستقلال حتى اليوم بسلام ودون مقاومة. هل كانت تلك الأنظمة منصفة لهيئة التدريس مما جعلهم لا يحتجون عليها، أم أن معطى التوظيف بالتعاقد، هو ما جعل الأساتذة يقتنعون بأن معركتهم معركة وجودية عليهم أن يتصدوا لها من أجل أنفسهم ومن أجل الأجيال القادمة.
لا شك أن العامل المذكور عامل أساس، ينضاف إليه عامل التضخم، وعجر القدرة الشرائية على مسايرة موجة الغلاء مما يتطلب زيادة في أجور الموظفين، إضافة إلى أن النظام الأساسي لم يعالج مشكلة التعاقد بشكل مقنع، وخوف الأساتذة من تبعات فرض الوزارة للتعاقد يجعلهم مصرين على سحب النظام الأساسي نهائيا وليس تجويده.
هذا الشد والجدب القائم حاليا بين وزارة التربية والأساتذة، جعل كيل آباء وأولياء التلاميذ يطفح، وأصبحوا يخشون أن يتحول موسم 2023-2024 إلى سنة بيضاء، مما سيحرم أبناءهم بلا دنب من سنة دراسية. خوف الآباء له ما يبرره، فقد ناهز الزمن المدرسي المهدور حتى كتابة هذا المقال ما يقارب الشهرين. وحتى لو عاد الأساتذة إلى الأقسام وأنهوا إضراباتهم، فإن استدراك ما فات من زمن مدرسي ضاع هباء لن يكون بالمهمة السهلة. سيتطلب إنقاذ الموسم الدراسي وضع خطة دعم ناجعة وهادفة، تقوم على تقليص العطل المدرسية وتأجيل تاريخ الامتحانات خاصة الإشهادية في مختلف الأسلاك.
ما الذي جعل المدرسة المغربية تشهد هكذا احتقان غير مسبوق، وأزمة دفعت أزيد من مائة ألف أستاذ وأستاذة إلى الحلول بالعاصمة الرباط لينددوا بالنظام الأساسي الذي يعتبرونه ظالما ومجحفا. إلى أين تسير المدرسة العمومية، وهل مازالت تعتبر أهم وسيلة للترقي الاجتماعي الذي تنشده الأسر.
وحتى لا نشخصن النقاش ونغلب كفة على كفة أخرى، نقول إن الموضوعية تقتضي أن لا نتهم الأساتذة بأنهم أنانيون لا يفكرون سوى في مصلحتهم، ضاربين بمصلحة التلاميذ عرض الحائط، ولن ننطلق أيضا من مبدأ أن وزارة التربية الوطنية حاولت أن تعد نظاما أساسيا يحاول الخروج بالمدرسة المغربية من نفق الركود.
لن يعارضنا القارئ إذا ما قلنا إن المدرسة المغربية تاريخيا واجتماعيا وحتى سياسيا بلغت مرحلة تتطلب التخلص من أي إصلاح ترميمي، لننتقل إلى إصلاح هيكلي عميق يكون أصحاب القرار فيه قادرين على مواجهة الإشكالات المطروحة والعمل على إصلاحها بشجاعة تمكن مدرستنا العمومية من لعب أداورها الطلائعية في تنمية البلاد.
أول ما يجب أن تركز عليه الحوكة هو إعادة الثقة للمدرسة العمومية، ولن يتم ذاك إلا بالعناية بالأستاذ، لا يمكن أن نتقدم بمدرستنا العمومية إلى الأمام مع أساتذة يشعرون بالإحباط ولو تم صرف مبالغ طائلة على الإصلاح. الموارد البشرية هي كنز الشعوب وبها إذا كانت مؤطرة معرفيا وأخلاقيا تتقدم الأوطان. إضعاف المدرسة العمومية يترتب عنه تقوية التعليم الخاص، وبالتالي إرهاق الأسر بمصاريف هم في غنى عنها، مما يزيد من أفكارهم، في وقت يعانون فيه من تكاليف العيش الباهظة.
إرساء ثقافة الحق والواجب، وجعل مهنة التدريس جاذبة، وليست في حضيض الوظيفة العمومية، ونهج على الدوام حوار اجتماعي تكون الثقة أساسه، ومصلحة الوطن غايته هو الحل للازمة قطاع التعليم. المدرسة العمومية كما هو الشأن في كل دول العلم، مكسب وطني، وسيلة للترقي الاجتماعي إذا ما تمكنت من أن تتصالح مع سوق الشغل، وهي أيضا أداة لتحقيق الأمن اللغوي الذي تنبني عليه الهوية المغربية والتي تتميز بالتعدد والتنوع لغة وإبداعا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.